د. عبدالله الفيفي
د. عبدالله الفيفي

@alfaifawiP

20 تغريدة 45 قراءة Jul 27, 2021
بدأت الفلسفة الإسلامية فعلياً في القرن الثاني الهجري، وهي بداية مبكرة توافق ظهور المذاهب الفقهية، وذلك على يد الفيلسوف يعقوب بن اسحاق الكندي، ثم انتشرت شرقاً وغرباً، ونضجت فيما يسمى العصر الذهبي للإسلام، وظهرت مذاهب مثل السينوية والرشدية والإشراقية والحكمة المتعالية وغيرها.
خلّفت الفلسفة الإسلامية تراثاً كبيراً جداً ومكتبة هائلة من المعارف، وقد تُرجِمت كتب فلاسفة المسلمين إلى اللاتينية في وقت مبكّر، وما زالت تحظى بدراسة وعناية العلماء والمهتمين حول العالم حتى الآن.
أما عند العرب فهناك اهتمامات خجولة بالتراث الفلسفي الإسلامي في مصر والمغرب.
نُسبت الفلسفة الإسلامية إلى الإسلام نظراً لكونها تأسست في بيئة عربية إسلامية، ولكنها في الحقيقة اشتملت على مباحث عالمية وكونية، كما أنها استفادت من الفلسفات الأجنبية ونقدتها، وقدمت استنتاجات جديدة وغير مسبوقة، ولا يصح القول بأنّها مُنتج ثقافي مضاد للدين، فهي من علوم الآلة.
علوم الآلة هي أدوات تحليل وتفكير، وليست نتائج وأحكام، وتستطيع من خلالها الوصول إلى نتائج صحيحة وخاطئة في نفس الوقت.
من الخطأ أن تتهم المركبة بأنها هي التي أوصلت قائدها، بل القائد هو الذي قاد المركبة وأوصلها.
كذلك جميع علوم الآلة تخضع لطريقة الاستخدام ونقطة الوصول.
الفلسفة عِلم نخبوي، والنخبة في كل المجالات يفهمون ما لا يفهم غيرهم، ويتحدثون بإشارات مفهومة لهم ومجهولة للعوام.
والإنسان عدو ما يجهل، ولذلك تعرّض الفلاسفة لعداوة العوام، ورموهم باتهامات تطعن في عقائدهم.
وهذا شيء فطن له بعض الغربيين مثل ليو شتراوسن، ولم نفطن له نحن مع الأسف.
تعتمد الفلسفة الإسلامية أولاً على الإسلام نفسه، ثم تستفيد من الفلسفات الأخرى مثل اليونانية والهندية والفارسية وغيرها.
ولأنها مثل سائر العلوم التي تتغذّى مادّتها على مساهمات بشرية؛ فقد تنوعت موضوعاتها وتعددت مذاهبها بتعدد الخلفيات الثقافية للعلماء المساهمين فيها.
تلتقي الفلسفة الإسلامية مع علم الكلام في بعض المشتركات الفكرية، ولكنها أوسع منه في استقاء الحكمة من مصادرة أجنبية، حيث تعتقد الفلسفة بأنّ الحكمة بين البشر متكاملة، وبالتالي لا مانع من النظر في الفلسفات الأجنبية والاستفادة منها، ولذلك اختلف التيار الفلسفي عن التيار الكلامي.
بذل فلاسفة المسلمين مجهوداً كبيراً لإثبات التشابه بين الحكمة في منظومة الإسلام، والحكمة خارجها، وأنّ الأمر لا يعدو أن يكون اختلاف مصطلحات لحقائق متطابقة.
بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك واعتقدوا بأنّ بعض حكماء اليونان كانوا أنبياء؛ لذلك لم يروا مانعاً من الاستفادة منهم.
التعرف على الله والتعرف على النفس من القضايا الجوهرية في الفلسفة الإسلامية؛ وهي كذلك في الفلسفة اليونانية، وقد أخذت حيّزاً كبيراً من البحث والنظر والاستدلال؛ لأنّ الوصول إلى نتائج دقيقة في هذه المباحث يؤسس قواعد متينة لبناء رؤية شاملة عن الحياة والكون والوجود والغيب.
خلافاً للتيار الكلامي والتيار الفقهي؛ لم تحصر الفلسفة الإسلامية نفسها داخل علوم الدين، بل جعلت المعرفة بمفهومها العام والشامل هدفاً لها، ولذلك خرج من عباءتها علماء في مختلف المجالات، كالطب والفلك والهندسة والفيزياء والبصريات والترجمة وغيرها، وهم الذي شيدوا حضارة الإسلام الحقيقية.
إذا كان الكندي هو مدخل الفلسفة الإسلامية فإنّ الفارابي هو المعلم الأول لأنّه أول من أسس مدرسة فكرية حقيقية، لها تلاميذ يقومون بها وينهضون بعلومها، وقد استوعب الفارابي مساهمات أرسطو وزاد عليها، وتبوّأ مكانة عالية بين علماء عصره، ووضع بصمته على المسار الفلسفي داخل الإسلام حتى الآن.
حدثت صراعات بين التيار الفلسفي والفقهي طوال تاريخَيهما.
تهمة الفلاسفة عند الفقهاء أنّهم باطنية وملاحدة وزنادقة.
وتهمة الفقهاء عند الفلاسفة أنّهم سطحيون وجهلة وعامّة.
يستقوي الفقهاء بالغزالي الذي تعلم الفلسفة ثم نقدها.
ويستقوي الفلاسفة بابن رشد الذي تأسس فقهياً ثم ناصر الفلسفة.
حاول التيار الكلامي أن يمسك العصا من المنتصف، ويقدم حلاً وسطاً بين الفلاسفة والفقهاء، ولكن هذا لم يشفع له عند الفقهاء، فعدّوه تياراً مبتدعاً، ورغم ذلك فقد نجح أهل الكلام في تكوين أكبر المذاهب الإسلامية طوال تاريخ الإسلام.
وسد تيّارهم الفجوة التي خلّفها صراع الفلاسفة مع الفقهاء.
يُعد ابن تيمية أبرز شخصية فقهية نقدَت الفلسفة الإسلامية، ولا جدال في أنّه قدّم مساهمة تستحق الاحترام، ولكن غير مقبول أن يُقال بأنّه قد استطاع أن ينقض الفلسفة.
هو استطاع أن يحمي التيار الفقهي من السهام الفلسفية الجائرة.
ولكن تبقى الفلسفة أكبر منه وأعمق جذراً وأعلى فرعاً.
منذ اللحظة كانت الفلسفة الإسلامية متحمسة لفكرة عدم الاختلاف بين حكمة النص وحكمة الفلسفة، ولكن ظاهر النص قد يوهِم بخلاف ذلك أحياناً، وقد كتب الكندي (رسالة في الفلسفة الأولى) وأهداها إلى الخليفة المعتصم، يوضّح فيها هذه الحقيقة، ويبيّن الوهم الشائع آنذاك بأنّ الفلسفة شيء يُضاد النص.
يحتج الفقهاء على الفلاسفة بهذا الزعم، ويقولون إذا كانت الفلسفة لا تخالف النص؛ فما الداعي لاستبدال النص بالفلسفة؟
الفلاسفة يقولون: نحن لا نستبدل النص ولا نعارضه بالفلسفة، وإنما مقصودنا أنّ تعلّم الفلسفة غير محظور في النص، فهي من المباحات المعرفية، وفيها ماهو أعم من النص.
تعلم الفلسفة مثل تعلم التاريخ.. النص لم يشتمل على كل المعارف التاريخية.
يوجد مملكة عربية عظيمة قريبة عهد بالإسلام وقد حكمت الحجاز تُسمى مملكة تدمر، ولم يتعرض لها النص أو يذكرها؛ فالمعرفة التاريخية أشمل وأعم من النص.
كذلك يوجد في الفلسفة معرفة ضرورية لم يتعرّض لها النص.
لأنّ الفلسفة مُنتَج بشري؛ فطبيعي أن تتفاوت الرؤى والاجتهادات، وتقترب من الدين وتبتعد.
في الوقت الذي ظهر فيه الكندي كأنّه فقيه يبني فلسفته على الدين الإسلامي، لقد ظهر الرازي بعيداً عن التعاليم الدينية، وكأنّه يريد بالمعرفة أن تكون مُحايدة وغير خاضعة لاعتقادات مسبقة.
كل هذا حدث قبل أن ياتي ابن رشد الحفيد الذي طبخ الفقه والفلسفة في آنٍ واحد، وأخذ بالفلسفة الإسلامية إلى منحى مشتق من اسمه، حيث الرشد والنضج والميزان المُحكَم.
وسيأتي الكلام عن ابن رشد لاحقاً، وذلك بعد الكلام عن الأستاذ الكبير والشيخ الرئيس ابن سينا ومذهبه السينوي.
هذه مقدمة مختصرة عن الفلسفة الإسلامية.
حاولت قدر المستطاع أن تكون أرضية تأسيسية للشخص الذي لم يسمع بها من قبل، وليس عنده أي معرفة سابقة عنها.
وفي الأيام القادم سأزيد من الموضوعات التأسيسية، وأتدرّج قليلاً حتى أدخل في الأعماق.
وأنا متعلم قبل أن أكون معلماً.
رتب @rattibha
هذه مقدمة مختصرة عن الفلسفة الإسلامية.
حاولت قدر المستطاع أن تكون أرضية تأسيسية للشخص الذي لم يسمع بها من قبل، وليس عنده أي معرفة سابقة عنها.
وفي الأيام القادمة سأزيد من الموضوعات التأسيسية، وأتدرّج قليلاً حتى أدخل في الأعماق.
وأنا متعلم قبل أن أكون معلماً.
رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...