نباهة حواسّ الشريف
.
يمكن وصف الشريف الرضي بصاحب الصناعات لا الصناعتين فقط، لم يؤلّف عالمٌ شعرا فيجيد أو يدوّن شاعرٌ علمًا فيبتكر كما صنع الشريف، أجاد في كل حقل كتب فيه، في معاني القرآن الكريم،والمجازات النبوية،والبلاغة،والفقه،والتاريخ،
وهذه سلسلة تتأمل نباهة الحواس وتراسلها عنده
.
يمكن وصف الشريف الرضي بصاحب الصناعات لا الصناعتين فقط، لم يؤلّف عالمٌ شعرا فيجيد أو يدوّن شاعرٌ علمًا فيبتكر كما صنع الشريف، أجاد في كل حقل كتب فيه، في معاني القرآن الكريم،والمجازات النبوية،والبلاغة،والفقه،والتاريخ،
وهذه سلسلة تتأمل نباهة الحواس وتراسلها عنده
=
ابتداءً،كثيرًا ما يضعف العلمُ الشعرية أو تسري إليها مصطلحاته، ولكن شعريته الفذّة بقيت بمعزل عن الحقول المجاورة بين جنبيه، وحين قدّمه زكي مبارك في(عبقريةالشريف الرضي) يبدو أن حبّه الخصومة-كما يقول- غلب على حبّه الشاعر، فأثقل الكتاب الجيد عُجبًا ذاتيًا ومنّة،لكن الشريف عبقري بحق
ابتداءً،كثيرًا ما يضعف العلمُ الشعرية أو تسري إليها مصطلحاته، ولكن شعريته الفذّة بقيت بمعزل عن الحقول المجاورة بين جنبيه، وحين قدّمه زكي مبارك في(عبقريةالشريف الرضي) يبدو أن حبّه الخصومة-كما يقول- غلب على حبّه الشاعر، فأثقل الكتاب الجيد عُجبًا ذاتيًا ومنّة،لكن الشريف عبقري بحق
=
أضرَّ الشاعرُ بالعالم، فخشي أن يُنتقَص علمه بسبب الشعر..
وأفاد العالمُ الشاعر، فصقل الحواس، وعمّق النظر..
فالعلم كان المسَنّ الذي شحذ حواسّ الشاعر دون أن يثلمها بمصطلحاته وأفكاره، وبقي البدوي المطبوع العذب، الذي يصفه الثعالبي بأنه أشعر قريش، وله معانٍ يقرب جناها ويبعد مداها.
=
أضرَّ الشاعرُ بالعالم، فخشي أن يُنتقَص علمه بسبب الشعر..
وأفاد العالمُ الشاعر، فصقل الحواس، وعمّق النظر..
فالعلم كان المسَنّ الذي شحذ حواسّ الشاعر دون أن يثلمها بمصطلحاته وأفكاره، وبقي البدوي المطبوع العذب، الذي يصفه الثعالبي بأنه أشعر قريش، وله معانٍ يقرب جناها ويبعد مداها.
=
=
ومما لحظه النقاد أنه"شاعر العقل والقلب والذكاء"، ماضرورة الذكاء في الشعر؟ إنه النباهة والفطنة في صناعة الشعر، حدّة الحواس أثناء الطرق لإنتاج الجمال، جهاز الإحساس متيقّظ مدفوع بالعاطفة الخالصة، مستعدّ للتناوب، فالعين تسمع، والقلب يذوق والأذن ترى، ودوما "تلفّت القلبُ"
=
ومما لحظه النقاد أنه"شاعر العقل والقلب والذكاء"، ماضرورة الذكاء في الشعر؟ إنه النباهة والفطنة في صناعة الشعر، حدّة الحواس أثناء الطرق لإنتاج الجمال، جهاز الإحساس متيقّظ مدفوع بالعاطفة الخالصة، مستعدّ للتناوب، فالعين تسمع، والقلب يذوق والأذن ترى، ودوما "تلفّت القلبُ"
=
=
ليس القلب وحده الذي يتلفّت، بل سرى الإحساس إلى الأشياء حوله فتتلفّت، الريح في صورة من خيال خصب:
أمرُّ بدارٍ منك مشجوجة الثرى
بمجرى نسيمِ الآنسات الغرائرِ
تمرّ عليها الريح وهي كأنّها
تلفّتُ..في أعطاف تلك المقاصرِ
.
ليس القلب وحده الذي يتلفّت، بل سرى الإحساس إلى الأشياء حوله فتتلفّت، الريح في صورة من خيال خصب:
أمرُّ بدارٍ منك مشجوجة الثرى
بمجرى نسيمِ الآنسات الغرائرِ
تمرّ عليها الريح وهي كأنّها
تلفّتُ..في أعطاف تلك المقاصرِ
.
=
ومن نباهة حاسة السمع عنده اختيار الألحان -لا الأوزان فقط- وانتقاء القوافي، شغوف بمجزوء البحور، يبحث عن طاقة إيقاعية عالية في كل نص،يقول في صورة عجيبة وإيقاع يلائم الترحيب بقادم عزيز:
قدمتَ قدومَ رقاق السحاب
تخطّر والربع ربعٌ جديب
فما ضحك الدهر إلا إليك
مذ بانَ في حاجبيه القطوب
ومن نباهة حاسة السمع عنده اختيار الألحان -لا الأوزان فقط- وانتقاء القوافي، شغوف بمجزوء البحور، يبحث عن طاقة إيقاعية عالية في كل نص،يقول في صورة عجيبة وإيقاع يلائم الترحيب بقادم عزيز:
قدمتَ قدومَ رقاق السحاب
تخطّر والربع ربعٌ جديب
فما ضحك الدهر إلا إليك
مذ بانَ في حاجبيه القطوب
=
ومن نباهة حاسة البصر تصويره أثر الهواء على سطح الماء، ومشهورة صورة ابن الساعاتي:
والطير تقرأ والغدير صحيفة..والريح تكتب والغمام ينقّط
الفنان يصوّرها بوشي متجدد:
وفي ذلك الوادي الذي أنبت الهوى
جنابان من نوّارهِ أرِجانِ
وماءٌ تشيهِ الريحُ كل عشية
كما رقمَ البُردَ الصبيغَ يماني
ومن نباهة حاسة البصر تصويره أثر الهواء على سطح الماء، ومشهورة صورة ابن الساعاتي:
والطير تقرأ والغدير صحيفة..والريح تكتب والغمام ينقّط
الفنان يصوّرها بوشي متجدد:
وفي ذلك الوادي الذي أنبت الهوى
جنابان من نوّارهِ أرِجانِ
وماءٌ تشيهِ الريحُ كل عشية
كما رقمَ البُردَ الصبيغَ يماني
=
تراسل حواس الشريف كثير في ديوانه، فإذا فات نصيبُ حاسّة تداعت لها بقية الحواس، في محاولة تعويض عن ثمين الفوائت:
"فاتني أن أرى الديارَ بطرفي
فلعلّي أرى الديار بسمعي
من مُعيدٌ أيام سلعٍ -على ما كان منها- وأين أيامُ سلعِ"
تراسل حواس الشريف كثير في ديوانه، فإذا فات نصيبُ حاسّة تداعت لها بقية الحواس، في محاولة تعويض عن ثمين الفوائت:
"فاتني أن أرى الديارَ بطرفي
فلعلّي أرى الديار بسمعي
من مُعيدٌ أيام سلعٍ -على ما كان منها- وأين أيامُ سلعِ"
=
ومن رُشد الحواسّ المآلات العفيفة التي تنتهي إليها كثير من أفكاره، والعواقب التي يتبصّرها دومًا ولا تغيب.
يقول:
ولكنني أغضيت عنها كأنما
أقول بسمعي أو أعي بلساني
.
ويقول في تنبّه إحساس النبيه:
لئن كنتُ أستحلي مواقع نَبلِهِ
فإنّي ألاقي غِبّهُنَّ أليما
ومن رُشد الحواسّ المآلات العفيفة التي تنتهي إليها كثير من أفكاره، والعواقب التي يتبصّرها دومًا ولا تغيب.
يقول:
ولكنني أغضيت عنها كأنما
أقول بسمعي أو أعي بلساني
.
ويقول في تنبّه إحساس النبيه:
لئن كنتُ أستحلي مواقع نَبلِهِ
فإنّي ألاقي غِبّهُنَّ أليما
=
وهو يدرك تفرّد إحساسه، ليست صورة الربع هنا محدودة، الربع أوسع معنى، والنوّام والمتطفلون أكثر صورًا:
.
تعرّض رُسل الشوق والربع هاجدٌ
فتوقظني من بين نوّامهم وحدي
وما شرب العشاق إلا بقيتي
ولا وردوا في الحب إلا على وِردي
وهو يدرك تفرّد إحساسه، ليست صورة الربع هنا محدودة، الربع أوسع معنى، والنوّام والمتطفلون أكثر صورًا:
.
تعرّض رُسل الشوق والربع هاجدٌ
فتوقظني من بين نوّامهم وحدي
وما شرب العشاق إلا بقيتي
ولا وردوا في الحب إلا على وِردي
=
وعين الشاعر نضّاحة بتلك النباهة منبجسة بأفعال لا تؤديها عند غيره:
فهي راوٍ نموم:
كأنّ طرفك يوم الجزع يخبرُنا
بما طوى عنك من أسماءِ قتلاكِ
.
في مقابل القلب المستودع للحواسّ جميعها، فرؤيته قلبية لا بصرية:
خلا منك طرفي.. وامتلا منك خاطري
كأنّك من عيني نقلتَ إلى قلبي
وعين الشاعر نضّاحة بتلك النباهة منبجسة بأفعال لا تؤديها عند غيره:
فهي راوٍ نموم:
كأنّ طرفك يوم الجزع يخبرُنا
بما طوى عنك من أسماءِ قتلاكِ
.
في مقابل القلب المستودع للحواسّ جميعها، فرؤيته قلبية لا بصرية:
خلا منك طرفي.. وامتلا منك خاطري
كأنّك من عيني نقلتَ إلى قلبي
=
تراسل الحواس عند الشريف وتنبّهها وحدّتها لا يحصرها مقتضى المصطلح،هو أشمل للمعاني المتراسلة بين موجِعٍ لكنه يواسي، ومسعِدٍ لكنه يبعث الشجا.
شيء من وصفه:
خذي حديثك من نفسي عن النفسِ
وجدَ المشوقِ المُعنّى غير ملتبِسِ
الماءُ في ناظري..والنارُ في كبدي
إن شئتِ فاغترفي..أو شئت فاقتبسي
تراسل الحواس عند الشريف وتنبّهها وحدّتها لا يحصرها مقتضى المصطلح،هو أشمل للمعاني المتراسلة بين موجِعٍ لكنه يواسي، ومسعِدٍ لكنه يبعث الشجا.
شيء من وصفه:
خذي حديثك من نفسي عن النفسِ
وجدَ المشوقِ المُعنّى غير ملتبِسِ
الماءُ في ناظري..والنارُ في كبدي
إن شئتِ فاغترفي..أو شئت فاقتبسي
=
ولعل من أدلّة نباهة إحساسه تواضعه وتقديره العلمي لجهود من سبقه، تكاد تكون حالة نادرة أن يقول المؤلف "اعتمدتُ على جهود السابقين وما فاتني أكثرُ ممّا جمعتُ"، ويقول أهل التخصص بعده: "ألّفه على غير مثالٍ سابق".. لا يتواضع إلا نبيهٌ فطِنٌ حيّ القلب حادّ الحواسّ..
ولعل من أدلّة نباهة إحساسه تواضعه وتقديره العلمي لجهود من سبقه، تكاد تكون حالة نادرة أن يقول المؤلف "اعتمدتُ على جهود السابقين وما فاتني أكثرُ ممّا جمعتُ"، ويقول أهل التخصص بعده: "ألّفه على غير مثالٍ سابق".. لا يتواضع إلا نبيهٌ فطِنٌ حيّ القلب حادّ الحواسّ..
=
هل هذه سمات شعرية الشريف الرضي وحده؟
رهافة عزف الإيقاع، ودقة اختيار الألوان، واحترافية دمج الأفعال، جميعها نسبية جمالية، أجمل ما تكون عند الشريف..
كلّ شاعر شريف..
هل هذه سمات شعرية الشريف الرضي وحده؟
رهافة عزف الإيقاع، ودقة اختيار الألوان، واحترافية دمج الأفعال، جميعها نسبية جمالية، أجمل ما تكون عند الشريف..
كلّ شاعر شريف..
جاري تحميل الاقتراحات...