مِن أُسُسِ البلاغة، ومن أصول البيان العربيّ، ومِن بدهيات العقل المنزّه عن اللوثة والهُجنة، أن يلئّم الرجل بين خطابه وبين مقتضى الحال ويصطحبه؛ فمن غمَّ الناسَ في ساعة الفرح
صارَ في جملة الجهّال، ومَن "استظرفَ" في موقف الاحتشاد رمته العيون شزراً واطّرحته الرجال.
صارَ في جملة الجهّال، ومَن "استظرفَ" في موقف الاحتشاد رمته العيون شزراً واطّرحته الرجال.
والعقلاء ما زالوا يتوخّون الكلام ويعرفون أحواله، ومتى يحسن ومتى يستقبح، ويعتبرون أصوله وفضوله، وأكثر ما يعتبرون في ذلك كله، حال المخاطب. فيجعلون للمنكر خطاباً وللجاهل آخر، وللمصدق والمتردد، فلا يكون الكلام على نسقٍ واحدٍ ولا على وتيرة مطّردة =
فخطاب الدهماء غير خطاب الملوك، وخطاب الملوك مباينٌ لخطاب السَوقة، فمَن خاطبَ الناس جميعاً بخطابٍ واحد من غير اعتبارٍ لاختلافهم، وتباين أحوالهم، خالف مقتضى الفصاحة، ودخلَ في جملة من لا يحسن الإبانة.
ومما يجب اعتباره من العاقل - ومن طلّاب العلم خاصة - هذه المواقع وما تَحويه من اختلاف وتباين، وتنوّع وتضاد، فالناس هنا ليسوا من نَبْعة واحدة، وما سقطوا من سِمطٍ جامع، فمنهم الصغير والكبير، ومنهم الجاهل والعاقل، ومنهم الناسك والفاسق، والمريض والملتاث،
والزمان معبأ بذرائع التشكيك، فلربما كلمة أَوْرَت زناد شَكْ، ولربما لفظةٌ ردَّتْ إلى حق، فمن اهتمَّ بالرسالة، وحرصَ على الدعوة، وجمعَ لها نفسه، فلا بدَّ له أن يدقِّقَ في الأحوال، وينظر إلى مآلات الأفعال، ولا يرمي الأقوال خبطَ عشواء يناكف بها فئة =
ويثير بها جدلاً ثمَّ يَنسِبُ نفسه إلى الفقه ويقول هذا كلام العلماء وكتاب الله يشهد لي!
جاري تحميل الاقتراحات...