علي المسعودي
علي المسعودي

@allmasoudi

30 تغريدة 8 قراءة Dec 10, 2022
..فقد وجدتُ الشعر أكبر علوم العرب، وأوفر حظوظ الأدب، وأحرى أن تُقبل شهادته، وتمتثل إرادته، لقول رسول الله ﷺ: "إنّ من الشعر لحكمة" وقول عمر بن الخطاب: "نعمَ ماتعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها الكريم ويستعطف بها اللئيم"
*العمدة- ابن رَشيق القيرواني
وكان الكلام كلّه منثوراً، فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهزّ أنفسها إلى الكرم، وتدل أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، فلما تم لهم وزنه سموه شعرا لأنهم شعروا به، أي: فطنوا
ومن فضائل الشعر أن الشاعر يخاطب المَلِك باسمه، وينسبه إلى أمه، ويخاطبه بالكاف كما يخاطب أقل السوقة، وأن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسُنَ فيه، وحسبك ما حسّنَ الكذب، واغتفر له قبحه
وسئل أحد المتقدمين عن الشعراء فقال: ماظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم، والكذب مذموم إلا فيهم
قال كعب الأحبار: أجد في التوراة قوماً من ولد إسماعيل أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة ويضربون الأمثال، لا نعلمهم إلا العرب.
وقيل: ليس لأحد من الناس أن يطري نفسه ويمدحها في غير منافرة إلا أن يكون شاعراً فإن ذلك جائز له في الشعر، غير معيب عليه
وقوله: (إنَّ من الشِّعرِ حُكْمًا، ومن البيانِ سِحرًا). وروي (حكمة)، وروي (حِكَماً)
فقرن البيان بالسحر فصاحةً منهﷺ لأن السحر يخيّل للإنسان مالم يكن للطافته وحيلة صاحبه وكذا البيان يتصور فيه الحق بصورة الباطل والباطل بصورة الحق لرقة معناه ولطف موقعه، وأبلغ البيان عند العلماء الشعر
قال رؤبة:
لقد خشيتُ أن تكون ساحراً
راويةً مرّاً ومراّ شاعرا
"فقرن الشعر بالسحر"
ويروى عن عائشة: خذ الحسن واترك القبيح (أي من الشعر)
وعن ابن الخطاب: الشعر علم قوم لم يكن لهم أعلم منه، وعن علي: الشعر ميزان القول، ورواه بعضهم: (ميزان القوم)
قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
والشعر يستنزل الكريم كما
يُنزلُ رعدَ السحابةِ السَّبَلا
مرّ ابن العوام بمجلس للصحابة وحسان ينشدهم وهم غير آذِنين (غير منصتين) فقال: مالي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن القريعة؟ لقد كان ينشد رسول الله ﷺ فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولاينشغل عنه
ومن مكانة الشعر أن النبي ﷺ كان يسمح لحسان أن ينشده في مسجده
وبعد وفاته ﷺ مرّ عمر في المسجد وحسان ينشد، (فأنكر عليه) فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: (أجب عني، اللهم أيّده بروح القدس)؟ قال: نعم.
يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:
مُر من قِبلك بتعلم الشعر، فإنه يدلّ على معاني الأخلاق، وصواب الرأي ومعرفة الأنساب
وينسب لمعاوية القول: يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب
وقوله: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر أدبكم..
قيل لابن المسيب: إن قوماً بالعراق يكرهون الشعر، قال: نسكوا منسكاً أعجمياً
وقال ابن سيرين: الشعر كلامٌ عُقد بالقوافي فما حَسُن في الكلام فهو حسَن، وكذلك ماقَبُح منه
وقال العمري: روّوا أولادكم الشعر فإنه يحل عقدة اللسان، ويشجع قلب الجبان، ويطلق يد البخيل، ويحضّ على الخُلق الجميل
جاء في الأثر: (لا تدع العرب الشعر، حتى تدع الإبلُ الحنين)
وينسب الى ابن عباس قوله: اذا قرأتم في كتاب الله شيئا فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب
وكانت عائشة رضي الله عنها كثيرة الرواية للشعر، وأنشد الخلفاء الأربعة الشعر وكذلك معاوية، رضي الله عنهم جميعاً.
وقيل في الشعر "إنه يرفع من قدر الوضيع الجاهل، مثلما يضع من قدر الشريف الكامل"
يضع من قدر الشريف إذا اتخذه مكسباً كالذي يؤثر عن سقوط النابغة الذبياني وهو أشرف بني ذبيان بامتداحه النعمان بن المنذر وتكسبه عنده بالشعر، وإنما امتدح قاهر العرب!
قال علي بن الجهم يمدح المتوكل:
وما الشعر مما أستظلُّ بظلّهِ
ولازادني قدراً، ولا حطّ من قدري
.
فذكر أنه لايستظل بظل الشعر، لايتكسّب به، ولم يزده قدرا، لأنه نابه الذكر قبل عمل الشعر.
فلم يرض لنفسه أن يكون راغباً ولامجتديا،
فالشعر ليس للتكسب، بل هو أخو الأدب تجارة العرب بشريف القول
وممن رفعه الشعر ، من القدماء الحارث بن حلزة.. وكان أبرص، فأنشد الملك عمرو بن هند:
(آذنتنا ببينها أسماء)
فمازال الملك يرفع الحجب بينهما لحسن مايسمع من شعره حتى لم يبق بينهما حجاب
ومن المخصرمين حسان بن ثابت رضي الله عنه، فلم تكن له سابقة إلا شعره، فبلغ من رضا الله ونبيه مابلغ
وهناك من صار شيء من شعرهم لقباً لهم، منهم عبدالله بن مصعب، حين قال:
مالي مرضتُ فلم يعدني عائدٌ
منكم، ويمرض كلبكم فأعود!
فأصبح لقبه: عائد الكلب!
وكذلك شاس بن نهار، إذ قال:
فإن كنتُ مأكولاً فكن أنت آكلي
وإلا فأدركني ولما أمزّقِ
فسمّوه (الممزَّق)!
وقال الذبياني: (فقد نبغت لنا منهم شؤون)، فسمي النابغة، وكذلك (أبو العيال)لايُعرف له اسم غير هذا، لقوله:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقترا
من المال، يطرح نفسه كل مطرحِ
وأمثلة ذلك كثيرة، وغلبة هذه الأسماء عليهم ليس شرفاً ولا ضعة.. إنما هي جهة الشناعة فقط، والكلام فيه ذو شجون
ومن هاهنا عظم شأن الشعر وتهيّب أهله خوفاً من بيت سائر تُِحدى به الإبل، أو لفظة يضرب بها المثل، وقد رفع كثيرا من الناس بعد الخمول والاطراح، حتى افتخروا بما كانوا يُعيّرون به، ووضع جماعة من أهل الأقدار الشريفة حتى عُيّروا بما كانوا يفتخرون به
وقد رفع الشعر قوماً، بقول الحطيئة:
قومٌ هم الأنف والأذناب غيرهمُ
وهل يُساوىٰ بأنف الناقة الذنبا؟
.
ووضع آخرين، بقول جرير:
فغُضّ الطرف إنّك من نُميرٍ
فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
.
وقالت امرأة لنميريين أطالوا النظر إليها؛ قبحكم الله ماقبلتكم قول الله ولاقول الشاعر!
وقد أبطل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هجاء النجاشي لبني عجلان حين أنشد:
تعاف الكلابُ الضارياتُ لحومَهم
وتأكل من كعب بن عوفٍ وهنشلِ
قال الفاروق: كفى ضياعاً من تأكل الكلاب لحمه!
وأنشد النجاشي:
قبيلة لايغدرون بذمةٍ
ولايظلمون الناس حبة خردلِ
قال الفاروق: ليتني من هؤلاء
عن النابغة الجعدي (عبدالله بن قيس) قال:
أتيت النبي ﷺ، فلما أنشدته:
ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم يكُنْ له
بوادرُ تحمي صفوَه أن يكدرَا
ولاخيرَ في جهلٍ إذا لم يكُنْ له
أريبٌ إذا ما أورد الأمرَ أصدرَا
فقال النبيُّ ﷺ: لايفضُضِ اللهُ فاكَ
قال: فكان مِن أحسنِ الناسِ ثغرًا.
(إسناده ضعيف)
بعد مقتل أبيها ببدر، أنشدت قتيلة بنت النصر بن الحارث:
يا راكباً أن الأثيل مظنةٌ
من صبح خامسة وأنت موفق
أمحمد يا خير ضنئ كريمة
في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما
منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق
أخرج ابن هشام أن النبيﷺ قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه.
ومازالت الشعراء قديماً تشفع عند الملوك والأمراء، فيُشفّعون بشفاعتهم..
واستعطف أبوالطيب سيف الدولة لبني كلاب، وقد أغار عليهم فغنم الأموال وسبى الحريم..
فأتى بعضهم أبا الطيب يسأله أن يذكرهم له في شعره، ويشفع فيهم، فقال في قصيدة مشهورة يخاطبه:
ترفّق أيها المولى عليهم
فإن الرفق بالجاني عتابُ
وعينُ المخطئين همُ، وليسوا
بأول معشرٍ خطئوا فتابوا
وأنت حياتهم غضبت عليهم
وهجرُ حياتهم لهمُ عقاب
وما جهلت أياديك البوادي
ولكن ربما خفي الصواب
وكم ذنبٍ مولّده دلالٌ
وكم بعدٍ مولّده اقتراب
وجرمٍ جرّهُ سفهاء قومٍ
وحل بغير جارمه العذابُ
أسر النبي ﷺ الشاعر أبي عزَّةَ يوم بدر، فذكر للنبي فقره وعاهده ألَّا يُحرِّض عليه ولا يهجوه، فأطلقه.
لكنه رجع إلى التحريض، ثم أُسِر في أحد، فطلب المَنَّ مرة أخرى، فقال ﷺ «لا يلدغ المؤمن مِن جحر واحد مرتين»، والله لاتمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يازبير
أبا عزة
دخل سديف بن ميمون على السفاح وعنده سليمان بن عبدالملك وابناه، فأنشد (وقد اشتهر ببغضه لبني أميه):
لا يغرّنّك ماترى من أناسٍ
إنّ بين الضلوع داءً دوِيّا
فضعِ السيفَ وارفع السوط حتى
لا ترى فوق ظهرها أمويّا!
.
فقال له سليمان: قتلتني قتلك الله.
ثم قام أبو العباس إلى سليمان وضرب عنقه!
تحامل أمير المدينة ابن حزم على الأحوص تحاملاً شديدا، فشخص الأحوص إلى الوليد بن عبدالملك فامتدحه بقصيدة، حتى بلغ:
لا ترثينّ لحزميٍّ ظفرتَ به
يوماً، ولو ألقي الحزميّ في النار
الناخسين لمروانٍ بذي خشبٍ
والداخلين على عثمان في الدار
فقال الخليفة:صدقت والله، فعزل آل حزم واستأصل أموالهم
باب احتماء القبائل بشعرائها:
كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر، كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم، وكانوا لايهنئنون إلا بغلام أو شاعر أو فرس
كان النبي ﷺ يعجبه الفأل الحسن، وتفاءل حسان بالفتح، فقال مخاطباً مشركي مكة:
عدمنا خلينا ان لم تروها
تثير النقع موعدها كداء
يبارين الأعنة مصغيات
يلطمهن بالخمر النساءُ
فلما كان الفتح أقبل النساء يمسحن وجوه الخيل، والنبي ينظر مسرورا
وروى أن الجيش أمر بالدخول من كداء تفاؤلاً بالبيت
وقال قيس المجنون:
قضاها لغيري وابتلاني بحبّها
فهلاّ بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا
فما مات حتى برِص!
ورأى في منامه هاتفاً يقول: هذا ما تمنيت!
.
وقال الشاعر (المؤمل بن أميل):
شفّ المؤملَ يومَ الحيرةِ النظرُ
ليت المؤملَ لم يُخلق له بصرُ
نام ذات ليلة صحيحاً وأصبح مكفوف البصر!

جاري تحميل الاقتراحات...