فطيرة البُر:
"بقلم عاطف بن لشول"
الشاب سعد يحلم بزيارة اخوه عايض الذي يعمل في احدى الوحدات العسكرية بمدينة الطائف ، لكن موسم حصاد الذرة لم ينتهي وابو عايض يحتاج مساعدة ابنه في انهاء موسم الصرام والدويس ، تواصل العمل وانتهى الدويس وكان محصول الذرة
"بقلم عاطف بن لشول"
الشاب سعد يحلم بزيارة اخوه عايض الذي يعمل في احدى الوحدات العسكرية بمدينة الطائف ، لكن موسم حصاد الذرة لم ينتهي وابو عايض يحتاج مساعدة ابنه في انهاء موسم الصرام والدويس ، تواصل العمل وانتهى الدويس وكان محصول الذرة
جيد تلك السنة ، توسل سعد الى امة ان تتوسط له عند ابوه ليسمح له بالسفر الى الطائف مع دعمة بمبلغ ثلاثين ريال مصاريف ، وافق الوالد بشرط ان تنتهي (البغْرَة ) وهي فترة زراعة قمح البُر ، ولكن ليس قبل سقوط امطار فصل الخريف ....تأخرت امطار الخريف وكاد ابو عايض ان يسمح لابنه بالسفر
الى الطائف ولكنها سقطت الامطار فجأة .. بعد اربعة ايام من سقوطها احضر ابو عايض بذور الحنطة وتوجه مع سعد الى المدرجات الزراعية يصحبهم ثورين مع عدة الحرث كاملة ، سعد يتحكم في المحراث الذي تقودة الثيران وابوه ( يسفىٰ ) يبذر حبوب القمح بنشرها على سطح الحقل بواسطة رمي تلك البذور بقوة
من يدة بحيث تتوزع عشوائيا لكن بكميات مضبوطة وفي مسارات مستقيمة امام حركة الثيران ، استمر الحرث لمدة اسبوعين تخلله زخات امطار خفيفة في تلك الصباحات الباكرة والباردة ، انتهى موسم ( البغرة ) واستعد سعد للسفر ولكن والدة طلب منه مساعدة الاسرة في رحلة النزول الشتوية الى تهامة
التي استغرقت اسبوعين بين الاستعدادات والرحيل الى موقع قضاء الشتاء مع العائلة والحلال عند أقدام جبال السروات من جهة الغرب ( غور تهامة ) … ابو عايض يريد ان يبقى ابنه سعد ليساعد برعي الغنم ولكن سعد استعان بخالة لاقناع والده بالسفر … في صباح احد الايام بداء سعد يرتب اغراضه
البسيطة في احد شناط ابوه البالية بينما والدته تراقب اصابع سعد النحيفة وهي ترتب اغراضه كانت الدموع تغالب كلماتها التوديعية التي تذوب حناناً على فلذة كبدها سعد الحبيب ، حضنت الام ابنها ودسّت في شنطتة فطيرة ( بُر ) بعد ان لفتها في احد مناديلها ، ثم ودعته وبقيت تراقب سعد حتى اختفي
في تلافيف الضباب الذي يغطي قمم السروات الشاهقة ، وصل سعد النماص وجال بنظره فوجد ( وايت بن زهرة ) على وشك الانطلاق الى الطائف بعد ان فرّغ حمولته من ( القاز ) على زبائنة في قرى المنطقة ، وجد سعد مكان في ( برندة الوايت ) بعشرة ريال وكان ضمن مجموعة من المسافرين بينهم عائلة
مكونة من رجل وزوجته مع طفلين محشورين في غمارة الوايت مع السائق ، مع اجرة النقل كان هناك عشرون ريال يدفعها كل مسافر ( للعزبه ) ، حَمَلَ سعد شنطته البالية وتسلق الوايت واستقر في البرندة، تحرك الوايت عبر طريق وعر جداً بينما سعد يختال فرحاً بركوب اول سيارة في حياته
، وصلو قرية حلبا وهناك ذهب ( معاون بن زهرة ) واشترى خروف وسلخه وعلقه بطرف الوايت ، تحرك الركب حتى وصل سبت العلاية عصر متأخر توقف الوايت ونزل المسافرون وقد اخذ منهم الجوع والبرْد الشئ الكثير ، قام المعاون بأخذ جزء من الذبيحة وجهز الغداء واكل الجميع ولكن ليس الى درجة الشبَع
، ثم تحرك الركب قرب الغروب مع زخات مطر متقطع حيث لم يكن له اي تأثير على اولائك المسافرين الذين تعودو على هذا الطقس باسمالهم البالية وعزائمهم القوية ، في منتصف الليل توقفو في بلجرشي بعد ان تجاوزو ( طلعة الصلّبات ) بصعوبة شديدة ، نام الجميع كيفما اتفق ومع بزوغ الفجر صلىٰ الجميع
وتحركو حتى الساعة التاسعة عندما تجاوزو طلعة ( شُمرخ ) توقف الركب للفطور وهو عبارة عن خبز تميس جلبه المعاون من الباحة حيث استغرب سعد طعم وشكل هذا الخبز ولكنه اعتبرة من قيم الحضارة الجديدة التي يتوق اليها ، ومن نقطة التحرك الجديدة كان الطريق سهل ( نسبياً ) حتى وصلوا عصراً احدى
المقاهي في ( برحة القزاز ) بمدينة الطائف ، كانت تلك المقاهي بمثابة فندق ومقهى ومطعم ومكان للتعارف ومركز انطلاق لمكة والرياض وجدة ، فوراً بحث سعد عن المعسكر الذي يقيم فيه اخوه عايض وكان له ما اراد ، ذهب سعد ماشياً يحمل شنطته حيث لم يتبقى معه سوى خمسة ريال والجوع أخذ منه مأخذ
لانه لم يتناول وجبة الغداء ، وصل المعسكر الذي يعمل ويسكن فيه شقيقه الاكبر الجندي عايض بعد صلاة المغرب حيث استقبله بحرارة شديدة ثم اجلسه في الحضيرة التي ينام فيها وسلمة سرير احد الجنود الذين يتمتعون باجازاتهم في هذا الوقت ، طلب منه ان يرتاح على السرير ريثما يقضي بعض الاشغال
سعد يعتقد بأن اخوه عايض سيذبح له خروف ( عشاء )احتفاء بمقدمه كعادة اهل قريته عندما يأتونهم الخطّار، لذلك استلقى على السرير وقد انهكه التعب والجوع ، ولان الجنود يتبادلون مواقع الحراسات طوال الليل فقد كان هناك جلبة ( قربعة بساطير ) سعد مستلقي متعب جائع وفي احلام اليقضة والذبيحة
لا زالت مسيطرة على مخيلته الجائعة ، وهو في احلام يقضته اذا سمع عسكري يشيل سلاحة ظن بانهم قرّبو الذبيحة ، قربعة اخرى ذبحو الذبيحة ، جندي ينزل مع الدرج يسلخون الذبيحة ، العسكر في حركة مستمرة طوال الليل وخيالات سعد تتماشىٰ مع حركة اولائك العسكر ، وعند فرْش السفرة الافتراضي نهض سعد
بعنف ولعابه يسيل من اشداقه الرقيقة ، ولكنه تفاجأ بخلو المكان وبرودته عدى حركة العسكر المعهودة ، رجع على شنطته البالية فوجد ( فطيرة امه التي دستها في تلك الشنطة البالية ، قطرت عينه عندما شم رائحة امة في ذلك المنديل المتشبع برائحة البرك والوزاب والبخور الجاوي ، ثم قضم الخبزة
الجافة مع طاسة ماء وهو يقول ( ما احلاك يا ريحة امي ) ، بقي سعد عند عايض اسبوع اكتشف خلال هذا الوقت المسافة الهائلة بين حضن عائلته الدافئ وبين جفاف الغربة الممزوج بصيحات العسكر مع قربعة اسلحتهم ونشاز صوت ضربات بساطيرهم ، بهذا قرر العودة الابدية الى مراتع الصبا ومدارج الطفولة
بين اشجار العرعر وباقات السنابل ، حيث رجع ولم يغادرها الى آخر حياته … Atif bnlshwal النماص 4/7/2021 …….
جاري تحميل الاقتراحات...