ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 635 قراءة Jul 04, 2021
في نهايات القرن التاسع عشر وفرت له الأقدار موطأ قدم على رصيف إحدى الموانئ البحرية العربية، لم يتخيل أن تحمله قدماه لما هو أبعد من ذلك، لكن إحدى البواخر تكفلت بذلك، فكان أول سعودي يصل إلى أمريكا!!!
#حياكم_تحت 🌹
في ظل الدولة السعودية الثانية تحديدا في بريدة عام 1873م، رزق خليفة بن سعيدان الخليفة وهو أحد تجار العقيلات، رزق طفلا ذكرا أسماه عبد الله، وتأمل فيه خيرا، وكحال أبناء هذا الجيل يصير الولدان إلى مسؤولياتهم مبكرا، لذا شب الطفل بين اعتياد التجارة والعمل وبين السفر وسوق الإبل ورعايتها
في تلك الأثناء كانت الأحوال في نجد غير مواتية، الأمر الذي اضطر كثيرين من سكانها إلى البحث عن أرزاقهم في أصقاع أخرى، كان الشام ودمشق تحديدًا مقصدًا لأكثرهم من بينهم والد عبد الله الذي استقر به الحال هناك، ولحق به ولده.
انضم عبد الله إلى أبيه في دمشق وعمره لم يتجاوز بعد الثالثة عشر، حيث عمل معه في تجارة المواشي، لأكثر من سبع سنوات، وذلك قبل أن يتسرب الدين إلى مال أبيه وتجارته، الأمر الذي ألقى بظلاله على الشاب الصغير، وتركه في حيرة من أمره.
رأى عبد الله في تغيير موضعه إلى بلد جديد حلًا فعالا في تحريك تجارته وإعادتها إلى سابق وهجها، لذلك اختار فلسطين، حيث استغل بعضا مما اكتنزه من مال واشترى خمسين رأسا من الإبل، واتجه بها إلى هناك، ثم قرر المسير بها إلى القاهرة، لكن سوء الحظ لم يشأ أن يفلته.
صادف الشاب العشريني ركودا حاد في أسواق الماشية سلمه إلى خسارة رأس ماله كاملا بل والاستدانة، على الفور لجأ عبد الله إلى صديق له من أهل القصيم يدعى حمود المطلق يعمل في قرية المطرية القريبة من القاهرة، والذي تفاوض مع التاجر المدين له عبدالله ووعده أن يسد عبدالله ديونه في أقرب فرصة.
وفر حمود المطلق لعبد الله فرصة عمل جيدة في إحدى اسطبلات الخيول التي يملكها، حيث أسند لعبدالله رعايتها والعمل على تسويقها وبيعها، وفي يوم من الأيام حط في محل خيولهم رهط من الأمريكان يرافقهم لبناني، يريدون شراء خيول عربية لمزارعهم هناك، وبالفعل نجحوا في شراء ما أرادوا.
لقلة خبرة المشترين من الأمريكان بالخيول ورعايتها، طلبوا من عبد الله مرافقتهم حتى ميناء الإسكندرية من أجل رعاية الخيول، وذلك في مقابل خمس جنيهات من الذهب، بعد استشارة صديقه حمود المطلق، وافق عبد الله وانطلق معهم في رحلته إلى ميناء الإسكندرية.
بعد وصولهم إلى الميناء انتظروا باخرتهم التي ستقلع بهم إلى برشلونة كمحطة وسيطة أيامًا، وفي أثناء تلك المدة اطلعوا على قدرة عبدالله الفائقة في سياسة الخيل ورعايته، وأدركوا أنهم لن يستطيعوا الاستغناء عنه على الأقل في رحلتهم، لذلك عرضوا عليه الذهاب معهم.
تضمن عرضهم أن يذهب معهم الرجل إلى برشلونة في مقابل أجرة مادية معتبرة مع التكفل بتذكرة عودته إلى الإسكندرية مرة أخرى، وجد عبدالله أنها فرصة جيدة ستعجل عليه تسديد دينه وستقيم آده المادي، لذلك وافق، وانطلق مع الأمريكان في رحلتهم إلى برشلونة.
بعد وصولهم برشلونة، لم يجد الأمريكان من كانوا يتوقعون وجوده ليحل محل عبدالله الخليفة في الاهتمام بالخيل، لذلك قاموا بتمديد اتفاقهم معه، حيث طلبوا منه أن يكمل معهم رحلته إلى نيويورك في مقابل أجرة إضافية جيدة، على أن يتكفلوا كذلك بإعادته مرة أخرى على متن باخرة إلى الإسكندرية
أمام الضمانات والمقابل الذي منحه إياه الأمريكان وافق عبدالله على الذهاب معهم إلى أمريكا، وبالفعل وضع الخليفة قدمه في نيويورك عام 1909 كأول سعودي يحظى بهذه الزيارة عبر التاريخ، حيث أوصل الخيول إلى بر أمانها، ووجد ذاته أمام أيام حتى موعد إقلاع باخرته إلى الإسكندرية.
أنزله الأمريكان إحدى الفنادق القريبة، انتظارا لانطلاق سفينته العائدة لمصر، وفي هذا النزل تناهى إليه كلاما عربيا، التفت إلى مصدر الصوت فإذا به يصدر عن شخصين، تعرف عليهما فإذا بهما من لبنان، هنا ذابت الوحشة وانطوى البعد، وحكى الرجل قصته وأنه هنا فقط أياما قليلة يعود بعدها للوطن.
هنا تداخل معه اللبنانيين وكانوا تجارًا يعمل أحدهم في الأقمشة والآخر في تجارة الحبوب والعقاقير الطبية الشعبية والأعشاب، تداخلوا معه ناصحين وقالوا له إن الناس يبيعون كل ما يملكون من أجل المجيء إلى هنا وحصد الرزق، وأنت تصل ثم تعود بكل هذه السهولة. ابق هنا وخذ فرصتك
اقتنع عبدالله بحديث صديقيه الجدد، وانضم إلى تجارة الأقمشة مع أحدهما، وأصبح بائعًا متجولاً يستخدم الإشارة أولا في الترويج لبضاعته، ثم مع الوقت تطورت لغته واكتسب مفردات بسيطة تعينه على التعامل مع الناس، ثم مر وقت كثير كان كفيلًا بإجادته الإنجليزية بشكل تام.
تفتحت أمام عبدالله طرقًا كثيرة للرزق، حيث انتدبه التاجر الآخر للعمل معه في مجال العقاقير والاعشاب، وهنا وجد ذاته ومهارته ومال أكثر لهذا المجال، فبرع مع صديقه اللبناني ونجح في نقل تجارته إلى موضع جديد، ثم مضت به السنين حتى كان له دكانه وتجارته الخاصة في قلب نيويورك.
بجوار إقامته في هذه المدينة المهيبة، عاصر الرجل عجلة التطور الصناعي في بدايتها، وشاهد السيارات لأول مرة في الشوارع، وواكب تلك الأبنية الشاهقة العملاقة، ورأى تمثال الحرية بعد سنوات معدودة من وصوله أمريكا وإقامته في محله المطل على المحيط الأطلسي.
معايشة بقدر إبهارها، إلا أنها احتوت على صعوبات جمة لا يمكن تخيلها، من حيث اللغة وأسلوب الحياة، والأمر الذي شق كثيرًا على نفس عبدالله الخليفة، خلو تلك البلاد من مساجد ومسلمين وأذان يعم الأرجاء كما في بلادنا، بل فقط كما وصف في عجز إحد أبياته الشعرية "في ديرة فيها الكنايس ترِنِّ.."
في ظلال من الوحشة والغربة وكذا النجاح استمر عبدالله مدة ٦ سنوات في نيويورك قبل أن يراوده حلم قطع مسيرته، حيث رأى أمه تبكي بكاءً شديدًا وتطلب منه العودة إلى بريدة مرة أخرى كي تراه قبل أن تموت، الأمر الذي ولد فيه صراعًا كبيرًا انتصر فيه اشتياقه إلى موطنه، وبناء على ذلك قرر العودة.
هنا باع عبدالله كل ما يملك، وحول كامل تجارته إلى نقود ذهبية، واستقل بحسب رواية الرحالة العبودي باخرةً متجهة إلى الهند، حيث نزل هناك واشترى من البضائع ذات الصلة بالاعشاب والعقاقير الكثير، ثم حملها على سفينة متجهة إلى البحرين، ومنها إلى الجبيل ثم عن طريق الإبل وصل بها إلى بريدة.
اشتم الخليفة من جديد ثرى بلاده، وكان مبلغ سروره برؤية أمه، ثم كان قراره بالاستقرار في بلدته، حيث بنى له ولعائلته منزلًا جديدًا يليق بسنوات غربته الطوال، ثم افتتح متجرًا يبيع فيها ما دأب على بيعه في أمريكا من العقاقير والاعشاب، وواصل نجاحاته على مستوى التجارة.
في رحلاته الاستكشافية للجزيرة العربية ذكر الرحالة الإنجليزي الشهير وليم شكسبير أنه التقى الشيخ عبدالله بن خليفة في بريدة يوم 28 مارس 1914، حيث ذكر أنه يجيد الإنجليزية بطلاقة لكن بلهجة أمريكية، وأنه عمل فيما عمل في نيويورك "سائق أجرة" وروى بعض التفاصيل المختلفة عن حياته.
فاضت روحه إلى ربه عام 1953 مدونا اسمه في التاريخ المعاصر كأول سعودي يقوم بمثل هذه مغامرة جريئة لم يسبقه أحد إليها، حين حط ركابه في أمريكا، ودون اسمه كذلك بما تركه من ذكر طيب ومآثر حسنة وقصة شيقة لا نزال نرويها بيننا حتى اليوم.

جاري تحميل الاقتراحات...