١_بما أني مهتم بتجارب النهضة، سأتكلم في هذه السلسلة عن النهضة السنغافورية: كيف تحولت سنغافورة من جزيرة فقيرة مليئة بالمستنقعات والبعوض إلى أقوى اقتصادات العالم؟
من هو قائد النهضة السنغافورية؟
ما هي الدروس المستفادة من التجربة السنغافورية؟
٢_تقع سنغافورة على جزيرة في جنوب شرقي آسيا، عند الطرف الجنوبي من شبه جزيرة ملايو، ويفصلها عن ماليزيا مضيق جوهور وعن جزر ريا والأندونيسة مضيق سنغافورة، وتبلغ مساحتها 720 كيلو متر.
٣_كانت سنغافورة مستعمرة بريطانية قبل أن تنظم إلى ماليزيا التي وجّهت لها صفعة بالتخلّي عنها، بعد سنتين فقط من انضمامها، وكان ذلك عام 1965م، فهي جزيرة بلا موارد وتعيش تخلفًا علميًا واجتماعيًا يحتاج إلى معجزة للنهوض به.
٤_لم تكن لحظة تخلي ماليزيا عن جزيرة سنغافورة لحظة سعيدة، فلقد كانت لحظة مؤلمة وتحديًا صعبًا، حتى أن مؤسس سنغافورة بكى أمام الكاميرات في مقابلة تلفزيونية.. تلك الدموع الصادقة هي من نهض بسنغافورة كما نعرفها اليوم!
٥_"لي كوان يو" هو أبو النهضة السنغافورية، وأول رئيس للوزراء في سنغافورة بعد الإستقلال عام 1965م.
٦_لي كوان يوم في ذلك الوقت كان يقود "حزب العمل الشعبي"، وهو حزب سياسي سنغافوري، تم تأسيسه في عام 1954م، بواسطة لي كوان يو، وحسب إحصائية صدرت في عام 2000م، يبلغ عدد أعضاء الحزب أكثر من 600,000. **صورة لعلم الحزب.
٧_قامت سنغافورة بإنشاء "مجلس التنمية الإقتصادي" ليتولى جذب الإستثمارات الأجنبية، لكن حينها لم تكن تتوفر لسنغافورة الظروف المهيئة لذلك، فالإستثمارات الأجنبية تحتاج إلى مناخ آمن واستقرار ومنظومة خالية من الفساد وتخفيض الضرائب، ومن هنا بدأ الحكم بالقوة!
٨_بدأ "لي كوان يو" بفرض قوته على الشعب، وقام بمحاربة الفساد وتوحيد النقابات العمالية تحت مظلة واحدة. عمّت الصرامة في البلاد وأصبحت سنغافورة بيئة مهيئة للإستثمار الأجنبي، وكذلك موقعها الإستراتيجي لبناء الموانيء.
٩_وعلى إثر ذلك، تم توجيه الانتقادات له لتقييده حرية التعبير في بلاده، ومحاصرته للمعارضة، وفسحه المجال لسيطرة التنظيم الذي أسسه على الحياة السياسية في البلاد، إلا أن لي كوان يو تمتع بسمعة طيبة عند شعبه، بعدما تمكّن من جعلها تجربة اقتصادية ناجحة، أوصلتها لمصاف نمور آسيا.
١٠_في سبعينيات القرن الماضي، كان العالم يشهد نمو إقتصادي، لذلك إستثمرت اليابان وأمريكا في سنغافورة، تضاعف الناتج المحلي، وهنا بدأت سنغافورة بالاهتمام بالموارد البشرية والعمالة الوطنية. فأنشات المدارس والمستشفيات وأمزجت العمالة الوطنية مع العمالة الأجنبية لاكتساب المهارات.
١١_من أهم القرارات الذكية التي اتخذها "لي كوان يو" انه فرض تعلم اللغة الإنجليزية على الجميع، حيث أن سنغافورة متعددة الأعراق مابين الهندية والملاوية والصينية، وبذلك يسهل على الجميع التواصل فيما بينهم بلغة موحدة هي اللغة العالمية التي ستكون محط جذب للمستثمرين فيما بعد!
١٢_دفعت سنغافورة بعمالتها الوطنية لإكتساب المهارة من الخبرات الأجنبية في مجالات التكنولوجيا والإلكترونيات، وباقي العمالة الوطنية في مجالات السياحة والنقل، إنخفضت البطالة بشكل كبير، كذلك أعطت الإعلام الحرية الكاملة في البلاد لكشف السلبيات.
١٣_وفي أقل من 20 سنة، قلبَ "لي كوان يو" سنغافورة رأساً على عقب.
١٤_في السبعينيات أصبحت سنغافورة تصدّر المنسوجات والملابس، وفي التسعينيات أصبحت تصدّر التكنولوجيا، في بداية القرن الحالي إستخدمت شركات البترول مثل "shell" وغيرها، وأصبحت سنغافورة مركز للصناعات البتروكيماوية ومصافي النفط.
١٥_هنا تظهر بعض موانئ سنغافورة، وهي من أهم الموانئ في العالم، والتي تطل على مضيق ملقا وتمر خلاله ثلث التجارة البحرية العالمية. هذه الموانئ عبارة عن مرتع للصناعات البتروكيماوية وتكرير النفط، وصناعة الهياكل المعدنية ومعدات الإطفاء ومنصات البترول ومصانع السفن.
١٦_فتح عرّاب الأمة السنغافورية "لي كوان يو" دولته الفتيّة للاستثمارات الأجنبية الضخمة على أساس علاقة (Win-Win) أي أنت تكسب وأنا أكسب، واليوم سنغافورة تُعتبر من ضمن أكثر خمس دول في العالم جذباً للمستثمر الأجنبي.
١٧_وبناءً على ما تقدم أصبحت سنغافورة: -ثالث أكبر مركز تكرير للنفط بعد هيوستن ونوتردام. -ثالث أكبر مركز لتجارة النفط بعد نيويورك ولندن. -إزدهار القطاع المصرفي ليصبح الرابع في العالم بعد لندن ونيويورك وطوكيو. -فيها واحدا من أفضل أنظمة التعليم في العالم.
١٨_أيضا على مستوى الدخل الفردي والقومي: -انخفض معدل البطالة حتى وصل 3% فقط. -تحسّن دخل الفرد من 435 دولار سنوياً حتى وصل إلى 80 ألف دولار سنوياً. -ارتفع الناتج المحلي للدولة من 7 مليار في 1960م إلى 350 مليار دولار في عام 2012.
١٩_وللمعلومية، حسب إحصائيات عام 2020، يُعتبر الجواز السنغافوري ثاني أقوى جواز سفر في العالم (بعد اليابان)، ويمكن لأي شخص يحمل الجواز السنغافوري السفر إلى 190 وجهة حول العالم من دون الحصول على تأشيرة.
٢٠_توفي أبو النهضة السنغافورية "لي كوان يو" عام 2015، عن عمر ناهز 91 سنة، تاركًا خلفه إرثًا لا يزول.
٢١_ماهي الدروس المستفادة من التجربة السنغافورية؟ -الاهتمام بالتعليم.
-بناء قوة وطنية عاملة والإهتمام بها.
-تسهيل الإستثمارات الأجنبية وتخفيض الضرائب.
-خلق مناخ آمن.
-سن قوانين صارمة.
٢٢_للمهتمين، هذه مذكرات "لي كوان يو" رئيس وزراء سنغافورة الذي نقلها من الحضيض إلى مصاف الدول المتقدمة، تحدث فيها عن ولادته، ودراسته، وانخراطه في السياسة، وعن الحرب العالمية الثانية واحتلال اليابان، وتحدث بتفاصيل دقيقة عن الصراعات السياسية مع الإنجليز وانفصال ماليزيا عنهم.