ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 90 قراءة Jul 16, 2021
قديسة في نظر الكاثوليك، وبطلة قومية في نظر الفرنسيين، وملهمة للأدباء والفنانيين، كل هذا وهي لم تزل بعد في التاسعة عشر من عمرها، تحدثت عن أصوات إلهية توجهها، وتستشرف بها المسير، اخترقت التاريخ الأوروبي ووضعته في اتجاه معاكس لما كان عليه !
#حياكم_تحت 🌹
لم تكن حرب المائة يوم ولا المائة شهر ولا حتى المائة عام وإنما استمرت 137 عامًا، حرب اشتعل وطيسها بداية من 1337م نتيجة تراكمات وضغائن كثيرة خلفها انقطاع النسل الذكوري عن عرش فرنسا، ولم تكن فرنسا في كل هذا على طول سنواتها إلا طرفا خاسرا فاقدا لأراضيه وسيادته قطعة وراء أخرى.
في فترة حكم شارل السادس لفرنسا التي بدأت عام 1380 وانتهت عام 1422م، تعرضت فرنسا لفترة مضطربة سلملتها لهزائم متتالية، والسبب راجع إلى اللوثة العقلية التي ألمت بالملك ومنعته من مباشرة أمور الحكم، وترتب عليها أيضا نزاع شديد على خلافته بين أخيه وابن عمه.
بلغت الهزيمة ذروتها في معركة أجينكور التي وقعت عام 1415، حين استطاع الإنجليز بقيادة ملكهم هنري الخامس هزيمة الجيش الفرنسي المتفرق الإمرة، والسيطرة على كثير من مدن الشمال الفرنسي، حينها باتت روح الهزيمة تسيطر على الجميع وأضحت الدولة الفرنسية بكامل أراضيها على شفا سقوط وانهيار تام.
الهزيمة النفسية تسري في نفوس الفرنسيين وليس ثمة مخرج لهم إلا بالوصاية على الملك الحالي وتقديم غيره، هنا وجد شارل السابع الابن الوحيد المتبقي للملك نفسه أمام تعويل الناس عليه في إحداث الفارق وتولي السلطة، كل هذا وهو لم يزل شابا غضًا في الرابعة عشر من عمره.
كانت أولى محاولاته الجادة لتوحيد الصف الداخلي بعقده اتفاق سلام مع دوق بورغندي عام 1419. لكن الأمر انقلب إلى العكس، حين اغتيل دوق بورغندي وهو في حماية الملك المستقبلي شارل السابع، الدوق الجديد لبورغندي يتهم شارل بتدبير الاغتيال، يتبعه تحالفه مع الإنجليز انتقامًا لسلفه.
المصائب لا تأتي فرادى، حيث استمر المشهد في التعقيد، حين وقعّت الملكة إيزابو أم شارل السابع على معاهدة "تروا" مع الإنجليز، تخلع بموجبها ابنها من ولاية العهد، مانحة إياها للملك الإنجليزي هنري الخامس!!
في تلك الأثناء وعلى مقربة من نهر الميز ضمن قرية معزولة تُدعى دومريميه، كانت هناك طفلة صغيرة، تشب في هدوء وسط أسرة مسيحية فقيرة متدينة، وذلك قبل أن تخبر جان -هكذا اسمها- عن رؤيا عجيبة رأتها، رأت فيها نفسها وحيدة في أحد الحقول، قبل أن تفاجئ بظهور من؟
ظهر لها بحسب روايتها رئيس الملائكة ميخائيل، جوارًا مع القديسة المصرية كاترينا الإسكندرانية، بالإضافة إلى القديسة مارغريت الأنطاكية، والذين طلبوا منها مقاومة الإنجليز حتى إجلائهم عن البلاد، ومساعدة شارل السابع ولي العهد المخلوع في أن يتوج ملكًا على فرنسا بعد أن حرمه الإنجليز ذلك.
بعد أربع سنوات من تلك الرؤيا، تحديدًا وهي في عمر السادسة عشر، تنامت في نفس الفتاة أصواتا وصفتها (هي) بالإلهية تكرر عليها فحوى رؤيتها، آمرةً إياها بمناصرة ولي العهد، لذلك لم تجد بدًا من ترك بيتها والذهاب إلى إحدى حاميات الجيش القريبة، تطلب منهم مقابلة ولي العهد المخلوع شارل السابع
رفض قائد الحامية إيصال جان شارل السابع، وهو أمر سلمها إلى البحث عن طريقة أخرى، فلم يكن منها إلا أن ذهبت إلى مدينة بورغ حيث محل إقامة شارل، وذلك بعد أن سلبت منه باريس ولم يتبق تحت سيطرته سوى القليل من الأراضي، ذهبت جان واستطاعت الوصول إليه وإخباره بقصتها.
قديسة تحمل تكليفًا إلهيا بمساعدة شارل على الوصول إلى مدينة ريمس وتتويجه فيها ملكًا كما جرت عادات التتويج، خرج شارل من لقائها السري معها مستبشرًا مؤمنًا بها وبما جاءت به كأقصى ما يكون، حيث قيل أنها أفصحت له عن علامة وحجة إعجازية دفعته إلى تصديقها، حجة لم يتم الإفصاح عنها!!
في تلك الأثناء كانت مدينة أورليان ذات الموقع الاستراتيجي محاصرة منذ سبعة أشهر، وسقوطها يفتح الطريق لسقوط ما تبقى من فرنسا، هنا طلبت جان الذهاب على رأس تعزيزات لإنقاذ المدينة، وبالطبع وافقها شارل، بمجرد انضمامها للجنود اشعلت في نفوسهم روحًا جديدة تواقة للانتصار ولفعل المستحيل.
ترتب على هذا الأمر انتصارا ملحميا لا يعقل، لم يحدث في تاريخ الفرنسيين منذ وقت بعيد، أمر دفع شارل للوثوق بـ "جان دارك" أكثر، وتكليفها بمزيد من المهام القيادية في الجيش، والتي نجحت في قلب الطاولة تماما على الإنجليز، عبر مزيد من الانتصارات التي تحررت بها مزيد من المدن.
أظهرت جان خلال هذه الحروب والاستعادات شجاعة لا مثيل لها، وتحققت لها بعض ما (قيل) أنها أمور إعجازية، مثل ذلك السهم الذي أصابها في مقتل وكان يفترض أن يقودها للموت، إلا أنها بعد دقائق من نزعه عنها، انتصبت مكانها قائمة وألقت بذاتها مجددًا في أرض الوغى مكملة القتال، وكأن شيئًا لم يكن!
بحلول السادس عشر من يوليو 1429م استطاعت القوات الفرنسية استعادة مدن كثيرة من ضمنها مدينة "ريمس" التي يجري فيها في العادة تنصيب ملوك فرنسا، لذلك بمجرد دخول المدينة أقيم حفل تتويج لـ شارل السابع حيث أعلن نفسه ملكا على فرنسا.
استمرت الحروب وواصلت جان وجودها في معارك شتى، حتى انتهى بها الحال أسيرة بين يدي البورغنديين، الذين بالطبع سلموها للإنجليز، حيث نقلت إلى مدينة روان الفرنسية، والتي كانت حينذاك مقرًا لحكومة الاحتلال الإنجليزي.
اتهمت إنجلترا جان بالهرطقة، وأمرت بتقديمها للكنيسة من أجل محاكمتها على ذلك، كان اتهامًا خطيرًا يفضي مع ثبوته إلى الإعدام، ولم يأت هذا الاتهام وهذه المحاكمة إلا انتقامًا سياسيًا من جان، والتي ساهمت بالدور الأكبر في بعث الروح الوطنية الفرنسية وتنصيب شارل السابع ملكًا على فرنسا.
للكنيسة وأحكامها حينذاك الكلمة العليا، فمتى أثبتت أن جان وأصواتها المسموعة التي تدعيها شيطانية، فبالتبعية هي مهرطقة، وكل ما قامت به هو من عمل الشيطان، بما يتضمنه ذلك من تتويج لشارل السابع ملكا لفرنسا وتلك هي الجزئية الأهم في اعتبار الإنجليز.
محاكمة عاصفة، وجهّ فيها القضاة الكنسيون أكثر من 70 اتهامًا لجان دارك، أبرزها السحر والهرطقة وتضليل الناس، والتشبه بالرجال في الملابس والقتال وغيرها !
بحصافة وحسن تقدير وذكاء حاد، استطاعت جان إبطال مساعي القضاة لإدانتها ليقل عدد التهم إلى 12 اتهام فقط.
هل أنت في نعمة الله؟! هكذا سألها القضاة، كان سؤالا مرواغًا أو فخًا، إن أجابت فيه بنعم تكون أدانت نفسها بالهرطقة، وإن أجابت جان بلا فهي في هذه الحالة قد اعترفت بذنبها، هنا أجابت قائلةً "إذا لم أكن في نعمة، فأدعو الله ينعم عليّ، وإن كنت في نعمة، فأسأل الله أن يحفظها عليّ".
في الأشهر الأولى من عام 1431م، أدينت جان دارك بالهرطقة وبأن رؤياها ليست إلا من الشيطان، وجرمت كذلك على تشبها بالرجال عبر لبس زيهم وهو أمر اعتبرته المحكمة من باب الشر، وحكم عليها لأجل هذا بالموت حرقًا مقيدة في عمود.
مُنحت جان دارك فرصة للعودة عن ذنبها المفترض والاعتراف بهرطقتها وما أدينت به من تهم، أرعبها الحكم بداية وأقرت واعترفت بما أدينت به وخفض الحكم إلى المؤبد، لكنها بعد أربعة أيام عدلت عن اعترافها، وقالت بأن الأصوات الإلهية وبختها على ضعفها واستسلامها.
هنا وجد الإنجليز بغيتهم في تبرير قتلها، حيث اقتيدت جان دارك إلى السوق القديم بمدينة روان، وذلك صباح يوم 30 مايو 1431، رفقة 800 جندي مسلح بالسيوف والفؤوس، حيث ربطت ابنة التاسعة عشر عامًا حينذاك بعمود خشبي، وأضرمت فيها النيران أمام نظر جموع حاشدة من الناس.
أزيل عنها الحطب وأظهر الجنود جثتها متفحمة، وذلك بغرض نفي أن يتداول العامة حدوث معجزة لها وهروبها، ثم أعيد حرق جثتها المتفحمة مجددًا؛ حتى استحالت رمادًا، لم يكتفي الإنجليز بذلك، بل جمعوا رمادها ونثروه في أماكن متفرقة من نهر السين، حتى لا يتبرك به الناس.
بعد عدة سنوات، عندما أعاد شارلز السابع مدينة نورماندي إلى سطوته وطرد منها الإنجليز، قرر إعادة محاكمة جان دارك تكريما لها، وبمساعدة ودعم البابوية ألغي الحكم، واعتبرت شهيدة، وأدين قاضيها الأسقف بيير كوشون بالهرطقة بسبب ما تسبب فيه من قتل لإمرأة بريئة.
بعد نحو أربعة قرون من قتلها على إثر محاكمة ظالمة، استعادت جان دارك مكانتها القومية كبطلة فرنسية فريدة يبجلها العامة وتحتفي بها كتب التاريخ، وانصرف الأمر إلى حد القداسة حين أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية في 16 مايو 1920، قديسة وشهيدة وأثبتت لها معجزاتها وأصوات الإله لها.
بوفاتها لم تنته حرب المائة عام، بل تجددت بسطوة قومية أكبر تملكت الجنود الفرنسيين، وتملكت نفس الملك شارل السابع المتهم بخذلان حليفته، والذي تمكن من المحافظة على شرعيته كملك لفرنسا، وإزاحة الاحتلال الإنجليزي كاملًا عن بلاده.
ألهمت شخصية جان دراك وما قامت به وكذا محاكمتها كثير من الأدباء والفنانيين فصنعوا أعمالا لا تزال خالدة، مثل مسرحية هنري السادس لشكسبير، وعذراء أورليان لشيلر، والقديسة جان لبرنارد شو، وقصيدة عذراء أورليان لفولتير، كما ألهمت قصتها عديد من الأفلام وألعاب الفيديو.

جاري تحميل الاقتراحات...