Meshary AlObaid
Meshary AlObaid

@meshary

21 تغريدة 160 قراءة Jul 25, 2021
درب الزلق، الحالة الفنيّة التي ضربت بجذورها عميقًا في ذاكرة المُشاهد العربي، والتي أصبحت، بعفوية خالصة، جزءًا من إرث الكويت، فصار المسلسل وجهة فنيّة وثقافيّة أولى.
نتحدث في هذا الثريد عن سرِّ هذا الوَهج الذي ما أتى مصادفةً، كما نتحدث عن فنانين أشعلوا بهجةً خالدة، وفُرجة لا تُملّ
بعد فيلم بس يا بحر، كتب سعد الفرج فكرة فيلم كوميدي بعنوان (مسعد ومسعود) ليخرجه خالد الصديق، ثم تحول لمسلسل تلفزيوني بناء على طلب وزير الإرشاد والأنباء آنذاك الشيخ جابر العلي.
كتب سعد الفرج الحلقات مع عبدالأمير التركي وبمراجعة عبدالحسين عبدالرضا، فتشكّل درب الزلق الذي عرفناه
كانت فكرة (مسعد ومسعود) مطابقة لـ(درب الزلق). شقيقان يخوضان مشروعًا فاشلًا تلو الآخر بعد تثمين منزلهما.
وبعد أن أخذت الفكرة طريقَ التلفزيون، قُدِّرَ للنّص أن يمر بورشة كتابة ضمت مبدعين كعبدالحسين وسعد وعبدالأمير، لتتمخض هذا الورشة عن عملٍ تسيّدَ القمّة، حتى وبعد ٤٤ سنة من عرضه
العمل من بطولة نجوم، لم تقترن الأسماء جميعها في عملٍ آخر، عبدالحسين وسعد والنفيسي والنمش والمفيدي، وبحضورٍ لطيف لسمير القلاف وفوزية المشعل واستقلال احمد، وغيرهم من العابرين بقوّة، الذين وإن قلَّ ظهورهم إلا أنهم حضروا في وجدان المشاهدين، أكثر من أي عملٍ آخر قدموه، سواء قبله وبعده
في العمل بطلٌ ظهر على الجدار وحسب، عبدالرزاق بن عاقول، كانت صورة للممثل عبدالمجيد السرحان، عرفنا سماته من سياق العمل دون أن نراه. ورثَ حسين منه العصبيّة حسب كلام أمه، وكما روى حسين، كان غواصًا، ثم عمل بعد اندثار اللؤلؤ بتهريب الذهب لأناس استغنوا، بينما مات هو مطلوبًا بعد أن جَنّ
تم تصوير العمل في ١٣ يوم، بواقع حلقة يوميًا، نقلًا عن الجميل خالد النفيسي رحمه الله.
كان دور (بوصالح) مكتوبًا للفنان ابراهيم الصلال، لكن وجوده في تلك الفترة خارج الكويت حال دون مشاركته، كما أن الفنان أحمد الصالح رحمه الله كان من المفترض أن يكون ضمن فريق العمل
كانت الأسماء مطابقة لأسماء للنجوم الأساسيين (حسين-سعد-بوصالح) ما عدا علي المفيدي، إذ نُقِلَ عن الكاتب عبدالأمير التركي أن الشيخ جابر العلي هو من أسماه (قحطة) بدلًا من (علي)، وكان اسمًا لصقّارٍ خفيف الظل يتردد على ديوانه، كما اختار الشيخ مصر لتكون محطة النقاهة لحسين بدلًا من لبنان
وثمّة مجهود يجب أن يُذكر. تصميم الديكور كان للمهندس محمد شملان الحساوي، الذي صنع روح العمل، بتعدد فضاءاته، وأبرز أعماله الأخرى ديكور مسلسليّ قاصد خير وسوق المقاصيص.
نلاحظ العامل المشترك بينهم الإتقان، وقُرب تصاميمه من بيئتنا، ليُكمل بإبداعه الصورة المثالية للعمل
@mohamd_alhasawi
نأتي للموسيقى، اللغز، كُتبَ في المقدمة (الموسيقى والمؤثرات: عبدالرحيم أحمد)، بينما في أحد حلقات البرنامج المصري (من غير كلام) ظهرت الموسيقى نفسها! قد تكون مقطوعة تم اختيارها للعمل ولم يتم تأليفها له، ومع هذا ظلت أيقونة، وتم الاستعانة بها فيما بعد لتكون اللحن الرسمي لقناة فنون
من الواضح أن الأبطال ذُهلوا بهكذا نجاح، وقد دعا سعد الفرج في غير مناسبة لدراسة العمل وبحث أسباب بقائه ليومنا هذا!
أزعمُ بوجود عوامل ارتكز عليها هذا النجاح، أولها تلقائية النجوم، وارتجالاتٍ لم يكن الغرض منها غير كسر حاجز الملل، خاصة أن هناك مشاهد امتد تصويرها لساعات، سنستعرض٣ منها
عند اكتشاف الشرطة أمر (طعام الكلاب) وطرقوا باب بيت بن عاقول، اختبأ حسين في الخزانة ثم فاجأ سعد والنمش بارتداء نظارة شمسية، فخبأ سعد وجهة عن عدسة الكاميرا وخلط النمش ضحكه بالبكاء، ويكمل المخرج التصوير.
ولأسباب خاصة بالحقوق الفكرية، سيتم استعراض المشاهد بصور متحركة بدلاً من الفيديو
حين زادت الملامة على حسين من قبل شقيقه وأمه، وبعد أن ضاقا ذرعًا بفشله المتكرر، قررا سحب أموالهما منه، فينفجر بهما حسين، ليشق ثوبه، وحين انتبه سعد الفرج لهذا التصرف، لم يتمالك نفسه فأخفى وجهه خلف ظهر حسين، ويأتي بالعبارة المشهورة: إنت اخوي إنت أخوي، خذ الفلوس خذ الفلوس
المشهد الثالث في مصر، حين دخل حسين على سعد في الشقة، حاملًا حقيبة مهندس الديكور بدلًا من الحقيبة الأصلية، ظنًا منه أن المشهد سيُعاد تصويره! فنرى الضحكَ بادٍ على وجه سعد لحظة رؤية حقيبة النجارة، ليتسرب الضحك لحسين، إلا أن المشهد يمضي بجمال عفويته، ليستقر في ذاكرتنا كأروع ما يكون
وأرى العامل الثاني للنجاح هو المتتالية القصصية التي يتكون منها النّص، فثمة تسلسل للحدوتة ساعد على تلقي العمل واستقراره في ذاكرتنا بتعدد أجوائه: تثمين البيت- مشروع الأحذية- مشروع طعام الكلاب- مشروع المحاماة- زواج أم سعد وصدمة حسين- رحلة للقاهرة- مصنع الكبريت- الخسارة الكبرى
العامل الثالث هو مَنطَقةُ اللا-منطقي بأسلوبٍ يجعله ينفذ لنا دون عناء. فلم يكن عاديًا التأتأة بسبب لبس حذاءٍ بزوجين متطابقين، ولم يكن منطقيًا نباح الناس بعد أكل طعام مخصص للكلاب، وكيف صدّقَ حسين فؤاد باشا بمسألة شراء الأهرامات وأبو الهول من مصر للكويت، بل تخيلنا وصدقنا الأمر مثله
العامل الرابع هو كويتيّته الخالصة، كما أشرنا سابقًا للديكور، فقد كان عامل جذبٍ يمثل البيئة الكويتية، والحوارات أيضًا، المكتوب منها والمرتجَل، نجدها قريبة من حديثنا دون تكلّف، ونراه يوثّق لسان اللهجة التي بدأت مفرداتها تتلاشى.
إذًا، كان وما يزال درب الزلق يُشبهنا كثيرًا، بتفاصيله
العامل الخامس، التوازن الذي وفره المخرج حمدي فريد بين الحوار/ وقت النُّكتة وطريقة قولها/ وقت قطع الكاميرا ، نراها موجودة في الأعمال الأجنبية الناجحة الحديثة!
في حين نجد أعمالنا التي جاءت بعد درب الزلق تعتمد على المبالغة في إظهار الشخصيات الكوميدية، ونكت مستهلكة، ومشاهد طويلة مملة
أما عن الجزء الثاني فهناك العديد من التصريحات والأخبار، بدايتها في أكتوبر ١٩٩٥، تحت مانشيت (نجوم درب الزلق يلتقون في جزئه الثاني)، وقد تحدَّثَ الخبر عن الحبكة، وهي البحث عن حسين بن عاقول بعد أن سرق وثائق عائلته، وكان سيصور في دول خليجية بالإضافة للهند وبإنتاج ضخم. إلا أنه لم يحدث
وفي يوليو ٢٠٠٣، تم تكليف الراحل عبدالأمير التركي من قبل تلفزيون الكويت، تزامنًا مع الموافقة على الجزء الثاني من مسلسل الاعتراف (الذي مُنع جزؤه الأول)، وتم تحديد تاريخ العرض آنذاك، يناير ٢٠٠٤، بحضور نجوم الجزء الأول ما عدا النّمش رحمه الله بسبب وفاته، وبالاشتراك مع فنانين شباب
حدثَ وأن دار الحديث مجددًا عن جزءٍ ثانٍ سنة ٢٠١١، وكان المرحوم عبدالأمير التركي قد أسرَّ للكاتب فؤاد الهاشم عن جاهزية النص، وظل هناك تخوّف من إنتاجه خاصة بعد رحيل النّفيسي والنّمش والمفيدي رحمهم الله، إلا أن بوعدنان بيّنَ في لقاء مع الكاتب أحمد الحامد أنه كان ضد الفكرة أساسًا
درب الزلق حالة فنية نفتخر بها كجمهور، ومصدر لعبارات خالدة لا نزال نرددها، والكثير منا يستطيع إكمال حواراته مع الفنانين.
لن يكون هناك درب زلق ثانٍ! ومن المؤذي جدًا لأي عمل أن يُقارَن به.
رحم الله بوعدنان والنفيسي والنمش والمفيدي، ويسعد روح كل من شارك فيه وأوقدَ فينا بهجةً لن تنطفئ

جاري تحميل الاقتراحات...