#سرد
هل تعلم من هو سيد التابعين الذي كان يُفتي في المدينة رغم وجود صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..؟!
•ريتويت وفضلوا التغريدة لنشر سيرة من كان لهم الفضل الكبير في حفظ الدين ونشره وتعليمه للناس
هل تعلم من هو سيد التابعين الذي كان يُفتي في المدينة رغم وجود صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..؟!
•ريتويت وفضلوا التغريدة لنشر سيرة من كان لهم الفضل الكبير في حفظ الدين ونشره وتعليمه للناس
هو سعيد ابن المسيّب ابن حَزَن، من أهل البقيع، وأحد سادات المتابعين بإجماع العلماء، وقد ورد في صحيح البخاري أن حَزَنًا هذا كان صحابيًا من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "ما اسمك؟" قال (حَزَن)
قال عليه الصلاة والسلام وكان يحب الفأل والأسماء الحسنة، قال "بل أنت سَهْلٌ"، لكن حَزَن لم يقبل، قال لا أغير اسمًا سمّانيه أبي، قال سعيد ابن المسيّب معقبًا على هذا الخبر (فمازالت الحزونة فينا إلى اليوم) والنبي صلى الله عليه وسلم كان من دأبه أن يغيّر الأسماء ذات الدلالات غير الحسنة
سعيد ابن المسيّب من أعظم ما امتاز به أنه كان يُفتي والصحابة رضي الله تعالى عنهم أحياء متوافرون في المدينة
يبقى السؤال الآن، ما الذي هيّأ سعيدًا لهذه المنزلة العالية؟ ليس سهلا أن يفتي سعيد والصحابة موجودون في المدينة، وهم أحياء، الجواب عن هذا أن هناك أسباب، يمكن لمن استقرأ حياة سعيد ابن المسيّب أن يصل من خلال ذلكم الاستقراء، إلى الأسباب التي جعلت سعيدًا يصل إلى تلك المرحلة
سببٌ لا يختلف الناس فيه، وهو طلبه للعلم، وهذا يجتمع فيه سعيد، ويجتمع فيه غيره، ممن طلب العلم من علماء الأمة على مرّ الدهور وتوالي العصور، لكن هناك أسبابًا خاصة، من أعظمها أن سعيدًا رحمه الله كان زوجًا لابنة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولا ريب أن أبا هريرة حافظة الإسلام الأول
فكان سعيد ابن المسيّب أعلم الناس بحديث أبي هريرة، كذلك من خصال سعيد ابن المسيّب التي أعانته على أن يكون رأسًا للفتوى، صلاته، فلا ريب أن حسن الصلة بالله والانقطاع به جلّ وعلا مما يورث العلم، وسعيد يقول عن نفسه (ما فاتتني صلاة الجماعة منذ أربعين سنة)
بل إنه جاء عنه رحمه الله تعالى في خبر آخر، أنه ما أذّن المؤذن بصلاة منذ ثلاثين سنة، إلا وهو في المسجد، ولا ريب أن الصلاة أعظم ما كلف العباد به بعد توحيد الله، فكون الرجل يحافظ عليها أربعين عامًا في جماعة، هذه صلة عظيمة وقربى من الله جليلة، وهذا كله من طرائق نيل العلم
لأن العلم فضل، وحسن الصلة بالله تجعل العبد أهلا لأن ينال فضل الله، كذلك من الأسباب التي جعلت سعيد ابن المسيّب إمامًا في الفتوى، أنه رحمه الله تبارك وتعالى كان حريصًا على السعي في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أزمنة طويلة يجمع العلم
الحديث عن سعيد ابن المسيّب يطول، لكن من لطائف ما يمكن أن يُقال عنه، علاقته مع الحجاج ابن يوسف، القائد الأموي الشهير الذي عُرف بسفك الدماء، والغلظة، حتى مع بعض الصحابة، كشدته على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، لكن سعيدًا سلِم من أذى الحجاج
ويظهر أن الحجاج فيه شيءٌ من التناقض في شخصيته، فهو رغم أنه شديد على أنس رضي الله عنه، إلا أنه كان لطيفا مع سعيد ابن المسيّب، فسُئل سعيد (لم الحجاج لم يتسلط عليك؟)، رغم ما عُرف من بطش الحجاج ونقمته على الناس دون تمييز
فقال (إن الحجاج دخل المسجد النبوي ذات يوم، وكان لا يُتم ركوعًا، ولا سجودًا، فحاصبته "أي بالحجارة"، ثم علمته)، فغالب الظن أن الحجاج استحيا من سعيد في هذا الموقف، وحفظ لسعيد أنه علمه الصلاة
وقد قلنا أن الحجاج جمع في شخصيته كثيرًا من التناقض، فكونه إنسانًا يحفظ لرجل علمه الصلاة، يدل على أنه رجل يحفظ المعروف، ويعرف قدر الناس، ثم يأتي منه طرائق أخَر، تناقض هذا المبدأ، كقتله لسعيد ابن جبير، وإساءته لأنس رضي الله تعالى عنه
كذلك سعيد عُرف عنه، تأويل الرؤيا، وكان يقول (إن أكبر أمد لحصول الرؤيا أربعين عامًا)، ومن غرائب ما أوله سعيد ابن المسيّب، أن رجلا رأى أن الغراب يقع على الكعبة، فأولها سعيد بأن الحجاج ابن يوسف، يتزوج ابنة عبدالله بن جعفر رضي الله تعالى عنه
فما لبث الناس أيامًا، إلا والحجاج يتزوج ابنة عبدالله بن جعفر رضي الله عنه، فالناس فيهم شغف للسؤال، فذهبوا إليه، قالوا (يا أبا محمد، كيف عرفتها؟)
قال (الغراب فاسق، فلم يأتي في خلدي فاسق آنذاك أعظم من الحجاج، والكعبة شريفة، فلم يأتي في خلدي امرأة شريفة من آل بيت النبوة في ذاك "أي في وقت ذاك السؤال" أشرف من بنت عبدالله بن جعفر، والوقوع كناية عن الزواج والنكاح، فأولتها بما أولتها فوقعت)
ولما مرض الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، رأى فيما يرى النائم أنه مكتوب على جبهته "قل هو الله أحد"، فلما أفاق وأخبر أهله بما رأى، كأن بعض أهله اطمئن، على أن الحسن سيبرى، فذهبوا إلى سعيد ابن المسيّب، وأخبروه بالرؤيا، فأخبرهم أنه لم يبقى في حياته وأجله إلا القليل
ويقولون كذلك أن عبدالملك ابن مروان رأى أنه يبول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات، فذهب إلى سعيد ابن المسيّب فسأله، فقال (تلد أربعة كلهم خلفاء)
فوقع هذا التأويل حتى بعد وفاة سعيد، فأوّل البول بالمنيّ، لأن مخرجهما واحد، وأوّل محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخلافة والإمامة في الدين، فكان كما قال، إذا، فنحن أمام شخصية جمعت القدرة على تأويل الرؤيا، وجمعت من باب أولى وأشرف، العلم
كان ابن المسيّب شديدًا في الحق، فقد تعرّض لمحنتين كبيرتين، الأولى حين استعمل عبدالله بن الزبير، جابر بن الأسود على المدينة، فدعا الناس إلى البيعة لابن الزبير، فقال سعيد (لا، حتى يجتمع الناس)، فضربه جابر ستين سوطًا، فبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى جابر يلومه، ويقول (ما لنا ولسعيد)
والثانية بعد أن توفي عبدالعزيز بن مروان، حيث عقد عبدالملك بن مروان لابنيه الوليد وسليمان بالعهد، وكتب بالبيعة في الولايات، ودعا ولاته لأخذ البيعة من الناس، حينئذ، دعا هشام بن إسماعيل المخزومي والي المدينة المنورة سعيد لمبايعتهما، فأبى
فضربه هشام ستين سوطًا، وطاف به المدينة، ثم سجنه، وأرسل إلى عبدالملك ينبأه برفض سعيد البيعة، فكتب عبدالملك لهشام يلومه، ويأمره بإطلاقه، وأمر عبدالملك قبيصة بن ذؤيب بأن يكتب لسعيد معتذرًا، فقال سعيد حين قرأ الكتاب (الله بيني وبين من ظلمني
توفي سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى سنة 94 هـ، في خلافة الوليد بن عبدالملك وقد أوصى في مرضه الذي مات فيه، فقال (إذا ما مُت، فلا تضربوا على قبري فُسطاطًا، ولا تحملوني على قطيفة حمراء، ولا تتبعوني بنار، ولا تُؤْذِنُوا بي أحدًا، حسبي من يُبَلِّغني ربي، ولا يتبعني راجز)
جاري تحميل الاقتراحات...