تعرفت على أناس صامتين و أناس يواجهون، فرق فرق بين الاثنين، الصامتون يخلقون عوالم داخل عقولهم ويعيشون المظلومية والألم وتصل العلاقات معهم إلى خط النهاية. أما الذين يواجهون علاقاتي معهم مثمرة تقوى رغم كل خلاف لأنهم لا يتركون مجالًا لعقولهم لتفسّر ما حدث، يعاتبون ويستوضحون مباشرة.
في السابق كنت أستاء جدًا من نفسي لأنني أغضبت شخصًا أحبه وخسرته، لكن مؤخرًا أصبحت لا أبالي إذا كان هذا الشخص "لا يتحدث" و قد خلق تفسيراته الخاصة داخل جمجمته، فمن الصعب على الإنسان أن يتنبأ بما يحدث في نفسية و عقلية الآخر؛ لأن خلفياتنا الاجتماعية والثقافية هي من يحدد فهمنا للأشياء.
يقول الدكتور عادل مصطفى (طبيب نفسي) في كتابه المغالطات المنطقية، أن الإنسان يرى ما يتوقعه. وفي محاولة لشرح المسألة يقول لدى كل منّا تهيئة فكرية هذا التهيؤ هو ما يعطي الأحداث تفسيرها وهناك تُعالج البيانات (processing) وتخرج النتيجة ليس بناءً على ما حدث فقط بل على طريقة المعالجة.
إذًا لدينا عاملان مؤثران في شعورنا بعد أي حدث: نوعية الحدث و نظرتنا تجاهه. وهناك أحداث بالطبع لا تختلف معالجتها عند البشر مثل التعرض إلى الضرب أو التحرش الجنسي أو الخيانة هذه أفعال تصنّف في خانة (الأبيض و الأسود) لا توجد تعريفات مختلفة لها ويندر أن تجد من يقبلها.
لكن كثيرًا من الأحداث (كلمات وأفعال) التي تسبب شروخًا في علاقات الإخوة والزواج والصداقة من فئة الرمادي. مثل ارتفاع الصوت الذي يأتي نتيجة طرف طارئ، هذه الأحداث الرمادية يختلف الناس في التعامل معها اعتمادًا على "طريقة معالجتهم" لهذا الصوت والمبنية على حساسيتهم ومواقفهم السابقة.
والحقيقة أنه لا ذنب للطرف الجديد في حياتك سواء كان زوجًا أو صديقًا ليدفع فاتورة حساسيتك ومواقف الطفولة طالما لم تخبره بها وفي كثير من الأحيان أنت لا تعرفها. وهنا يأتي المبدآن التي طالما دعى لهما أخصائيو علم النفس. الأول هو التركيز في الحاضر والتخلص من الماضي، فعندما يرفع شريكك =
صوته لأنه تحت ضغط، عقلك في الأغلب سيذكرك بالموقف الذي أهنت فيه قبل سنوات بصوت مرتفع من شريك سابق أو أبيك أو معلمك. مشكلة عقلك أنه يذكرك بالشعور فقط فتختلط عندك المواقف وتصبح عاجزًا عن التعاطف مع شريكك في ألمه؛ لأن المعالجة التي تمت في عقلك: "شريكي يهينني ويظلمني".
لذلك دائمًا من "لا يفهم نفسه" يصعب عليه العيش مع طرف آخر؛ لأنه حبيس تراكماته وذكرياته دون علم وكل مشاعره السلبية يعلقها على الطرف الآخر ليس لأنه سيء ومتلاعب ويريد أن يسمم العلاقة بل لأنه متورط مع نفسه ولم يصل حتى الآن إلى معرفة بالعقد النفسية التي تراكمت داخله وأرهق نفسه وشريكه.
أما المبدأ الثاني: "غيّر فكرتك يتغيّر شعورك". مثلًا زوجتي رائعة لكنها دائمًا تذكرني بعطائها. هذا "الحدث" رمادي. الآن تأتي المعالجة وأنا أمام ثلاث معالجات:
١- كلام عادي ⬅️ شعور عادي. (حياد)
٢- زوجتي تمن علي ⬅️ شعور غاضب.
٣- زوجتي تحاول تقولي أحبك بهذه الطريقة ⬅️ شعور امتنان وحب.
١- كلام عادي ⬅️ شعور عادي. (حياد)
٢- زوجتي تمن علي ⬅️ شعور غاضب.
٣- زوجتي تحاول تقولي أحبك بهذه الطريقة ⬅️ شعور امتنان وحب.
ولأنني أعتمد على المبدأ الثاني بشكل كبير، من النادر أن أخسر شعوري تجاه أحد؛ لأنه يحتاج أن يفعل شيئًا من الفئة "السوداء". أما كل الكلمات والأفعال من فئة الرمادي التي تجلب مشاعر سيئة أو غريبة، أعالجها بالاستفسار من الطرف الآخر مباشرة وإذا وضّح لي أقوم بتغيير فكرتي فيتغيّر شعوري.
بالطبع مسألة تغيير الفكرة ليست سهلة، لكنني أقنعت نفسي وتبنيت مبدأً مهمًا: "في الفئة الرمادية يكون تفسير الطرف الآخر أهم من إحساسي" لأن الفئة الرمادية تحتمل أكثر من معنى فلن أفسّرها بطبيعتي وطريقة تفكيري، بل بطريقة تفكير فاعلها وقائلها وهكذا أستريح من الشعور السلبي ولا أظلم الآخر.
لأن توضيح الفاعل بلا شك أكثر موثوقية لبناء الحكم من ظن المفعول به. وربما يقول قائل: "وما أدراك لعل الطرف الآخر يكذب؟". والجواب: إن كنت تشك فتلك مصيبة وفي هذه الحالة أنت أمام احتمالين: أنه فعلًا كاذب وهذا يعني أنك في علاقة خاطئة أو أن لديك عقدة و وسواس فأعان الله الطرف الآخر.
ختامًا: أصبحت لا أستاء عندما يغضب شخص عزيز "ويرحل" طالما حرمني من حقي في توضيح فعلي الذي أساءه أو كلمتي التي جرحته. هو من فسّر و اعتبر ما حدث إهانة دون أن أعلم، إذًا مشكلته مع نفسه و أنا لا أستطيع أن أجل مشاكل الأشخاص مع أرواحهم.
⬇️⬇️⬇️
⬇️⬇️⬇️
تقفيلة:
تخيّلوا أن الصامتين يريدون من الطرف الآخر أن يعلم الغيب فيطّلع على طريقة استقبالهم للكلمات والأفعال الكامنة أصلًا في معالجهم الذي يعتمد على صندوقهم الأسود "black box” من الخلفية الاجتماعية والثقافية كما شرح عادل مصطفى في بداية هذه السلسلة.
تخيّلوا أن الصامتين يريدون من الطرف الآخر أن يعلم الغيب فيطّلع على طريقة استقبالهم للكلمات والأفعال الكامنة أصلًا في معالجهم الذي يعتمد على صندوقهم الأسود "black box” من الخلفية الاجتماعية والثقافية كما شرح عادل مصطفى في بداية هذه السلسلة.
جاري تحميل الاقتراحات...