عُثمـان
عُثمـان

@O_aboabdullah

14 تغريدة 311 قراءة Jul 29, 2021
وعي العاشق! | سردُ تغريدات
من المطالع المستحسنة عند الحذاق في شعر زهير قوله (صحا القلبُ عن سلمى وقد كاد لا يسلو)، حتى إن زهيراً نفسه استحسن هذا المطلع فأعاده في قصيدة (صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطلُه)، ثم توارد الشعراء على ذكر هذا الصَحو والافتنان به في قصائدهم..
=
فذلك عنترة يصف قلبه (صحا بعد سُكرٍ وانتخى بعد ذلةٍ)، وهذا المزرد يقول (صحا القلبُ عن سلمى وملَّ العواذلُ)، ويختار الأصمعي لدوسر (صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند)، ويقول ابن تولب (صحا القلبُ عن ذكره تُكتَما) ويسرق الأخطلُ مطلع زهير لعيني محبوبته فيقول (صحا القلب عن أروى وأقصر باطله)
=
وقبل هؤلاء يقف طرفة سائلاً (أصحوتَ اليوم أم شاقَتك هِرّ)؟ ويمضي الزمان ليكرر جرير السؤال في مجلس الخليفة (أتصحو أم فؤادك غير صاح)؟
واستصحب المتأخرون هذا المعنى فقال صاحب العِقد (صحا القلب عن ميٍّ هواه وأقصرا)، ووصل إلى زماننا فقال شوقي مرةً (صحا القلبُ إلا من خمار أماني)!
=
ولو نظرنا إلى هذه الأبيات جميعها لوجدناها تصف أحوالاً ثلاثة..
حال القلب قبل الصحو (وقد كاد لا يسلو)، (بعد سُكر)، ووصفَه ابن تولب (وكان رهيناً بها مُغرما)..
وحال القلب أثناء صحوه (صحا القلب)، (أصحوت اليوم)..
وهذان الحالان مشهوران، وأفاض الناس فيهما القول، ووصفوا سُكر العاشق…
=
كما فصل ذلك ابنُ القيم في روضة المحبين والداء والدواء، وذكر هذا المعنى شيخُه في التحفة العراقية وغيرها، وقبلهما تكلم عنه أبو حامد في الإحياء وابن حزم في الطوق، وغيرهم كثير، وأوردوا أشعاراً مشهورةً تصف سَكرة العاشق وغيبة عقله..
نعم.. ولكن عندنا حالاً بعد هذا كله!
=
أعني الحال الذي أفاض فيه الشعراء، فهو الذي قال فيه زهير (وأقصر باطلُه)، وقال النمر (وأقصر عنها)، وقال عنترة (وانتخى بعد ذلة).. أما المزرد فبثَّ أشجانه في وصف ذلك الحال، وذكرَ ما تبِعَه من أسف الشباب، وصدمة المشيب، وكأنه رأى صدق قول طرفة وهو يصف نفس الحال (ومِن الحب جنونٌ مستمر)!
طفقتُ أتأمل بين هذه الأحوال الثلاثة فرأيتُها صادقةً في كل ذي شغَف! فترى أن كل من شُغف قلبه بشيء ارتخى على عينه ستار من الإغضاء، وهبط على قلبه جاثوم من الاستسلام، ثم دخل حالة (السُّكر) المُظلمة التي هي أعظم من سُكر الخمر كما قيل، وظل يردد قول الملك (وليس فؤادي عن هواكِ بمنسل)!
=
وهذه الحالة هي التي يتوجه إليها قول الأعرابي (ربما أفسد طولُ التمادي)! فإنه كلما زاد شغفه؛ عبِثَ السُّكر بعقله فأفسده، ولا يبلغ المُحِبُّ حداً ينتهي إليه في غيه، فهو يزيد إلى قول امرئ القيس الماضي قولَ المتنبي:
ولكن حُبّاً خامَر القلب في الصبا
يزيدُ على مَرِّ الزمانِ ويشتدُّ
=
هو يحتاج في حاله هذا إلى جهد مضاعف، وعزيمة قوية؛ لينتقل إلى حال الصحو واليقظة، يحتاج إلى صدمة عنيفة تبصره بالذي هو فيه وما يلحق ذلك من سوء المغبة، تماماً مثلما تقبض الشرطة على مدمن مخدرات في نشوة سكرته، نعم، مثل هذه الصدمة مناسبة لحاله، حتى لا يبثّ أشجانه بعد ذلك كالمزرد!
=
هذان الحالان الأوليان.. لكنه ما إن يبلغ الحال الثالث حتى يذوق حلاوة المصابرة، وينقلب خيراً مما كان عليه قبل! فيُقصر باطله الذي وصفه زهير، وينفك رهنه الذي ذكره ابن تولب، ويمل عواذله الذين أقضوا مضجع المزرد، ويصبح عُوده (صليباً ما تؤيسه الخطوبُ)!
ألا يستحق كلُّ هذا المصابرةَ؟ :)
=
إن التأملَ فيما يذكره الشعراءُ مِن أحوال بعد صحوتهم= ينهضُ بالهمة لتبلغ ذلك المقام العزيز.. المقام الذي يعبر عنه عنترة بقوله (صحا بعد سُكرٍ وانتخى بعد ذلةٍ).. ولعلك بدأت الآن تستحضر عبارات السلف في وصفهم ذلَّ المعصية ومُرَّها، وعزَّ الطاعة وحُلوها .. فهذا المقام الذي كنتُ أريد!
=
فالمعصية لها ذل وباطل وغُرم لا يبصره صاحبها لما يخامر قلبَه من سَكرة اللحظة، فإذا هو استعان بالله، وقهر نفسه وشيطانه، وأخذ يرمي بحبال الأسباب= سرعان ما يلامسه شعور النخوة بعد الذلة، والصحوة بعد السكرة، ويعجبني قول الأخفش وهو يشرح بيت ابن تولب (صحا القلبُ، إذا انكشف عنه غيُّه)!
=
فللمعصية غطاءٌ مذموم ينكشف عن قلب صاحبه بالتوبة، وستارٌ قبيح ينزاح عن عينيه بالإنابة، فيرجع إليه بصره وبصيرته بعدما أنهك قلبَه داءُ المعصية.. لحظة! ألم أذكر لك شاهداً على نَهكِ القلب قبل صحوته؟
فاسمع قول جرير:
صحا القلبُ عن سلمى وقد برَّحَت به
وما كان يلقى من تُماضِر أبرحُ!
وأخيراً.. لستُ أدري كم بقيتُ متعجباً مشدوهاً عندما رأيتُ وصفَ هذه الأحوال الثلاثة في آيةٍ واحدة من كتاب الله! بأتم بيان، وأفصح لفظ، وأبلغ معنى:
﴿إن الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان (تذكروا) فإذا هم مُبصرون﴾!
فنعوذ بك -اللهمّ- من طائف الشيطان، كما نسألك تمام البصيرة..

جاري تحميل الاقتراحات...