90 تغريدة 20 قراءة Aug 05, 2021
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
( نظرية الألعاب و التطور)
الشكر والتقدير للدكتور أحمد إبراهيم فلولاه ما خرج هذا المقال
مقدمة :-
تعتبر نظرية الألعاب من أهم النظريات العلمية حالياً لا تقتصر هذه النظرية على العلوم الاقتصادية أو السياسية فحسب
بل متشعبة لأقصى حد ومن تطبيق هذه النظرية أنها ترتبط بالبيولوجيا التطورية إرتباط وثيق وفي هذا المقال سوف نستعرض معكم نظرية الألعاب والتطور ومدى قدرة التطور مع باقة من العلماء.
أولاً التعاون ونظرية التطور :-
إن السلوك التعاوني في الكائنات الحية لهو من أشد الأزمات التي تواجه نظرية التطور وذلك لأن وجود الصفات التعاونية بين الكائنات الحية هو بمثابة معضلة تطورية كبيرة تلك الصفة التي لا تقتصر على عدة أنواع وإنما هي واسعة الإنتشار جداً في المملكة الحيوانية
فالكائنات الحية تعجب بصور كبيرة جداً لهذا التعاون هذا و قد أحتدم النقاش في هذه المعضلة في ستينيات القرن الماضي من ناحية أخرى طرح بعض علماء البيولوجيا التطورية وعلماء الاقتصاد والرياضيات التطوريين أطروحات جديدة في محاولة لحل هذه المعضلة
فقالوا بأن بعض الصفات التعاونية تعود على الفرد المتعاون بالمنافع بطريقة أو بأخرى وما لا يمكن أن يعالج بهذه الطريقة هو الإيثار المطلق لكن يمكن أن يكون نفعه غير مباشر في حالة ما إذا كان يعود على الأقارب فقط
وذلك لأنهم يحملون تلك الصفات نفسها التي يحملها المتعاون وبالتالي سيحملونها إلى الأجيال القادمة وبالتالي هذا في نظرهم يحمل نفع للفرد الذي ضحى بنفسه ( أو بمعنى أصح نفع للجينات التي دفعته لهذا التصرف)
وهذا ما تحدثنا عنه سابقاً والمعروف بآلية إنتخاب ذوي القربى فكلما زادت درجة قرابتك للأفراد المنتفعين بصفاتك التعاونية كان النفع الذي تقدمه لهم عائداً عليك بوجه أو آخر وذلك لأن نجاح هؤلاء الأشخاص في العيش سوف ينقل جيناتك أو معظمها للأجيال القادمة
وهذا هو الذي يحرك الكائنات الحية خلف الغرائز من وجهة نظر الداروينيين.
"يمكنك عزيز القارئ قبل أن نكمل أن تشاهد حجم مستنقع المادية الغارق فيه هؤلاء سبق وأن كتبنا مقال عن الأخلاق المادية "
لم يقتصر الطرح التطوري لحل معضلة التعاون على ما سبق فقد تم طرح آلية تعرف بآلية التركيب المكاني والذي ينتج من خلال أسلوب النمو للكائنات الحية أو أسلوب العيش بشكل منعزل وذلك بسبب أو لأخر أو حواجز فرضتها البيئة وهذا سيضمن وفق لهم أن الجميع متعاونون في هذا المجتمع المغلق
وبناء عليه فتكاليف التعاون سوف يتم تقسيمها على الجميع بالتساوي وليس هناك خسارة نسبية ستقع على الفرد المتعاون دون غيره وبناء عليه فإن هذا كافي لإستمرار التعاون.
وليس هذا فحسب فقد طرح مؤيدي نظرية التطور كذلك ما يعرف بآلية العقاب تلك الآلية معروفة في عالم الحشرات وهي آلية تتبعها الحشرات التي تبني مجتمعات تعاونية كبرى
من ذلك النمل والنحل والدبابير وغيرها فهذه المجتمعات بها من يقوم بدور العقاب لكل من يقصر في عمله الذي كلفه به ويتم عزله عن المجتمع.
وهناك أيضاً آلية شبيهة تعرف بآلية الإكراه ويقصد بتلك الآلية الإكراه على التعاون والتي تتمثل في الإكراه على التعاون أو السلوك الذي يصب في مصلحة المجتمع وليس في مصلحة الفرد نذكر من ذلك الفيرمون والذي تطلقه ملكة النحل
حيث يعمل على تثبيط مبايض النحل الشغالات وذلك لكيلا تنتج بيضاً فيكون هناك أكثر من مصدر للبيض وبناء عليه تفسد الخلية ولن تجد بيوض الملكة من يرعاها.
وهناك آلية أخرى طرحها العلماء للرد على معضلة التعاون وهي آلية العوائد التناقصية وهي محاولة لكبح جماح التنافس في تحصيل الفوائد والأرباح الذي يدفع إلى السلوك غير التعاون أو السلوك الأناني الإستغلالي فعل سبيل المثال لو لدينا ثلاث أكواب وأنت ينتابك شعور بالعطش
فإن أول كوب سيروي عطشك بنسبة 50 % بينما ثاني كوب سيروي عطشك بنسبة 30 % بينما الثالث قد لا يمكنك شربه كله فهذا التشبع له دور في تقليل التنافس الذي يحدث على الموارد وبناء عليه فإن لذلك دور في تقليل فرص الإستغلال وله دور مهم كذلك في كبح آليات التطور
الذي تدفع الجميع لتحصيل أكبر قدر من الفوائد والأرباح مهما كان الثمن ولعل المثال الأشهر على ذلك في البيولوجيا هو الخفافيش المصاصة للدماء حيث يتنافسون فيما بينهم على الوضع الأفضل لإمتصاص دماء الفريسة
لكن عند عودتهم يكون منهم المتخم من كثرة شرب الدماء ومنهم الجائع خاوي البطن فيتشاركون فيما بينهم قدراً من الدماء أي الذي تشبع من شرب الدم يعطي لمن فشل في تحصيل قدر من شرب الدماء وبالتالي بعد أن كانوا يتنافسون على هذه الدماء أصبحوا يهبونها بعضهم لبعض بسبب التشبع.
ولهذا فإن هذا السلوك التعاوني يضمن لهم أن يجدوا ما يسد حاجتهم في أغلب الأيام وبالتالي فيكون التشبع هو السبب في هذا السلوك التعاوني وهناك آليات أخرى حاول أيضاً التطوريين تقديمها لتفسير معضلة التعاون.
لكن السؤال هنا يطرح نفسه ما الذي جعل آليات التطور الأساسية غير قادرة على تفسير وجود الصفات التعاونية؟ و لماذا إحتاج الأمر لوضع آليات أخرى سالفت الذكر؟ والأهم من ذلك هل حلت هذه الأليات الأزمة أم لا؟
كما نعلم فإن نظرية التطور تنبأ بأن الفرد الإستغلالي غير المتعاون سيحصل أرباحاً أكبر لأنه يجني منفعة ضخمة من وجودة في مجتمع متعاون بدون أن يتكلف فتورة التعاون الباهظة وبالتالي فإن الأناني سيتغلب على التعاون أين وجد وأين ذهب وسينصره الإنتخاب الطبيعي
وهذا وفق نظرية التطور ففي هذه المعادلة سوف نرمز للمتعاون بالرمز ( A) والأناني بالرمز ( D) فإذا ما حدثت هجرة أو طفرات تسببت في وجود المتعاون وغير المتعاون في المجتمع نفسة فستكون النتيجة هي تغلب غير المتعاون على المتعاون
حتى ينقرض المتعاون وهذا كله وفق آليات التطور نفسه وبهذا تكون المعادلة كالآتي :
(A A A A) mutation or migration ~ ( A A A A D) ~ selection ( A A A D D D) ~ selection ( D D D D D D)
هنا المفارقة لأن الإنتخاب الطبيعي سوف يقصي المتعاون ويختار الأناني وبالتالي سيتسبب في إنهيار المجموعة فعندما يتغلب الأناني على المتعاون ستفقد الصفات التعاونية التي يقوم عليها المجتمع في الأساس مما يضعف المجتمع في النهاية ويؤدي إلى إنقراضه بالكلية
بما في ذلك غير المتعاون الذي سيلعب لصالحة مع أناني مثله وهو ما يعرف ( بالإنتحار التطوري) وكذلك الطفرات التي من المفترض أنها تجلب دائماً الصفات الجديدة إلى المجتمع سوف تؤدي بلا شك إلى وقوع مواجهة بين المتعاون وغير المتعاون لا محالة
وبالتالي إذا ما رجعنا لآليات التطور الأساسية فسوف تختار بل محالة الأناني وتقصي المتعاون.
هذا وقد تم رصد تلك المعضلة العلمية نظرياً وتجريبياً فبالمفهوم النظري فتتمثل في معضلة السجين الشهيرة حيث كما يعلم كل مطلع على نظرية الألعاب أن الإستراتيجية الأنانية هي المفضلة دائماً ومعضلة السجين هي عبارة عن نموذج رياضياتي لنتائج إلتقاء الإستراتيجيات المختلفة
وكيف ستكون محصلة ذلك وتتمثل المعضلة بعرض تعرضه الشرطة على شخصين مشتبه بهما ولا تمتلك الشرطة دليل إدانة ضدهما ويكون هذا العرض لكل منهما على حدة ويتمثل العرض في الأتي :
1- لو أعترف أحدهما على الآخر فسوف يتم إطلاق سراحه ويعاقب زميله بثلاث سنوات وهذا العرض ساري لكلايهما أي إذا أعترف (أ) على (ب) أو (ب) على ( أ)
2- ولو لم يعترف الإثنين وظل صامتين سوف يعاقب كل منهما بسنة
3- أما لو أعترف كل منهما على الآخر فسوف يعاقب كلاهما بسنتي سجن
فهنا الأعترف هو الأنانية والسكوت هو التعاون فتبقى الأنانية في هذا النموذج مفضلة لأنه لا يعرف ماذا سيفعله الآخر.فلو سكت فقد يعترف زميله ويطلق صراحة بينما يحبس هو الثلاث سنوات ولو تعاون زميله أيضاً فسوف يحبس عاماً فهو مخير بين واحد و إثنين أما لو كان أناني واعترف على زميله إبتداء
فسوف يطلق صراحة أو على أقل تقدير سوف يحبس عامين أي الأختيار الأول والثالث فالجميع متفقون على أن التعاون عرضة في كل لحظة للإستغلال من غير المتعاونين ومتفقون على أن المستغل سوف يحسم النزاع لصالحة.
لكن الواقع الأن يخبرنا أن الكائنات ما زالت موجودة وتعج الحياة البيولوجية بالتعاون وهذا يقر به أي عالم تطوري ومن يقرأ أي ورقة علمية في مجال التطور الإجتماعي سوف يعلم أن كل ما ذكر من المسلمات العلمية التي لا جدال فيها
ومن هنا تظهر المشكلة وهي تفسير الصفات التعاونية رغم أنها تخالف آليات التطور.
ولعل من اشهر الاوراق البحثية في ذلك :-
1- West, S.A.,Diggle, S. P., Buckling,Gardner, A., & Griffin, A.S.( 2007b).The Social lives of. Microbes. ANNU. REV. ECOL. EVOL. S, 53-77.
2- West,S.A.,Griffin, A.S., Gardner, A.,& Diggle, S. P. ( 2006). Social evolution theory for. Microorganisms. Nat. Rev. Microbiol, 4 (8), 597 -607.
3- Travisano, M., & Velicer, G. J. ( 2004). Strategies of microbial cheater control. Trends in. Microbiology, 12 (2), 72 -78.
هذا وتعتبر أقوى الأوراق البحثية في ذلك هي ورقة عالم الفيزياء و الحوسبة البيولوجية البروفيسور ( ويليام بريس) رئيس الأكاديمية الأمريكية لتقدم العلوم الأشهر في العالم.
وعالم الرياضيات والفيزياء والذي أسس نظرية المجال الكامي مع بروفيسور فاينمان البروفيسور ( فريمان دايسون)
حيث أن ورقة بريس ودايسون قدمت طرح فريد لمفارقة الإبتزاز حيث تكشف هذا الورقة المهمة عن إستراتيجية جديدة داخل نموذج معضلة السجين وهذه الإستراتيجية الفريدة تسمى ( extortionate ZD strategy) هذه الإستراتيجية مختلفة عن الإستراتيجية التي سبق أن شرحتها لعالم الإقتصاد بروفيسور روبرت أومان
حيث أن هذه الإستراتيجية تقوم على إبتزاز اللاعب الآخر لكن هذه المرة لن يكون ( أ) أناني بالنسبة ل ( ب) بشكل واضح أي أنه لن يكون ذلك الأناني الصريح وإنما هو يلعب بإستراتيجية خادعة تقوم على التعاون بالقدر الذي يجعل الطروف الآخر مخدوعاً ليسهل إبتزازة.
الأمر لا يتوقف عند هذا فقط بل إنه المبتز في هذه الحالة سوف يقوم بتحديد أرباح الطرف الآخر كما أنه سيقوم بتثبيت نسبة ثابتة بين ربح الطرفين وهذه الإستراتيجية ستكون بمثابة جدار صلب لا يمكن إختراقه أي أن النتيجة ستكون لصالح المبتز لا محالة
وأي لاعب تطوري سوف يقف أمام الإبتزاز سوف يغلب وسوف يستسلم لهذا الإبتزاز.
لكن الإستثاء الوحيد في هذه الورقة البحثية هو أن يكون اللاعب بشر واعي لأنه قد يختار أن يثور على هذا الوضع ويرفض الإستسلام للمبتز حتى لو كان في ذلك ما يلحق الضرر به.
وهكذا كانت لهذه الورقة أهمية عظيمة في علم البحث العلمي حيث أعادة لإستراتيجية الأناني الهيمنة مرة أخرى وهذه كما قولنا أزمة كبيرة من الناحية التطورية لأن التطور سيكون غير قادر على تفسير وجود الحياة التي تقوم بدورها على التعاون باستثناء ما إذا كان اللاعب له وعي بشري
لكن حاول بعض العلماء على الجانب الآخر توجيه النقد لتلك الورقة البحثية المهمة وكان من هؤلاء البروفيسور بولتكن و كذلك بروفيسور ستيوارت حيث وضع الإثنين إستراتيجية تقضي بعدم إستقرار إستراتيجية الإبتزاز عند إنتشارها والسبب من وجهة نظر المنتقدين
أنه حين تنتشر إستراتيجية الإبتزاز سوف يؤدي ذلك لكثرة إحتكاك الأنانيين ببعضهم البعض الأمر الذي سوف يؤدي في النهاية لهزيمتهم وسيادة إستراتيجية التعاون والتي تعرف بإستراتيجية السخاء ( generous ZD) وبالتالي فإن التطور سينصر المتعاونين.
وليس هذا فحسب بل تبع طرحهم هذا بتجارب تؤكد أن اللاعب الوعي يستطيع تأديب وردع اللاعب المبتز أي أن التعاون مدعوم من الإنتخاب الطبيعي
لكن في عام 2014 خرج بولتكن و ستيوارت بنتائج صادمة وذلك بعد تمديد النموذج الخاص بهم ليشمل التلاعب في الإستراتيجيات ونسبة الأرباح التي يحصل عليها المتعاونين وكذلك التغيير بين متعاون وأناني وكان النتيجة فشل توقعهم السابق الخروج بنتيجة أن إستراتيجية الإبتزاز
ستتغلب كما طرح دايسون و بريس وسوف ينهار التعاون مهما فعلنا لتسود في النهاية الإستراتيجية التي طرحها دايسون و بريس
google.com
google.com
وفي عام 2016 نشرت ورقة بحثية تؤيد طرح دايسون و بريس
google.com
وفي عام 2019 خرجت ورقة بحثية تؤيد الإبتزاز أكثر مما ذهب إليه دايسون و بريس حيث ذهبت لتغلب المبتز حتى على اللاعب الواعي ولن برتدع من العقاب متى كان هناك حافز يجعل من المنافسة أكثر قوة.
وذلك من خلال تجربة تم القيام بها على الطلاب بمكاسب مادية وتقديم جوائز تحفيزية بقيمة خاصة 10 يورو حيث إذا كان الفارق بين مكسب أحد اللاعبين عن الأخر يزيد عن قدر 10 %
وسوف يعوض المبتز عن خسارته حين يتم عقاب اللاعب المقابل وهذا سوف يجعل من المبتز أكثر شراسة وجرأة.
google.com
google.com
ثانياً مأساة المشاع > التجسيد الحي لمعضلة التعاون :-
مقدمة :-
تعتبر مأساة المشاع من أهم المعضلات العلمية المطروحة على الساحة إلى الأن وهي محط نقاش كبير بين العلماء ونود أن نعرض اليوم في هذا الجزء لتعريف مأساة المشاع وكيف أنها معضلة مع أمثلة لذلك مع هدم فكرة الحتمية الجينية
أولاً ما هي مأساة المشاع أو مأساة الموارد المشتركة :-
يرجع مصطلح مأساة المشاع إلى العالم (هاردين) وذلك في ورقة بحثية هامة نشرت عام ( 1968)
ويقصد بها أن الأفراد الذين يتنافسون حول مورد قد يؤدي هذا التنافس إلى زوال المورد نفسه الأمر الذي سيترتب عليه زوال النظام البيولوجي كله وهذا الأمر يمكن وقوعه في كل الموارد الموجودة في الطبيعة وذلك طالما وجد الأشخاص غير المتعاونين في مجتمعهم
ودفعهم إياه إلى حافة الإنقراض وبذلك يهلك المجتمع كله بسبب ضياع المتعاونين .
وهؤلاء الإستغلاليون يوجدون في أي مجموعة من الكائنات الحية سواء عن طريق الطفرات أو الهجرة من مكان إلى آخر وبالتالي فإن الحياة ينبغي أن تكون قد أنتهت منذ بلايين السنين
حيث لن تتجاوز بهذه الطريقة عصر الكائنات الأولية إذا صارت الأمور بهذه الطريقة وتبقى هذه المأساة معضلة أمام نظرية التطور وفكرة الجينات الأنانية حاول البعض تقديم حل لهذه المعضلة لكن إنتهى الأمر إلى فرض مأساة الموارد نفسها بدون حل .
كيف تدل هذه المعضلة على تدخل واع وكذلك عجز جميع الحلول أمامها ؟
لنظرية التطور الداروينية إتجاه واحد فقط وهو دفع الأفراد لتحصيل أكبر قدر من المنفعة وذلك بدون حد أقصى بينما إقتصادياً الموارد لها حد أدنى وهنا تقع المعضلة
حيث أنه لو تم التعدي على هذا المورد بهذا الشكل فسينهار المورد ولن يتمكن من تجديد نفسه وبالتالي فهذا الحد الأدنى للمورد شرط أساسي لوجود المورد وبالتالي أي مساس به معناة إنهيار المورد نفسه ولنضرب مثال إقتصادي على ذلك ثم نطبق الأمر على البيولوجيا .
مثال (1) : رأس المال لأي مشروع تجاري هو أساس التجارة كلها لكن لو تم التعدي على رأس المال هذا فسوف تنهار التجارة بشكل كامل وسوف يعود ذلك على أصحاب رأس المال أنفسهم بالدمار والخسارة وذلك عندما يتعدى الشركاء في التجارة على المال
حيث أنهم لا يحسبون أرباحهم وينفقون كل ما يدخل إلى خزينتهم ظناً منهم أن كل هذه الأموال من فائض أرباحهم وأن رأس المال ما زال في أمان وعلى هذا فهذه التجارة مصيرها الهلاك .
ولذلك فإن السبيل الوحيد لتفادي هذ الأمر هو حساب نسبة الأرباح لكن حساب نسبة الأرباح يحتاج إلى وعي وهذا لأنه ليس هنالك علاقة مادية تميز بين النقود التي هي رأس المال والنقود التي هي ربح خالص ولذلك يتم حساب الفارق بينهما بواسطة العمليات الحسابية
والتي تقيم فرقاً رياضياً بين رأس المال والأرباح وهذا كله يحتاج لتدخل واعي .
وهذا يزيد الأمر تعقيد أمام نظرية التطور لأن الحد الأدنى للحفاظ على المورد هو عملية رياضية ذهنية لا وجود مادي لها وعلى هذا لا يمكن للطبيعة العمياء التعامل معها وإنما الأمر يحتاج لتدخل واع .
وهنا يضرب لنا البروفيسور غاردين هاردين في ورقته العلمية الشهيرة مثال على مأساة الموارد المشتركة
والمثال هو أننا لو أمام مرعى مفتوح يرعى به من يشاء من الرعاة فهذا المرعى سيكون له حد أدنى تحتاجه الحشائش لإعادة النمو ولو تم التعدي على هذا الحد الأدنى فسينهار المرعى
ولن يتمكن من تجديد نفسة وهذا الحد الأدنى عملية حسابية بحتة لا وجود مادي لها وإنما ذهني رياضي وذلك بحساب هذا الأمر وعدد الرعاة وما يمتلكه كل راع من الماشية والوقت الذي يحتاجه العشب ليعيد دورته الحياتية ولذلك فمن مصلحة الجميع الإلتزام بمقدار معين من الماشية
ولا ينبغي أن يضيف أي راعي المزيد من الماشية لكن لو تعامل الراعي بشكل أناني بحيث تعامل من مصلحتة حيث أضاف المزيد من الماشية لأن الربح سيكون أكثر بالنسبة له بينما غيره من الرعاة سيحمل هذه التكلفة فهذا سيؤدي إلى مزيد من الاعتداء
مما يؤدي إلى التعدي على الحد الأدنى للمورد فينهار المورد ويخسر الجميع المرعى الذي كانوا يعتمدون عليه .
ولذلك فكل الحلول التي قدمها البروفيسور هاردين في ورقتة البحثية كانت تتطلب مهارات عالية ووعياً مثل تدخل الحكومة في تنظيم الأمر
أو عن طريق الخصخصة لكي يكون لكل مرعى من يقوم عليه والدراسات كلها في هذا الأمر تدور حول نفس الحلول كالمفاوضات والاتفاقات وما أشبه ذلك إن هذا التدخل الواعي يهدم النظرة الداروينية المادية والتي تخلو من أي وعي أو تدبير .
وبالتالي فإن التدخل الواعي هو الآلية التي يمكنها معالجة الإحتمالات اللانهائية لوقوع مأساة الموارد المشتركة في أي مجتمع وفي أي وقت حيث ستعمل هذه الآلية الواعية على كبح ومنع وجود الصفات الأنانية والتي قد تؤدي إلى تجاوز الحد الأدنى اللازم لبقاء الموارد
والذي سبق وقولنا أنه لا يمكن التعرف عليه إلا رياضياً وبالتالي الأمر يحتاج لتدخل واع لا يمكن تحقيقه من آلية مادية عمياء .
ثانياً الأدلة التجريبية على مأساة المشاع
- هناك أدلة تجريبية تم تقديمها ترصد مأساة الموارد المشتركة على أرض الواقع وهي ليست كثيرة والسبب وجود تفسير واحد
وهو وجود مدبر لذلك خلاف ما كان سيحدث لو كان الأمر خاضع للآليات المادية العمياء و بالتالي وقوع هذه الحالات القليلة وكأنها برهان داعماً للبرهان الرياضي والبرهان المنطقي ومن ذلك :
1- مكورة مخاطية صفراء وهي نوع من البكتيريا المتعاونة الإسم العلمي لها ( myxococcus xanthus) :-
تعيش هذه البكتيريا في جماعات وتقوم بمهاجمة فرائسها في أسراب وحين يقل الغذاء أمامها تبنى شئ يعرف بإسم ( fruiting body) وهي طريقة للتغلب على الظروف القاسية وذلك بإنشاء جراثيم تتحمل البقاء لتخرج أجيالاً في ظروف مستقبلية أفضل فتكون نصفه الأسفل عبارة عن عيدان داعمة
والنصف الأعلى عبارة عن جراثيم وكل فرد وهنا من حق كل فرد من أفراد البكتيريا أن يستثمر في بناء العيدان أو الجراثيم لكن دون أدنى شك من سيقوم بالإستثمار في بناء الجراثيم هو من سيبقى نسله بينما من يستثمر في بناء العيدان الداعمة فتكون هذه هي النهاية بالنسبة له
ولن يبقى له نسل وعلى هذا لو كان هنالك سلالة يغلب عليها الإستراتيجية الأنانية الملونة باللون الأخضر
تريد دائماً الربح الأكبر وبالتالي لا تستثمر إلا في بناء الجراثيم فستكون النتيجة أنها ستبقى وسينتهي بذلك السلالة المتعاونة ( الملونة باللون الأحمر لكن ببقاء السلالة غير المتعاونة ستفشل هذه السلالة بعد ذلك في بناء ( fruiting body)
وذلك لأن كل فرد فيها يبحث عن أكبر ربح وبالتالي سيؤدي ذلك في النهاية لإنقراض السلالتان وبالتالي فإن الموارد الذي كان ينبغي الحفاظ عليه هو الحد الأدنى من السلالة المتعاونة
والذي لا يمكن معرفتة إلا بالدراسة ولا يمكن منعه إلا بمنع السلالة الإستغلالية من الوجود مع المتعاونة وهذا لا يمكن ضبطه عن طريق آلية عمياء .
2- الخلايا السرطانية :-
إن الخلايا السرطانية أقوى في الإنتشار وكذلك في التكاثر وفي تحمل نقص الأكسجين من خلايا الجسم العادية كما أنها مقاومة للموت ولها العديد من الإستراتيجيات تجعلها أكثر كفاءة من خلايا الجسم العادية
وعلى هذا فهي أكثر ربحاً ومن ناحية أخرى الطفرات والإنتقاء الطبيعي يدعمان وجود تلك الخلايا بقوة والسرطان يؤدي في النهاية لموت المريض وبالتالي إلى موت السرطان فهذا ما يطلق عليه الإنتحار التطوري ففي حالة السرطان وقعت مأساة المشاع نتيجة أن زيادة الربح طغى على رأس المال
وهو الحد الأدنى ( سلامة الخلايا الطبيعية) والتي هي مورد لهذا النظام حيث لا يقوم إلا بوجود هذا الحد الأدنى ولأنه لا يوجد فاصل بين الربح و رأس المال في أرض الواقع فالسرطان يقوم بمنافسة الخلايا الطبيعية على المكان والغذاء وكل الخلايا الذي ينتصر عليها السرطان لها نفس الصفات
وبالتالي لا يعرف السرطان الفرق بين الربح الخالص ورأس المال الذي ينبغي عدم المساس به ما نريد قوله أن الآلية التطورية العمياء تعمل هنا على الهدم لا البناء .
3- أسماك القد :-
في المحيط الأطلنطي وأمام أحد شواطئ كندا يوجد أحد الأماكن معروف بتجمع أسماك القد ويعرف هذا المكان بإسم ( Grand banks) كان به وفره هائلة من تلك الأسماك فقامت صناعة ضخمة على صيد الأسماك
هناك بسفن عملاقة مما أدى للتعدي على الحد الأدنى الذي يحتاجه السمك للتكاثر والبقاء هذا الضغط في الصيد قد أدى لإنتخاب الأسماك التي تصل لسن النضوج وسن التكاثر بسرعة كبيرة فتم في خلال ثلاثين عام القضاء على أسماك القد هناك وبالتالي إنهارت تلك الصناعة في ثلاثين عام من ( 1960 إلى 1990)
فهذا الإنهيار قد حدث نتيجة قوة هذه الشركات الضخمة وتلك السفن العملاقة في الإصطياد فكان نتيجة ذلك دمار المورد نفسه ولأنه لا توجد علامة مادية تميز بين الأرباح و رأس المال أو الحد الأدنى الذي كان من المفترض المحافظة عليه إنهار المورد فالأسماك تشبه بعضها
فلا يوجد سمكة مكتوباً عليها أرباح و سمكة رأس مال ولا يمكن تحديد الحد الأدنى إلا من خلال عمل دراسات تحدد هذا الحد الأدنى ووضع عقوبات قاسية على من يخالف ذلك وبالتالي حماية الحد الأدنى من الدمار وكل هذا يحتاج لتدخل واع يفرض إرادته .
فلو إستبدلنا ذلك بحيوانات بحرية تفترس تلك الأسماك وبنفس العدد جاءت من خلال الطفرات العشوائية فسوف يدعمها الإنتخاب الطبيعي والذي هو دائماً يدعم تحقيق أكثر قدر من المنفعة وبالتالي سينهار المورد في النهاية فهذا التدخل الواعي
لا سبيل لإنكاره ولا التحايل عليه والإنسان بسفنه يمثل هذا الكائن المفترس الذي لم يتحمله النظام البيولوجي بالفعل لأن الإنسان من نظر التطور ليس له خصوصية فهو أحد الكائنات المتصارعة من أجل البقاء .
ويوجد الكثير من الأدلة التجريبية على مأساة المشاع ولكن نكتفي بذكر ذلك
المراجع :-
1- كتاب أختراق عقل: الدكتور أحمد إبراهيم: المتخصص في علم الصيدلة والباحث المتميز
2- ورقة بحثية بعنوان :-
( Iterated Prisoner’s Dilemma contains strategies that dominate any evolutionary opponent) :
أ-لعالم الفيزياء النظرية والحوسبة البيولوجية: بروفيسور : وليم بريس
2- ورقة بحثية بعنوان :-
( Iterated Prisoner’s Dilemma contains strategies that dominate any evolutionary opponent) :
أ-لعالم الفيزياء النظرية والحوسبة البيولوجية: بروفيسور : وليم بريس
ب- وعالم الفيزياء والرياضيات : بروفيسور : فريمان دايسون
3- ورقة بحثية بعنوان :-
( Collapse of cooperation in evolving games)
وورقة أخرى بعنوان:-
( Game theory analysis shows how evolution favors cooperation's collapse)
أ- عالم الأحياء الرياضي : بروفيسور : الكسندر ستيوارت
ب- عالم الأحياء التطوري وعالم الرياضيات : بروفيسور : جوشوا بلوتكين
4- ورقة بحثية بعنوان:-
( Extortion can outperform generosity in the iterated prisoner’s dilemma)
مجموعة من العلماء
5- ورقة بحثية بعنوان :-
( Extortion strategies resist disciplining when higher competitiveness is rewarded with extra gain)
1- عالم البيولوجيا : بروفيسور : لوتز بيكس
2- عالم البيولوجيا : بروفيسور : مانفريد ميلينسكي
6- ورقة بحثية بعنوان :-
( The friendly extortioner takes it all)
7- ورقة بحثية بعنوان:-
(Hardin, G (1968). The tragedy of the Commons. Science 162: 12431248.):
أ-عالم الاحصاء والبيئة : بروفيسور : هاردين
#احمد_زكريا
#عرض_ونقد
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...