مُــتــأمّــلٌ
مُــتــأمّــلٌ

@maradona2214

30 تغريدة 24 قراءة Jul 10, 2021
١_العصور الوسطى في أوروبا لم تكن عصور ظلام بالشكل الذي ترويه الأسطورة العلمانية، والكنيسة لم تكن ضد العلم هكذا بشكل عام، والثورات في أوروبا لم تثور كلها على الدين كما يروّج، وترديد هذه الأساطير من العلمانيين والإسلاميين العرب هو نتيجة ضعف فكري وانحياز أعمى للسردية الحداثية #ثريد
٢_القرون الوسطى قرون تقليدية، فيها حركة علمية، بالإضافة إلى قوانين حقوقية، وكثير من العلماء كانوا في الأصل رهباناً، وكليشة محاربة الكنيسة للعلم ضُخّمت من قبل العلمانيين العرب واللادينيين، هي فقط حوادث جزئية لا تعطينا صلاحية الحكم على الديانة المسيحية بأنها ضد العلم هكذا بالعموم.
٣_كما ذكرت لم تكن الكنيسة ضدّ العلم هكذا بشكل عام، خلافاً لما يُنشر بالاعتماد على محاكمة غاليليو من عام 1633م، بأخذ اقتباسات غير دقيقة منها، بل عارضت الكنيسة الرؤى الفلسفية والدينية المستنتجة منها، ومحاولة إسقاطها على العقيدة.
٤_ولم تعارض الكنيسة نظرية كوبرنيكوس كأنموذج رياضي في حساب حركة الأجرام السماوية، لكنها اعترضت على اعتباره حقيقة واقعة، لا مجرد فرضية نظرية تفسيرية، كما اعترضت على تعميمه للعامة.
٥_وحين نشأ الصراع بين الكنيسة والعلم الجديد، لم يكن ذلك بسبب صحّة النظريات الجديدة أو بطلانها، من كوبرنيكوس حتى غاليلو، ومن فرانسيس بيكون إلى جون لوك، بل كان نزاعاً بين الكنيسة وغايات المنهج العلمي الجديد كطريق معرفية وشرعية ومنفصلة للوصول إلى معرفة العالم.
٦_في العصور الوسطى، شهدت أوروبا نهضة عمرانية وأدبية وفنية وحقوقية وظهر خلالها شارل مارتل وشارلمان الذي أسس الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي امتدت حتى القرن التاسع عشر، وكانت تلك الفترة بداية نهوض الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية.
٧_في العصور الوسطى، انتشرت القراءة والكتابة في أوروبا بشكل واسع، وانتشرت الكتب والفنون الموسيقية والأدب والمسرح، وعرف الناس الكرنفالات الاحتفالية في المناسبات.
٨_في العصور الوسطى، برز في أوروبا علماء ومفكرين وفلاسفة، منهم توماس دي أكينو، رامون لول، جون دونس سكوتو، مايكل بسيلوس، جان بوريدان وغيرهم الكثير.
٩_في العصور الوسطى، انتعش المناخ والطقس ظل معتدلاً لسنوات طويلة وانتشرت الزراعة وتوفرت الأغذية بكميات وافية، اما المجاعات التي انتشرت فلم تكن أكبر من مجاعات العصور الحديثة!
١٠_هنا مقال فيه سرد مؤلم لأشهر المجاعات التي حصلت في العصر الحديث، والتي راح ضحيتها عشرات الملايين!
hafryat.com
١١_وعلى ذكر الحقوق، لاس كازاس رجل دين إسباني، عاش في نهاية القرون الوسطى، واعتقد أنَّ للسكان حقوقاً، منها الحق في الحرية، لذلك أطلق العبيد الذين كان يملكهم، واتخذ موقفاً قطعياً ضد العبودية بشكل عام، بما في ذلك استعباد الأفارقة.
١٢_وأخذت الكنيسة بأفكاره رسمياً ممثلة بالبابا بولس الثالث الذي تبنّى فكرة الحقوق هذه، وذلك في فتوى دينية في عام 1537م. وبالنسبة إلى التعامل مع "البشر كبشر"، يمكن القول إن مفهوم حقوق الإنسان الذي نعرفه في صيغته المتطوّرة كمفهوم علماني بدأ بالتبلور في هذا الإطار الديني.
١٣_كاستيليو، بروتستانتي فرنسي، عاش في نهاية العصور الوسطى، انتقد الكالفنية في "مقالة في الهراطقة"، وحاول فيه تقويض يقين كالفن بصحة معتقداته الدينية. كاستيليو أكد حرية الاختيار في مقابل الجبرية الكالفنية. كما قرر أن العقائد، تُقاس بمدى مساهمتها في تحويل الإنسان إنساناً أفضل.
١٤_ومن هنا صنّفَ وليم ليكي مؤرخ العقلانية الأوروبية كاستيلو في مصاف ألمع رواد العقلانية الأوروبية والليبرالية قبل جون لوك. وهنا لدينا أنموذج يظهر أن العقلانية أو التفكير الذي يسمى في عصرنا "علمانياً" نشأ في أوساط متدينة، وفي إطار الفكر الديني!
١٥_وحتى جون لوك نفسه اعتبر نفسه فيلسوفاً مسيحياً. وكذلك اعتبر إدموند لو (Edmund Law) أستاذه جون لوك فيلسوفاً مسيحياً في إطار مقدمته لأعماله الكاملة التي أصدرها في عام 1777م، لكن الفرق أنه لم ينظر في إطار الثيولوجيا، وإنما في إطار نظرية المعرفة.
١٦_بالمناسبة، بروني (وهو أول مؤرخ حديث) لأنه علمن مراحل التاريخ وقسّمه تقسيماً ثلاثياً يختلف عن التقسيم الكنسي. فقد اعتمد التقسيم إلى عصر كلاسيكي وعصر وسيط وعصر "حديث"، أي عصره، مقتفياً بذلك أثر الشاعر بترارك الذي اعتبر ما بعد العصر الكلاسيكي انحطاطاً (حرفياً Tenebrae، أي ظلام).
١٧_ومن هنا تسمية العصور الوسطى بعصور الظلام، مع أنها استعارة أدبية، وليست في أي حال مصطلحاً تاريخياً تحقيبياً مدروساً. وكنّيت بال"ظلامية" في حينه قياساً على العصور الكلاسيكية اليونانية والرومانية، لا على عصر الأنوار أو العلمانية، وهي مصطلحات لم تكن قائمة بعد.
١٨_بعض اختراعات العصور الوسطى، أو (تكنولوجيا العصور الوسطى):
١٩_جوردانو برونو كان راهباً دومينيكانياً، طوّر علومه الفلكية والرياضية في دير، وذهب أبعد من كوبرنيكوس الذي قال إن الشمس ليست مركز الكواكب القريبة وهي مجرد نجم من نجوم أخرى تحيط بها كواكب، حوكم برونو وأُعدم حرقاً، لأن رؤيته هذه وُجدت متناقضة مع الرؤية الدينية السائدة للكون.
٢٠_هنا نتوقف قليلاً عند هذه الحالة لنتبين الأمر التالي: هل أُعدم بسبب الصراع بين الكنيسة والعلم؟
أُعدم برونو بعد أن اتُّهم بالزندقة والدعوة إلى نظرية كوبرنيكوس في الفلك. كما اتُّهم بالاشتغال بالسحر والتواصل مع بعض ملوك الدول الأجنبية الذين يهددون الكنيسة بادعاء الإصلاح الديني.
٢١_وكان الدليل على ذلك هو المديح شبه التقديسي الذي ورد في رسالته التي وجّهها إلى الملكة إليزابيث عدوة الكنيسة اللدودة في تلك المرحلة، بعد أن انتقل إلى إنكلترا من فرنسا التي استطل برعاية ملكها هنري الثالث.
٢٢_في عصر برونو غذّى الصراع الاقتصادي ضراوة الصراع الديني، حيث تصارعت الدول الكاثوليكية والبروتستانتية على السيطرة على القارات المكتشفة حديثاً وعلى طرق التجارة. ومن هنا رافق الاضطهاد الديني التهمة بـ"العمالة لدولة أخرى"، يوجد معها صراع اقتصادي سياسي يعبّر عن نفسه في حروب مستمرة.
٢٣_برونو تمتع بحصانة من ملك فرنسا، وجرى تعميم تهمة شبيهة على حواراته مع المثقفين في إنكلترا. ولا شك في أن محكمة التفتيش في روما أخذت عليه علاقاته بحكام بروتستانت في ألمانيا ومديحه الملكة إليزابيث في أثناء إقامته في إنكلترا، وتمجيده هنري الثالث ملك فرنسا المتعاطف مع البروتستانت.
٢٤_فاتني الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن الكنيسة كان لها دور كبير في حفظ المخطوطات ونسخها وحماية المصادر والترجمة، وأنشأت المدارس، بل كبرى جامعات أوروبا اليوم هي في أصلها مدارس دينية كان يتعلم الناس فيها الطب والرياضيات والهندسة والفلسفة والأدب، مثل جامعة أوكسفورد وكامبردج.
٢٥_"لا أحد يشكل اليوم في حقيقة أن الجامعات -حسب المفهوم المتعارف عليه لهذا الاصطلاح- قد نشأت في العصور الوسطى. وقد ظهرت للمرة الأولى بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر."
-المؤرخ الفرنسي جاك فرجر: تاريخ الجامعات في أوروبا-
٢٦_بعد كل هذا السرد، أليس من التبسيط والاختزال اعتبار علاقة الدين بالعِلم مجرد علاقة صراع دائم كما يعرضها البعض؟
ثم، إن كانت الكنيسة تحارب العِلم فكيف حدثت النهضة؟ هل يمكن أن تحدث من فراغ؟
وماذا عن عصر النهضة نفسه؟
٢٧_"كان عصر النهضة بمجمله عصراً دينياً جداً، اندفع فيه من اندفع إلى العمل والإبداع كنوع من عبادة الله، بدوافع دينية عميقة. وهذا لم يقتصر على الفن والرسم، وحتى العلم."
-عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، ج٢ م١، ص٢١٥-
٢٨_وأخيرًا، أوروبا لم تثور كلها ضد الكنيسة، هذا تعميم متهافت. تجربة بلدان أوروبا متباينة جدًا، ومعظم الحروب كانت ثورات داخل الكنيسة (حركة الاحتجاج البروتستانتية) أو حروبًا بين قوى أوروبا المختلفة، ومن الخطأ تعميم الحالة الفرنسية.
٢٩_وحتى الثورة الفرنسية حصل بعدها عهد الإرهاب الفرنسي، الذي حاول القضاء على تبعية الكنيسة الفرنسية لروما وتأسيس كنيسة فرنسية. فشلت المحاولة فشلاً ذريعا خلال 12 سنة وتصالح نابليون مع البابا وعادت الكاثوليكية دينًا رسميًا للبلد حتى سنة 1905 حين اعتمد قانون "فصل الكنائس عن الدولة".
من فضلك رتب @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...