العلامة ابن سعدي
العلامة ابن سعدي

@binsaadi

19 تغريدة 56 قراءة Jul 08, 2021
"الحمد لله الذي غرس شجرة الإيمان في قلوب عباده الأخيار ، وسقاها وغذاها بالعلوم النافعة ، والمعارف الصادقة ، واللهج بذكره آناء الليل والنهار ؛ وجعلها تؤتي أكلها وبركتها كل حين من الخيرات والنعم الغزار "
التوضيح والبيان لشجرة الإيمان
ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة..".
فمثل الله كلمة الإيمان-التي هي أطيب الكلمات-بشجرة هي أطيب الأشجار، موصوفة بهذه الأوصاف الحميدة: أصولها ثابتة مستقرة، ونماؤها مستمر، وثمراتها لاتزال، كل وقت وكل حين، تغل على أهلها وعلى غيرهم، المنافع المتنوعة، والثمرات النافعة.
٣
وهذه الشجرةمتفاوتةفي قلوب المؤمنين تفاوتاً عظيماً،بحسب تفاوت هذه الأوصاف التي وصفها الله بهافعلى العبدالموفق أن يسعى لمعرفتها ومعرفة أوصافها وأسبابها، وأصولها وفروعها؛ويجتهد في التحقق بها: علماً وعملاًفإن نصيبه من الخير والفلاح، والسعادة العاجلةوالآجلةبحسب نصيبه
من هذه الشجرة.
٤
أما حد الإيمان وتفسيره ، فهو : التصديق الجازم ، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإيمان به ؛ والانقياد ظاهراً وباطناً . فهو تصديق القلب واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب وأعمال البدن . وذلك شامل للقيام بالدين كله .
٥
ولهذا كان الأئمة والسلف يقولون : الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح .
وهو : قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية . فهو يشمل عقائد الإيمان ، وأخلاقه ، وأعماله .
٦
فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقاً .
ومضمونها : القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة ، واجتناب المحرمات والمكروهات .
وبتكميلهم للإيمان استحقوا وراثة جنات الفردوس التي هي أعلى الجنات ؛ كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات .
٧
وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين ، وأخلاقه ، وأعماله الظاهرة والباطنة ، ويترتب على ذلك : أنه يزيد بزيادة هذه الأوصاف والتحقق بها ، وينقص بنقصها ، وأن الناس في الإيمان درجات متفاوتة بحسب تفاوت هذه الأوصاف .
٨
ولهذا كانوا ثلاث درجات :
1️⃣ سابقون مقربون ، وهم: الذين قاموا بالواجبات والمستحبات ، وتركوا المحرمات والمكروهات ، وفضول المباحات.
2️⃣ومقتصدون ، وهم: الذين قاموا بالواجبات ، وتركوا المحرمات.
3️⃣وظالمون لأنفسهم ، وهم: الذين تركوا بعض واجبات الإيمان، وفعلوا بعض المحرمات .
٩
قوله تعالى: "أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ".
فذكر الإيمان الشامل لما في القلوب:
من العقائد والإرادات الطيبة، والأعمال الصالحة ، ولا يتم للمؤمن ذلك حتى يتقي ما يسخط الله : من الكفر والفسوق والعصيان . ولهذا حقق ذلك بقوله: "وكانوا يتقون"
١٠
فهذه أكبر المنن : أن يحبب الإيمان للعبد ، ويزينه في قلبه ، ويذيقه حلاوته : وتنقاد جوارحه للعمل بشرائع الإسلام ؛ ويُبغِّض الله إليه أصناف المحرمات . والله عليم بمن يستحق أن يتفضل عليه بهذا الفضل ، حكيم في وضعه في محله اللائق به .
للإيمان حلاوة في القلب ، إذا وجدها العبد سلته عن المحبوبات الدنيوية ، وعن الأغراض النفسية ، وأوجبت له الحياة الطيبة ، فإن من أحب الله ورسوله لهج بذكر الله طبعاً – فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره- واجتهد في متابعة الرسول ﷺ وقدم متابعته على كل قول ، وعلى إرادة النفوس ، وأغراضها .
١٢
في الصحيحين أنه ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة ؛ أعلاها قول : لا إله إلا الله وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان".
وهذا صريح : أن الإيمان يشمل:
أقوال اللسان وأعمال الجوارح ،
والاعتقادات والأخلاق ، والقيام
بحق الله ، والإحسان إلى خلقه .
١٣
فجمع في هذا الحديث بين أعلاه وأصله وقاعدته وهو قول:لاإله إلا الله؛إعتقاداً وتألهاً،وإخلاصاً لله وبين أدناه،وهوإماطة العظم والشوكةوكل مايؤذي عن الطريق فكيف بما فوق ذلك:من الإحسان؟
وذكر الحياءوالله أعلم:لأن الحياءبه حياة الإيمان،وبه يدع العبدكل فعل قبيح كما به يتحقق كل خلق حسن،
١٤
إذا قرن بالإيمان غيره ، فسر الإيمان بما في القلب من العقائد الدينية ؛ والإسلام أو الأعمال الصالحة بالشرائع الظاهرة،
وأما عند الإطلاق إذا أطلق الإيمان ،
فقد تقدم أنه يشمل ذلك أجمع.
١٥
روى مسلم أن الرسولﷺقال:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً".
والرضا بذلك يقتضي الفرح بذلك والسرور بربوبيةالله له وحسن تدبيره وأقضيته عليه وأن يرضى بالإسلام ديناً،ويفرح به،ويحمدالله على هذه النعمة التي هي أكبر المنن:حيث رضي الله له الإسلام ووفقه له
١٦
واصطفاه له:
ويرضى بمحمد- ﷺ- نبياً : إذ هو أكمل الخلق ، وأعلاهم في كل صفة كمال ، وأمته وأتباعه أكمل الأمم وأعلاهم ، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .
١٧
في صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي قال:قلت:يارسول الله؛قل لي في الإسلام قولا لاأسأل عنه أحدا بعدك قال:"قل آمنت بالله ثم استقم"
فبينﷺبهذه الوصيةالجامعة:أن العبد إذا اعترف بالإيمان ظاهرا وباطناثم استقام عليه قولاوعملا فعلاوتركا:فقد كمل أمره واستقام على الصراط المستقيم
١٨
فالعبد إذا أصابته المصيبة ، فآمن أنها من عند الله وأن الله حكيم رحيم في تقديرها، وأنه أعلم بمصالح عبده: هدى الله قلبه هداية خاصة للرضا والصبر والتسليم والطمأنينة كما قال تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ".
١٩
كان خيار الأمة والمعتنون بالإيمان منهم – يتعاهدون إيمانهم كل وقت يجتهدون في زيادته وتقويته، وفي دفع المعارضات المنقصة له،ويجتهدون في ذلك،ويسألون الله:أن يثبت إيمانهم، ويزيدهم منه:من علومه وأعماله وأحواله.
فنسأل الله:أن يزيدنا علماً ويقيناً،
وطمأنينة به وبذكره، وإيماناً صادقا.

جاري تحميل الاقتراحات...