جوآهِرُ العِلمِ ¬
جوآهِرُ العِلمِ ¬

@K_TheRebel

16 تغريدة 191 قراءة Jul 26, 2021
(#من_قصص_العرب في الوفاء)
كان للنعمان بن المنذر ملك الحيرة نديمان لا يفارقان مجلسه، خالد بن المضلل وعمرو بن مسعود من بني أسد، و في مرة من المرات، اختلفوا مع النعمان، فغضب النعمان، وأمر بوضع كل واحد منهم في تابوت و دفنهم، فلما كان اليوم التالي ندم النعمان، فأمر حرسه أن يستخرجونهم
لعلهم أحياء، لكن هيهات، فأخرجوا من التوابيت ودفنوهم مرة أخرى، وبنوا عليهم من باب الإجلال، فأصبح ذلك اليوم يوم بؤس عند النعمان بن المنذر، واليوم الذي يليه يوم نعيم، كان من يدخل عليه لمجلسه يوم بؤسه يقتله ومن يأتيه يوم نعيمه لا يرد له طلب.. (نتكلم عن العصر الجاهلي)
فخرج النعمان بن
المنذر في يوم من الأيام، هو وغلمان له للصيد، فعندما بدأت الشمس تغرب، قرروا الرجوع للحيرة فضلوا الطريق، فبدأت الغلمان تستدل بالنجوم، لكن دون جدوى، لا يرون امامهم إلا الكثبان الرملية، حتى رأى واحد من الغلمان نارا من بعيد، فلما اقتربوا وجدوا خيمة، فصاح أحد الغلمان يستأذن، فخرج من
الخيمة أعرابي (من قبيلة طيء واسمه حنظلة)، فقال لهم: يا مرحبا
قالوا له: لقد ضعنا في الصحراء و نحن من الحيرة ولا نعرف كيف نسلك طريق رجعتنا
قال الأعرابي: ما أنتم براجعين في الظلام، أنتم ضيوفي.
فأدخلهم للخيمة، وذهب عند زوجته، فقال لها: اطبخي شيئا للضيوف، أي كان.
فجاوبته: لا نمتلك
إلا قرصين من الخبز، وتلك الشاة قد تعطيك حليبا، وهذا شيء من التمر.
حنظلة لم يكن يعرف أن من يجلس في خيمته هو ملك الحيرة، فذهب إلى الشاة، وعوض أن يحلبها ذبحها، وقدمها لضيوفه، فسُرّ الملك لفعل حنظلة، وعندما كان الصباح رأى الملك الحاجة التي يعيشها الأعرابي، وأعجب بكرمه، فقال للأعرابي
: يا حنظلة، أنا النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقد راق لي صنيعك بنا، إن ضاقت عليك الدنيا و الأحوال جئني إلى قصري، و سألبي لك كل ما تطلب.
دلهم حنظلة على الطريق، ورحلوا، ومرت الأيام..
ظلت زوجة حنظلة تلح على زوجها ليذهب للنعمان، حتى قرر في يوم من الأيام أن يذهب إليه، كان يرى زوجته
و بنيه يتضورون جوعا، فكان يحز ذلك في خاطره، أخذ قربة الماء، وراح للحيرة، وصل لقصر النعمان، فلم يجد أحدا عند باب القصر، فدخل القصر ليسأل أحدا، فلم يجد، تقدم فإذا به في قلب المجلس، رأى بعض الرجال جالسين في المجلس، ويتوسطهم النعمان بن المنذر، ظن حنظلة أن الملك سيسر لرؤيته..
لما رآه
النعمان، وأيقن أنه حنظلة، صاح النعمان: "لا يا حنظلة!، ليس اليوم"، فارتعد حنظلة في مكانه، وأكمل النعمان: "ألا تعلم أن اليوم يوم بؤسي يا حنظلة!"
فرد حنظلة: "كلا لا أعلم، و لو علمت لما أتيتك، سآتيك في يوم آخر"
فقال النعمان: "لا، بل لا يغادر يوم بؤسي رجلا حيا من مجلسي إلا ندمائي!"
ففهم حنظلة أنه الموت، ولكن النعمان لم يكن يريد ذلك لحنظلة.. فقال النعمان: "أضمن لك أن يصل العطاء لزوجتك و بنيك!"
فرد حنظلة: "وأنا أضمن لك أن أوصل العطاء لزوجتي وبني، وأوصي فيهم، وأرجع قبل غروب الشمس، وافعل فيّ ما تشاء"
فرد النعمان:"ومن يضمن لي أنك سترجع!، لن آذن لك حتى يضمنك أحد"
فالتفت حنظلة في المجلس، يرى الوجوه ولا يعرف أحدا..
فقال حنظلة: "أين شريك بن عدي؟"
فقام شريك من مكانه فقال: "أنا هو"
فقال حنظلة:
"يا شريك بن عدي * ما من الموت انهزام
من لأطفالٍ ضعاف * عدموا طعم الطعام
بين جوع وانتظار * وافتقار وسقام
يا أخا كل كريم * أنت من قوم كرام
يا أخا النعمان جد * لي بضمان والتزام
ولك الله بأني * راجع قبل الظلام"
شريك لا يعرف هو الآخر حنظلة، فقال:"أنا أضمنه يا مولاي!"
فقال النعمان:"إن ذهب ولم يعد فقد وجب قتلك؟"
فقال شريك:"ما لك يا مولاي علي من سبيل إلى المساء".
فذهب حنظلة، ولما قرب المساء قام النعمان من مكانه، فصاح في
شريك: "لم يأت حنضلة بعد، قم فتأهب للقتل!"
فرد شريك: "هذا رجل لاح في الأفق، لعله حنظلة!"
فإذا هو حنظلة نفسه، وقد اشتد عدوه إلى أن وصل، فقال: "خشيت أن ينقضي النهار قبل وصولي، ها أنذا أيها الملك فافعل ما تشاء!".
فسأله النعمان: "ما جعلك ترجع، وقد كنت محملا بالعطايا، ولن نقتفي أثرك،
وقد أوشكنا بشريك مكانك؟!"
فرد حنظلة:
"ولقد دعتني للخلاف عشيرتي
فعددت قولهمُ من الإضلال
إني امرؤ مني الوفاء سجية
وفعال كل مهذب مفضال".
(يقصد ان قومه نصحوه ألا يرجع إليه لكن وفاءه لم يسمح له إلا أن يرجع)، فالتفت النعمان إلى شريك وقال له:"ما جعلك تفعل فعلك في الطائي يا شريك،
وأنت لا تعرفه!!"
فرد شريك:"الكرم و الجود الذي يتركك تجود حتى بنفسك".
فقال النعمان: "والله ما رأيت أعجب منكما؛ أما أنت يا طائي فما تركت لأحد في الوفاء مقامًا يقوم فيه، ولا ذكرًا يفتخر به، وأما أنت يا شريك؛ فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، بل
أكمل ثلاثي الخصال الكريمة؛ ألا وإني قد رفعتُ يوم بؤسي عن الناس، ونقضت عادتي، كرامةً لوفاء الطائي، وكرم شريك".
فأكرم النعمان شريك وحنظلة، ورفع يوم بؤسه عن الناس.
ويذكر أن من الناس التي كانت ضحية ليوم بؤس النعمان بن المنذر الشاعر عبيد بن الأبرص التي تعتبر قصيدته من المعلقات .
نقلها لكم تويتر - جوآهِرُ العِلمِ 📖- من - الكامل في التاريخ لابن الأثير - والمستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي - والأغاني للأصفهاني.

جاري تحميل الاقتراحات...