15 تغريدة 26 قراءة Jul 17, 2021
يدهشني تبجيل العرب للكرم من أيام جاهليتهم، الأيام التي كانوا يقتتلون فيها لأجل ماء وكلأ، تفنى أرواحعم، ورغم اقتتالهم فيما بينهم ما رأوا صيغة ممكنة للخلود مثل البذل والعطاء. ما رأوا وسيلة لمقاومة فناء الجسد مثل إفناء المال.
يقول طرفة بن العبد الذي مات في ذروة شبابه إنه ما عرف وسائل لمقاومة الموت مثل الشجاعة وبذل الروح وبذل المال:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى
وجدك لم أحفل متى قام عودي
وذكر منها:
وكري إذا نادى المضاف مجنباً
كسيد الغضا نبهته المتورد
هذا الجود لا يكون وليد السعة دائمًا، بل وليد الضيق والأيام التي ينبغي أن يقول المرء فيها: نفسي، نفسي.
فأفضل الجود عندهم أن تبذل مالك في وقت يكاد يكون فيه الشحّ هو الخيار الأسلم، في مواسم القحط، وفي ظروف تقتضي الحرص،
يقول طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فينا ينتقر
كما يدهشني باب المعاملات في الإسلام الذي اجتثّ اندفاع الجاهليين في كل شيء تقريبًا، عدا اندفاعهم في الجود... فوعد "من يوقى شحّ نفسه" في دار الفناء بالفلاح في دار البقاء.
ومن البديهي أن الحكمة تولد من التجرية، وأن الشدائد تحنّكنا، ومع هذا فقد رأى بعض العرب أنّ الاستفادة من التجارب وتعلّم الحرص من كل ضائقة مرغوب باستثناء الضائقة المالية.
كان ابن شهاب الزهري من أسخى الناس، فلما أصاب مالًا قال مولى له وهو يعظه: قد رأيتَ ما مر عليك من الضيق فانظر كيف تكون، أمسكْ عليك مالك، قال: "إن الكريم لا تحنّكه التجارب" يقول: أنت سبق مرة عليك شدّة وحاجة فادّخر الآن لتتفادى تلك الشدائد، فقال: "إن الكريم لا تحنكه التجارب"
ولفرط جودهم ما رأوا أن هذا الجود تفضّل منهم على الناس، بل تفضّل منهم على ذواتهم أولاً، أي عطاء للذات لا للآخر.
يقول زهير في مدح رجل كريم:
تراهُ إذا ما جئْته مُتَهَلِّلا
كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ
فعطاء الكرام للآخرين هو في جوهره عطاء لنفوسهم التي تطيب وتندى وتستريح بالعطاء
وقد كان لمحمد بن كعب القرظي أملاك بالمدينة، وحصّل مالا مرة فقيل له: ادّخره لولدك، قال: "لا، ولكن أدخره لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي"
ومن هذا خبر القائد الأموي يزيد بن المهلّب الذي مرّ في طريق البصرة بأعرابيّة فأهدت إليه عنزا فقبلها
وقال لابنه ما عندك من نفقة؟
قال: 300 درهم
قال: ادفعها إليها
قال: إنها لا تعرفك ويرضيها اليسير
قال: إن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي وإن كان يرضيها اليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير.
وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المفلس، لم يكن المفلس فيه مفلسًا من المال، بل ربط بين الإفلاس والجشع. قال: "أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ" فأجاب بغير هذا، وذكر من المفلسين من يأكل مال غيره.
وفي حديث آخر قال عليه أفضل الصلاة والتسليم: "ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى، إن شئتَ يا رسول الله، قال: إن شراركم الذي يَنزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده"
وإلى عصرنا ما زال الكرم العربي مزروعًا في الناس، ومن صور هذا أن مجالس الضيوف أوسع ما في بيوتنا رغم أزمة السكن وغلاء الأسعار وصعوبة تملك عقار.
يقول ابن الرومي عن معنى الكرم الحقيقي:
ليس الكريم الذي يعطي عطيته
على الثناء وإن أغلى به الثمنا
بل الكريم الذي يعطي عطيته
لغير شيء سوى استحسانه الحَسَنا
@AlobaidBadriyah @rattibha العفو بدرية.
أسعدني رأيك الله يسعدك
شكرا لك❤
(مرّت)
نسخت الخبر من صفحة على الإنترنت فلم أنتبه للخطأ

جاري تحميل الاقتراحات...