الحقيقة أنه منذ عرض قضية السودان على مجلس الأمن في الأربعينات، وبريطانيا ثم لحقت بها أمريكا تطالب بعمل استفتاء في السودان، وأثناء انعقاد جمعية الأمم المتحدة بباريس في يناير 52، قال صلاح الدين باشا وزير الخارجية المصري أنه يؤيد اقتراح عمل استفتاء في السودان.
محمد فائق: وافق عبد الناصر على عقد اتفاقية عام 53 مع بريطانيا تنص على حق السودان في تقرير المصير من خلال استفتاء بعد فترة انتقالية مدتها 3 سنوات، وفي عام 1956 أعلنت السودان استقلالها دون استفتاء.
الخلاصة: انفصال السودان بعد استفتاء كان مسألة شبة محسومة، الخلاف كان على تفاصيل ومواعيد، مصر (فاروق أو ناصر) ما كان لها أن تقف أمام رغبة بريطانيا وأمريكا ورغبة السودانيين أنفسهم.
ممكن واحد يقول: النحاس باشا كان مستحيل يقبل استفتاء على انفصال السودان، ومعروف إن النحاس قال أثناء المفاوضات مع هندرسون "تقطع يدي...ولا أفرط في السودان"، صحيح فعلا النحاس قال هذا الكلام، لكن دوام الحال من المحال، والنحاس هو من وقع على معاهدة 36، ثم هو نفسه لغاها=
بالمناسبة بعد إلغاء معاهدة 36 ، تدهورت العلاقة بين مصر وبريطانيا، وبعد فشل الوساطة العراقية، تدخل الملك عبد العزيز ملك السعودية في أوائل عام 1952 بمبادرة من ست نقاط، منها "ترك أمر السودان لأختيار أهله ويجرى عمل استفتاء خالص من كل شائبة"
رد النحاس باشا على الملك عبد العزيز بخطاب من سبع نقاط، جاء فيه: الإقرار بالوحدة بين مصر والسودان، على أن يكون للسودانيين حق الاختيار، وذلك في استفتاء حر خال من كل شائبة"
أمين شاكر: كان هناك سوداني لاجئ في مصر اسمه إسماعيل الأزهري، وكانت وزارة الأوقاف تصرف له راتبا شهريا، قالوا لعبد الناصر "الأزهري شاب وطني"، وأخبرني الباقوري أن الأزهري يتناول وجية الإفطار يوميا على قهوة كازينو بديعة، فذهبت إليه وأخبرته أن عبد الناصر يريد مقابلته فارتعدت فرائصه=
أمين شاكر: ساعدنا إسماعيل الأزهري في إنشاء الحزب الوطني السوداني، وأصبح أول رئيسا للوزراء بعد الاستقلال، وأول جولاته الخارجية كانت لبريطانيا، وقال هناك السودان سيبقى مستقلا عن جميع الدول الأخرى، فكانت صدمة لنا بسبب انهيار الآمال المعلقة على وحدة وادي النيل.
تراودني فكرة أن أكتفي بما كتبت في هذا الموضوع، لكن أجد نفسي مضطر للكتابة لإني وعدت بعض متابعي بذلك، مع ملاحظة إني لن أدخل مع أحد من "هؤلاء" في أى حوار، لإني أخترت بعض من أظن أن عندهم قدر من الأدب والاحترام لكن اكتشفت إني كالمستجير من الرمضاء بالنار.
أى أحد تابعني من مدة يعرف إني ليست ضد أن يكون لأحد انتماء، بل كما أكرر دائما "الحياد خرافة" لكن الانتماء لا يبرر نشر شائعات ضد الخصوم، ولا تشويههم، ولا شيطنتهم...والتعاطف مع إنسان أو الانتماء لتيار لا يصح أن يكون دافعا لنشر خرافات والترويج لأكاذيب...
ولهذا أحاول دراسة حوادث تاريخية، وخلافات أدبية بطريقة متجردة قدر الإمكان، وموضوعية قدر المستطاع...وكانت النتيجة إني اكتشفت إن أكثر الشائع مزور عن عمد لخدمة تيار أو محرّف عن قصد لدعم إيدلوجيات ...
مثلا أغلب حوادث وأحداث السبعينيات الراوية الشائعة عنها كتبت بواسطة خصوم السادات (ناصريون، يساريون...) ومعلوم أن خصوم السادات منهم من تعرض في السبعينات للسجن أو النفي أو فقدان وظيفة/امتيازات أو على أقل تقدير "وضع على الرف" =
خصوم السادات انتقموا منه عن طريق الكتب والمقالات والروايات ...إلخ سواء هجوم واضح مثل خريف الغضب أو نشروا أكاذيب عن حرب أكتوبر /الثغرة/اقتصاد السداح مداح/الغزو الوهابي...
خصوم عبد الناصر عملوا نفس الأمر: في الكتب والروايات والمقالات والنكات...خرافات إن مصر قبل عبد الناصر كانت أجمل من باريس، والشوارع كانت تغسل بالصابون، وبريطانيا كانت تقترض من مصر، والترف والرفاهية بلغت أن قرر الملك فاروق الاحتفاظ بالذهب كما هو في المناجم...إلى آخر هذا الهبل
الأكاذيب والشائعات منتشرة في كل المجالات: العلمانيون يؤلفون القصص الوهمية عن كتاب الشعر الجاهلي والإسلام وأصول الحكم...ويزعمون أن الفتيات زمان كن يذهبن للجامعات بملابس مثيرة ولم يكن هناك تحرش...ثورة 19 ودستور 23...والكلام عن محمد على وإسماعيل ...كله محتاج عمل شاق في المراجعة.
أنا بدأت من سنين، والحمد لله هناك موضوعات تكلمت فيها مرات عديدة في سياقات مختلفة، وربنا يسهل وأستطيع الحديث في المواضيع الأخرى، المشكلة إن بعض فاكرين إن الهدف تلميع/تشويه شخص معين أو تيار محدد وهذا مش في دماغي من الأساس، أن أتحدث عن منهج في البحث، وإن لم يعجبك منهجي أنت حر
في أوائل هذا السياق تحدثت عن موضوع انفصال السودان عن مصر، وعدد كبير من خصوم عبد الناصر يقولون الملك فاروق كان ملكا لمصر والسودان، ثم جاء عبد الناصر وتنازل عن السودان!!
رأيي: هذا كله كذب ودجل ليس له علاقة بالواقع، انفصال السودان عن مصر كان شبه محسوم من قبل 52، وفي كذا تغريدة أشرت للموقف الإقليمي والدولي الداعم لانفصال السودان عن مصر من قبل 52، وأشرت لوزير خارجية مصر الوفدي صلاح الدين في باريس، بالإضافة لكلام النحاس باشا عن الانفصال...
وانتهي الأمر عند تلك النقطة، وعلى المهتم إن يراجع الموضوع، وغير المهتم ممكن يكتفي بما ذكرت لإن تويتر لا يتحمل التعمق في كل مسألة: لكن وصل لي عدد كبير من التعليقات عن موقف وتأثير محمد نجيب وإسماعيل الأزهري من ملف الانفصال.
في البداية أنا لم اتعرض لهما لأن تركيزي كان على ما قبل 52، لكن على أى حال، ما كتبه محمد نجيب، وما ذكره جمال حماد...وما ترتب عليه من الزعم أن سوء إدارة صلاح سالم للملف هي سبب الانفصال وأن عزل محمد نجيب في مصر تسبب في الانفصال...هذا الكلام في رأيي غير صحيح.
الموضوع الثاني خاص بموقف إسماعيل الأزهري، بعض الناس يعرفون موقفه الأول فقط، فأنا اخترت أمين شاكر لتأكيد أن موقف الأزهري الأخير كان مع الانفصال، وأظن أن هذه مسألة لا خلاف عليها، طيب مين أمين شاكر؟؟ هو مدير مكتب عبد الناصر، وعمل بعد ذلك سفير ثم وزير يعني ليس مجرد صحفي أو ناشط...
أنا نقلت كلام أمين شاكر بتصرف واختصار لإثبات أن موقف الأزهري الأخير كان مع الانفصال، وإذ بقطيع من الهمج على مدار أيام لم يكفوا عن التجاوز والتطاول وبعيدا عن السباب وقلة الأدب في حقي وفي حق مائة مليون مصري، بعضهم اعتبار الكلام مؤامرة مصرية على تاريخ السودان،وإن مصر تريد بناء أمجاد
سبب ثورة "هؤلاء" ليس مضمون ما كتبت، لكن أمين شاكر قال إن الأزهري كان لاجئا في مصر يأخذ راتبا من وزارة الأوقاف، وكان خائفا وهو ذاهب لعبد الناصر، رغم إن تفصيل كلام أمين شاكر لم تكن مقصودة، لكن حتى لو كلامه خطأ لماذا لم يرد أكاديمي بارز أو سياسي معروف ويعلق على كتب منشورة من سنين؟؟
لا يعقل إن وزير وسفير سابق يقول كلاما من ثلاثين أو أربعين سنة فتأتي أنت ترد على تويتر وتعتبر نفسك مصدر، عندك كلام سياسي بارز أو مؤرخ مرموق اتفضل، أما التشنج والانفعال والتطاول فلا تدل إلا على سوء أدب وقلة تربية.
وبعضهم كلامه مضحك: يقولون مثلا الأزهري أكبر من عبد الناصر في السن، ودرس في الجامعة الأمريكية!! وما علاقة هذا بمحل البحث؟؟ النحاس باشا مثلا أكبر سنا من عبد الناصر وكان زعيما في الثلاثينيات وحينها كان عبد الناصر مازال تلميذا، وكل هذا ليس له علاقة بالموضوع.
وفي كل الحالات: ما هذا الثورة؟ وما هذا الوهم الذي تعيشون فيه ؟؟ معروف إن في مرحلة معينة كان أمين الحسيني، وعبد الكريم الخطابي، وزعماء من المغرب العريي، ومن المشرق ومن أفريقيا كانوا في مصر...إذا جاء الأزهري إلى مصر أم لا ماذا يضيف لمصر؟
لا أعرف مصريا مهتم بتزوير تاريخكم، بل ولا أعرف مصريا مهتم بمعرفة أى شىء عنكم لا تاريخ ولا جغرافيا ولا فن ولا أدب ولا سياسية ولا اقتصاد ولا رياضة...وهذا خطأ لكن الشاهد لا أحد متهم لا بتزوير تاريخكم ولا حتى بمعرفته.
جاري تحميل الاقتراحات...