في نظري فإن أخطر موجة تعصف بالشباب والفتيات اليوم هي موجة "العقلانية"؛ فهم كما وصفهم سماحة الشيخ أحمد الخليلي- حفظه الله وأمدَّ في عمره- بأنهم هم والملاحدة في خندق واحدة، وأنا في رأيي بأن تبنِّي أفكار العقلانية هي من مقدمات الإلحاد
وإذا كان البعض يقول بأن المقصود بالإلحاد هو إنكار وجود الله- سبحانه-، وأن العقلانيين يعترفون بوجود الله، فإني أقول بأنهم لو سلموا من الإلحاد فلن يسلَموا من الشرك والخروج من الملة- والعياذ بالله-؛ فهم:
١- يُنكرون السُّنَّة النبوية المطهرة- على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم-، والذي أجمع العلماء على اعتبارها المصدر الثاني للتشريع، وأن مَن أنكرها فهو خارج من الملة
٢- يزعمون أنهم يأخذون بالقرآن ويتمسَّكون به، وهم كاذبون في ذلك، وإنما يأخذون منه ما يوافق عقولهم المتعفِّنة، ويُؤوِّلون ما لا يتوافق معها بتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان
٣- يُنكرون الغيبيات؛ فهم يُفسِّرون الملائكة بأنها ترمز لقُوى الخير، ولا يوجد خلقٌ اسمه الملائكة، ويُفسِّرون كذلك الجنَّ والشياطين بأنها "قُوى الشر"
٤- يُنكرون عذاب القبر.
٥- يُنكرون الإسراء والمعراج.
٦- يُنكرون وجود آدم- عليه السلام-، ويعتبرون كلمة "آدم" ترمز للجنس البشري وليس لنبيٍّ مرسل
٥- يُنكرون الإسراء والمعراج.
٦- يُنكرون وجود آدم- عليه السلام-، ويعتبرون كلمة "آدم" ترمز للجنس البشري وليس لنبيٍّ مرسل
٧- وصل الحال بهم (وهذا قرأته بنفسي عنهم) أن يدَّعوا أن الكعبة المشرفة ليست هي التي يحجُّ إليها الناس، وأن مكة ليست في السعودية، وادَّعوا- أخزاهم الله- بأن مكة هي قرية في فلسطين، والكعبة المشرفة بها
وحسب زعمهم فإنه حدث تآمر من قبل المسلمين فقاموا بتزوير التاريخ، وطمسوا أي ذكر لمكة الحقيقية التي في فلسطين، واستُبدلوها بمنطقة في السعودية أطلقوا عليها مكة
٨- ونظرًا لأنهم يُنكرون السنة النبوية، ويأخذون بظاهر القرآن- كما يدَّعون-، وصل الحال ببعضهم أن يقول بأن الصلاة هي فقط صلاتين لأن المذكورة في القرآن هي صلاة الغداة وصلاة العشي
٩- ولكي لا يحتجَّ عليهم أحدٌ بقول عالم أو إجماع للعلماء، فإنما لا يرون للعلماء أية قداسة في التشريع الإسلامي، وإنما هم- حسب زعمهم- مجرد رجال دين، وهذا مصطلح غربيٌّ جاء به ملاحدة الغرب وفلاسفتهم
١٠- بالمقابل، هم يُقدِّسون فلاسفة الغرب، ويعتبرون أسيادهم، وزعماء فكرهم، ولذلك تراهم لا يحتجون بقال الله وقال رسوله، وإنما بقال فلان وعلان من أولئك الفاسدين
هذه بعض اللمحات عن معتقداتهم وأفكارهم الضالة والمنحرفة، والتفاصيل فيها تطول، وأرجو الله- سبحانه وتعالى- أن يُعينني على كشف بعضها
ذكرتُ من قبل أن العقلانيين لا يعترفون بالسنة النبوية المطهرة مصدرًا للتشريع، وهذا في حدِّ ذاته كافٍ لإخراجهم من الدين
لكنهم يزعمون أنهم يأخذون بالقرآن وأنهم مستمسكون به، وقد كذبوا في زعمهم هذا، وإنما يتشدَّقون بذلك لإغواء البلهاء من المسلمين. أما الحقيقة فإنهم قد أثاروا الشبهات حول القرآن والوحي، وفيما يلي أسرد لكم بعض تلك الشبهات التي أوردها أحد الباحثين، وهي كافية لتعريتهم وكشف زيغهم وضلالهم
١- يزعمون أن صفة الوحي واتصال الملَك بالرسول ونقله لكلام الله قضية غير معقولة، وأن العلم لا يصدقها ولا يعترف بها، إلى غير ذلك من الشبهات التي يثيرونها أو يحومون حولها
وبناء على زعمهم هذا فالقرآن من صُنع البشر، وأن الهالة والقداسة التي أحاطه المسلمون بها إنما هي مصطنعة أو وهمية أو مبالَغ فيها
٢- يزعمون أن الوحي عمومًا- ومنه القرآن- لم ينزل به جبريل عليه السلام من عند الله، وإنما جاء نتيجة تأمُّلات باطنية وانفعالات نفسية من قِبَل النبي
وأن النبي تميَّز بعبقرية فذَّة وشخصية ممتازة؛ لتأثُّره بأوضاع البيئة التي كان يعيش فيها، ولكونه عبقريًّا يمتاز بطاقة فكرية وعلمية هائلة، مكَّنته من القيام بالإصلاح والتعمير والثورة على الأوضاع، حتى غيَّر مجرى التاريخ على ضوء تلك التأمُّلات الباطنية التي استمدَّ منها إلهامه
٣- وأنه ما دام القرآن من صُنع البشر، فمن الممكن أن يشتمل على أساطير وتوهُّمات، وأن تكون أحكامُه وتعاليمُه وأوامرُه ونواهيه وتشريعاتُه قابلة للنقاش والتغيير والتبديل والنقد الموضوعي!
٤- وأنه ما دام الأمر كذلك حسب دعواهم، فمن الممكن إلغاء بعض الأحكام والتوجيهات والتصورات التي لا تناسب الحياة المعاصرة، ولا تُعايش التطوُّر والمدنية والتقدُّم
ويُمثلون لذلك بالحدود كالقصاص وقطع يد السارق وجلد الزاني والشارب للمسكرات وتدخُّل الدين في الدولة والسياسة وشؤون الحياة العامة الأخرى وغير ذلك
٥- ويزعم بعضهم أن القرآن جاء لإصلاح زمن وأوضاع معينة، هي تلك الأوضاع المعاصرة لنزوله، وأما بعد أن تقدَّم العلم وتطوَّر العقل، فلم يعُد القرآن صالحًا للتطبيق، ويزعم بعضهم أن القرآن خاص بالعرب أو أن أحكامه مثالية غير قابلة للتطبيق في الواقع .. إلخ من الشبهات
٦- الجرأة على تأويل القرآن وتحريف آياته حسب مقتضيات الحياة الجاهلية المعاصرة والمصالح الشخصية، وحسب الآراء الفردية والميل إلى التفسيرات التي تحتملها معاني الألفاظ والتي تُعطِّل الآيات من معانيها لتتلاءم- بزعمهم- مع النظريات والمدنية والحضارة الغربية الحديثة
حتى وإن كانت تلك التأويلات والمعاني ظنية أو باطلة، وتميل كذلك بعض المدارس العقلانية إلى الرمزية والمعاني السلبية في تفسير كثير من آيات العقيدة وغيرها
مما سبق يتبين أن العقلانيون استباحوا انتهاك حرمة الوحي والقرآن الكريم، وأثاروا حولهما الشبهات والشكوك
وأكثر من ذلك فهو انهزامية تجاه المادية الجاهلية الحديثة التي لا تؤمن إلا بما تقع عليه الحواس المحدودة، أو ما يخضع للتجارب العلمية المادية، أو ما يكون فيه لها منفعة اقتصادية عاجلة
وعلى هذا، فليست خطورة العقلانية على العقيدة الإسلامية آتية من كونها تنكر أو تُشكِّك في الوحي والقرآن فحسب، وإنما الخطورة جاءت أيضًا من كونها فعلتْ ذلك باسم العلم والموضوعية
قبل أن أواصل حديثي عن العقلانيين أو الأهوائيين كما سماهم أحد الإخوة (حقيقة أعجبتني التسمية) أود أن أشكر الإخوة الذين تفاعلوا مع هذا الموضوع بإضافاتهم وتعليقاتهم فلهم مني خالص الشكر والتقدير
وبالمقابل فإني أقول للأهوائيين الذين يتسترون بمسميات رمزية وينثرون تعليقاتهم البائرة التي لا تنطلي إلا على السذج، أقول لهم: إن كان فيما قلته وأقوله شيء من مجانفة الصواب والحق فبينوا لنا ذلك بالحجة والدليل وليس بالإدعاءات والتعليقات الساذجة
وأنا قريبا بإذن الله سأفصل في كل قضية بأدلتها من كتبكم ومقالاتكم لكي لا تحسبون ما أقوله عنكم مجرد تلفيقات وافتراءات فشدوا الأحزمة واستعدوا لكشف الأستار
نواصل حديثنا حول فكر الأهوائيين:
في الغالب فإن النسبةَ إلى العقل في عُرْف الشرع واللغة لا تكون إلا مدحًا، لكننا عندما نتحدَّث عن العقلانيين، وننسبهم إلى العقل، فإننا نقصد به العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم
في الغالب فإن النسبةَ إلى العقل في عُرْف الشرع واللغة لا تكون إلا مدحًا، لكننا عندما نتحدَّث عن العقلانيين، وننسبهم إلى العقل، فإننا نقصد به العقل المعطَّل عن وظيفته الطبيعية وتفكيره السليم
فالعقلانيُّون هم الذين استغنَوْا بعقولهم عن الوحيِ ولم يجعلوه حاكمًا عليها، ومن هنا نشأ تطرُّفهم وموقفُهم الرافض لكلِّ مقدَّس ودينيٍّ يَرَوْه مُقيِّدًا لأهوائهم.
ويمكن رصدُ ذلك التطرُّف من خلال موقفهم من أعظم قضيَّة عند المسلم وهي الوحي كتابًا وسنة
ويمكن رصدُ ذلك التطرُّف من خلال موقفهم من أعظم قضيَّة عند المسلم وهي الوحي كتابًا وسنة
أما تطرُّفهم حيال القرآن الكريم، فقد ذكرتُ من قبل صُورًا منه، ويمكن تلخيصها فيما يلي:
١- اعتبار النبوةِ مجرَّد جُهْدٍ بشريٍّ، ليس لها طابع غيبيٍّ؛ فالنبوة- كما يقول أحدهم- مجرد خيالٍ يتساوى فيه البشر، فالنبيُّ والشاعرُ والصوفي يصدُرون عن منبع واحدٍ
١- اعتبار النبوةِ مجرَّد جُهْدٍ بشريٍّ، ليس لها طابع غيبيٍّ؛ فالنبوة- كما يقول أحدهم- مجرد خيالٍ يتساوى فيه البشر، فالنبيُّ والشاعرُ والصوفي يصدُرون عن منبع واحدٍ
٢- اعتبار القرآنِ مجرَّدَ حاجزٍ مِن بين حواجز كثيرةٍ للعقل، فالعقل النقليُّ عندهم عقلٌ ميِّت، والعقل النقديُّ عقلٌ حيٌّ، ولذلك فهم يعتبرون نقد القرآن وردِّه وإثارة التساؤلات حوله أمرًا ضروريًّا، أي يجب التعامل معه كأيِّ كتابٍ يتم تأليفه، ففيه الخطأ وفيه الصواب
٣- الاستغناء عن الوحي؛ فالوحي- في نظرهم- يُراد منه تطويرُ الوعي البشريِّ إلى مرحلة يمكن فيها الاستغناءُ عنه (أي عن الوحي)
وحسب زعمهم فالمرحلة التي نعيشها الآن قد وصل العقل البشريُّ فيها إلى الاعتماد على النفسِ، ولذلك لم يعُد الناس بحاجة إلى الوحي، كما يقول أحدهم: "إن البشريةَ لم تعُدْ في حاجة إلى مَن يتولَّى قيادتَها في الأرض باسم السماء، فقد بلغَتْ سِنَّ الرُّشْد، وآنَ لها أن تباشر شؤونها بنفسِها"
٤- إبطالُ القرآنِ وردُّ ما فيه لمخالفته للعقل، ولعدم إمكانية إخضاع ما فيه للتجربة، وفي الوقت نفسه فهو لا يحمل قيمةً علميةً، وليس معجزًا، وإنما مثله مثل الشعر أو النثر. ومن هذا يتبيَّن أن زعمهم بأنهم يأخذون بالقرآن محض كذب وافتراء وتضليل لعقول السُّذَّج
أما تطرُّفهم حيال السُّنة النبوية المشرَّفة، فيمكن تلخيصه فيما يلي:
١- وقف العقلانيون من السُّنَّة موقفَ المشكِّك الرافض والمتحفِّظ، ويرون أن تدوينَ السنة النبوية جاء متأخِّرًا، مما سبَّب في وضع الأحاديث، ويزعمون أن علومَ الإسناد والرجال والجرح والتعديل أضعف من أن تُميِّز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة
٢- يزعمون أن السُّنَّة لم تكن حُجَّة في حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحابته، وإنما نبعَتْ حُجِّيَّتها فقط منذ زمن الأئمة الأربعة
٣- من أجل أن لا تكون لنصوص الأحاديث النبوية أيَّة قداسة بنسبتها إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- تجنَّوْا على الحبيب المصطفى- عليه الصلاة والسلام- فنفَوْا عنه العصمة، مما يعني أنه مجرد بشر يُخطئ ويُصيب، مع أن الأمة أجمعت على عصمة الأنبياء
٤- لا يرَوْن للنبوة ميزة في التشريع، أي أنَّ النبي- صلوات ربي وسلامه عليه- ليس مُشرِّعًا، وأن فعله لا يدلُّ على تشريع
يقول أحد طغاتهم- أخزاه الله-: "إنَّ المشكلة تأتي مرةً أخرى من زعم الفقهاء أنَّ حلالَ محمَّد صلى الله عليه وسلم حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرامَ محمَّد صلى الله عليه وسلم حرامٌ إلى يوم القيامة، يتبع
وتأتي من اعتبارهم أنَّ القرارات النَّبويَّة التنظيمية لها قوة التنزيل الحكيم الشامل المطلق الباقي، ناسينَ أنَّ التحليلَ والتحريم محصورٌ بالله وحدَه، وأنَّ التقييد الأبديَّ للحلال المطلق يدخل حتمًا في باب تحريم الحلال، وهذه صلاحيَّة لم يمنحها تعالى لأحد بما فيهم الرُّسُل"
٥- كما إنهم- أخزاهم الله- يرفضون الوحيَ بمصدرَيه (الكتاب والسُّنَّة)، فهم أيضًا يعتبرون علومَ المسلمين كلَّها من حديث وأصول وتفسيرٍ، تراثًا مستغنًى عنه، ليس له أيُّ قيمة في الحياة إلا التسليَة، ويُلقونها جميعها في سلَّة المهملات
٦- رغم زعمهم بأنهم يحتكمون إلى العقل، وأنهم يُخضعون كل شيء للتجربة العلمية، غير أنهم في واقع الأمر كذابين ومفترين، وليس لهم حظٌّ من العقل أو العلم، ولو كانوا صادقين فيما يزعمون لانكبُّوا على تراث الأمة العظيم الذي لم تشهد البشرية مثله في مختلف العلوم والفنون، يتبع
وأشبعوه بحثًا وتمحيصًا ودراسة، وأما أن يأتي كاتبٌ لاهٍ ليس له حظٌّ من العلم أو التجربة، وبمجرَّد جرَّة قلم منه يُصبح الوحيُ وما يُقدِّم من معلومات عن الكون والحياة مجرَّد أساطير، فهذا من سُقْمٍ في العقل وعُقْمٍ في الفكر
ولو سلَّمنا بما يقوله هؤلاء الأغبياء من أن الوحي لا حقيقة له، وأن النبيَّ محمد صلى الله عليه وسلم لا عصمة له، وأن القرآن مجرد تأمُّلات أنتجها عقل محمد صلى الله عليه وسلم، وأن السُّنَّة النبوية لا حُجِّية لها، إلى ما هناك مما افتراه هؤلاء المبطلون، يتبع
فإلى أين يريدون أن يأخذونا، وممَّن سنستقي قوانينا وأنظمتنا وتشريعاتنا لو تركنا كتاب ربنا وسُنَّة نبينا وتاريخنا وعلومنا؟ بالتأكيد هم يريدوننا التسليم لنظريات الغرب، وتعظيم فلاسفته ومفكريه وعلمائه، واجتلاب قوانينه وتشريعاته، يتبع
وبالمختصر يريدوننا أن نُصبح غربيين في كل شيء، لا هويَّة لنا ولا تاريخ ولا لغة ولا فكر ولا أدب ولا أيَّ شيءٍ يُنسب إلى أمتنا وحضارتنا، وفي النهاية نُصبح مجرد أداة وآلة يُصرِّفها الغرب كما يشاء. نعوذ بالله من هذا الخبال
﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
بحول الله وتوفيقه وتأييده وتسديده سنربط الأحزمة استعدادًا للانطلاق في رحلة الردِّ على شبهات العقلانيين وانحرافاتهم
بحول الله وتوفيقه وتأييده وتسديده سنربط الأحزمة استعدادًا للانطلاق في رحلة الردِّ على شبهات العقلانيين وانحرافاتهم
ونظرًا لأن هناك مَن هم أرسخ مني قدمًا وأطول باعًا في هذا الجانب، وقد أشبعوا الموضوع بحثًا ونقدًا، فإني سأعتمد على نقولات من كتبهم، لتروا أني لم أتجنى على العقلانيين بما قلته عنهم
كذلك ستكون هناك اقتباسات من كتب العقلانيين ومقالاتهم، وسيكون في كل هذا ذكرٌ لبعض زعمائهم وأعمدتهم، سواءٌ أكانوا من عمان أم من غيرها، وبين كل حينٍ وآخر ربما أضيف من عندي بعض التعليقات، فعلى بركة الله نبدأ
بدأ الأستاذ عبد الملك السيابي بمقدمة رائعة بيَّن فيها من أين جاء الفكر العقلاني إلى بلداننا، فيقول في صفحة 19: ومن المسالك المعوجة الفارغة المسلك المادي الضيق، أو (العقلاني) كما يُسمى أحيانًا، والذي خُدِع به قومٌ في العصر الحديث
ومن المعلوم أنه في عصر العلوم الحديثة والاكتشافات العظيمة والثورة العلمية الباهرة التي تدعو إلى الإيمان بالله وبالغيب الذي أخبر الله عنه، كما سيأتي إن شاء الله، انحسر المدُّ الماديُّ المتهافت.. الأمر الذي جعل المادية التافهة تُنكِّس رأسها خجلى
وولَّت مدبرة، تجرُّ وراءها أذيال الهزيمة، ولسان حالها يقول ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:22]
لكن العجيب أنه في هذا العصر الذي يُعلن فيه العلم الحديث اتفاقه مع الدين والإيمان، ويضع الجانب المادي عند حده وفي مكانه الصحيح، يحاول البعض جرَّ الناس مرة أخرى إلى المادية الجوفاء والطبيعة البلهاء، يتبع
والدعوة إلى سببية مادية مخلوقة عجماء، لا حول لها ولا قوة، ويحشدون لها أدلة مضحكة عجيبة، ويستوردون لها أفكارًا دخيلة؛ وُلِدت من رحم أجنبي، ولا يستحيون من النقل عن بعض المبتدعة الفارغين،
في الوقت الذي يردُّون فيه على علمائهم العاملين على الملأ، ويصفونهم بأنهم متشدِّدون لا يعرفون الحق الذي عرفوه هم وأصحابهم الذين يستمدون منهم تلك الأفكار العجيبة، كما سيأتي بيانه موثَّقًا إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه
تعليقي: يتبيَّن لنا من هذا أن العقلانية فكر مستورد من الغرب، وأن أصلها الفلسفة المادية الإلحادية التي تنفي وجود إله، وتردَّ كل شيء إلى المادة الصماء
يواصل الأستاذ عبد الملك السيابي:
وكم سمعنا مثل تلك الأفكار ذات الصبغة المادية البحتة؛ التي تنكر كل شيء لا تستطيع تكييفه ماديًّا، ولا تفقهه بغير لغة المادة التي تتحدَّث بها فقط، يُردِّدها بصلف ووقاحة وجهل وغباء الملحدون والعلمانيون السطحيون، الجهلة الذين ينكرون ما يجهلون؛ يتبع
وكم سمعنا مثل تلك الأفكار ذات الصبغة المادية البحتة؛ التي تنكر كل شيء لا تستطيع تكييفه ماديًّا، ولا تفقهه بغير لغة المادة التي تتحدَّث بها فقط، يُردِّدها بصلف ووقاحة وجهل وغباء الملحدون والعلمانيون السطحيون، الجهلة الذين ينكرون ما يجهلون؛ يتبع
فينظرون إلى حقائق الدين بنظرتهم المادية الخاصة بهم، فلا يفقهون شيئًا ولا يعقلون، فيكون الإنكار حتمًا ومُعدًّا مسبقًا في قوالب جاهزة
لكن الغريب والمفاجأة عندما يُردِّد مثل ذلك الإنكار جماعة من المحسوبين على الإسلام، بل من مفكريه، في تأثُّرٍ واضحٍ بالمسلك المادي السطحي لأولئك الجاهلين، وسقوط مخيف وتراجع عن الثوابت، رغم الدعاوى الفارغة بالدفاع عن الثوابت والتمسُّك بمذهب السلف!!
ولكن عندما يتعارض مذهب السلف مع الهوى "العقلاني" والفكر المادي الدخيل المستورد، فالأولوية للأخير بالطبع، وسُحقًا لمذهب السلف الذي يتحدث عن الأنوار والكرامات وسائر الخرافات!!! انتهى كلامه
تعليقي: هذا كلام الأستاذ عبد الملك؛ فقد وصف العقلانيين بأهل الأهواء، وأنهم كانوا في البداية يتستَّرون وراء شعارات فارغة لإغواء البلهاء، ولكنهم صاروا لا يخجلون من الهجوم على كل الثوابت، ونسفها بحجة معارضتها للعقل
يواصل الأستاذ عبد الملك السيابي حديثه عن الافتراءات التي جاء بها العقلانيون في عمان، فيقول:
هذا وقد تردَّدت في مجتمعنا النظيف هذه الأيام مثل تلك المقالات المشبوهة، والمخالفة لثوابت الدين، والتفسير المتفَق عليه للقرآن الكريم بين المسلمين، وأحدثت ضجة وفتنة في المجتمع، يتبع
هذا وقد تردَّدت في مجتمعنا النظيف هذه الأيام مثل تلك المقالات المشبوهة، والمخالفة لثوابت الدين، والتفسير المتفَق عليه للقرآن الكريم بين المسلمين، وأحدثت ضجة وفتنة في المجتمع، يتبع
وهي مقالات الذين يُسمَّوْن بـ "العقلانيين"، وقد نصَّبوا أنفسهم مفسِّرين جُدُد لكلام الله، يأتون بما لم يعرفه الأولون والآخرون، من التفسير الماديِّ الضيق الفارغ المتهالِك
وقد حذَّر سبحانه وتعالى من التقوُّل على الله بغير علم أيَّما تحذير، وقرنه بالشرك بالله! كيف لا.. والمتقوِّل على الله يفتري على الله، وكأنه يضع نفسه مُشرِّعًا، يُشرِّع ويُقرِّر ويُثبِت ويُنكِر!!
فمن تقوَّل على الله متعمِّدًا، كمن كذب على الله متعمِّدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار، فقد جاء أمرًا عظيمًا، وافترى إثمًا مبينًا، والعياذ بالله من ذلك
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]
سنواصل بمشيئة الله في الحلقة القادمة.. فكونوا معنا
قبل الغوص في القضايا والضلالات التي جاء بها العقلانيون، سأتحدث عن منزلة العقل في الشريعة الإسلامية؛ فهو لا يتم تأليهه كما يفعل العقلانيون، ولا يتم تعطيله كما هو عند بعض المسلمين وبعض طوائفهم
إن الله خلق الناس متعدِّدي المشارب، مختلفي المناهج، متباينين في الأفكار والعمل، فأرسل إليهم رسله، وأنزل إليهم كتبه؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة،
وفضَّل بني آدم على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا بما أودع فيهم من نور العقل الهادي إلى مهيع الرُّشد، وجعل هداية الوحي متمِّمة لهداية العقل؛
إذ العقل من غير وحيٍ يُسدِّده ويبصره ويفتح له منافذ التفكير لا يلبث أن تنطمس بصيرته ويخبو شعاعه لما يغشاه من غواشي الأهواء وما يحيط به من المؤثرات النفسية والاجتماعية،
فكم من عقول زاغت بأصحابها وهوت بهم في مهاوي سحيقة من دركات الضلال، وصدَّتهم عن قبول الحق والاستجابة لداعيه والنظر في براهينه
فكم حكى الله سبحانه عن أقوام جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق منطلقين في مجادلاتهم من عقولهم السقيمة وتفكيرهم الضيق وألبابهم الحيرى، منهم من جادل في وحدانيته تعالى قائلًا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]
إلى أن يقول في الصفحة 12:
ولا يخفى ما في هذه المجادلات العقيمة من الدلالة على أن هؤلاء كانوا مستأسرين لأوهام تصوروها حُجَجًا دامغة، فإذا هي تتلاشى متبخرة بوهج نور الحق الذي بدَّدها كما تُبدِّد الشمس بوهجها الضباب الذي يواريها عن الأبصار،
ولا يخفى ما في هذه المجادلات العقيمة من الدلالة على أن هؤلاء كانوا مستأسرين لأوهام تصوروها حُجَجًا دامغة، فإذا هي تتلاشى متبخرة بوهج نور الحق الذي بدَّدها كما تُبدِّد الشمس بوهجها الضباب الذي يواريها عن الأبصار،
وما كانت هذه الأوهام إلا نتيجة اغترارهم بعقولهم المريضة التي صدَّتهم عن الإمعان والتفكُّر في آيات الله الكونية وآياته البينات في وحيه المنزل، فتصاممتْ عن نُذُر الحق، وتعامتْ عن براهينه، فغدتْ حيرى هائمة في متاهات الضلال، مرتكسة في قيعانه السحيقة،
وما ذلك إلا لأن العقل إن لم يكن مُعزَّزًا بتوفيق الله سبحانه وموصولًا بهداية الوحي كانت غاية صاحبه الدمار والهلاك والعياذ بالله
من أجل هذا كان الناس مطالبين باتباع الحق الذي أنزله الله، والاستجابة لرسله، والاسترشاد بوحيه، وبالوحي قُطع دابر شقاقهم وأُعذر إليهم من قبل ربهم، فلم يبق لهم ما يستمسكون به من الأعذار عن الاستبصار بنور الحق واتباعهم لداعيه،
وذلك ما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]،
وقوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} [تبارك:8-9]
فإذا تضافر العقل والوحي كان الهدى وكانت النجاة، وأدَّيا بمن اتَّبعهما إلى سلامة المسير وسعادة المصير؛ فإن العقل السليم هو الأساس الذي يُشيِّد عليه الوحيُ دعائم الهداية، فيشمخ بنيانها وتشتدُّ أركانها
أما إذا تباينا فإن تلك هي الكارثة التي تُودي بمن اغترَّ بعقله المحدود القاصر، واستغنى به عن هداية الوحي؛ إذ العقل لا يعدو أن يكون طاقة من الطاقات البشرية المحصورة التي لا تتعدى حدودها،
وما مثله إلا كمثل الحواس الظاهرة، فإن كل حاسة منها لا تتجاوز حدودها، فحاسة البصر مثلًا لا تُدرِك إلا ما حولها، ولا تخترق الحُجُبَ الكثيفة لتدرك ما وراءها،
وكذلك العقل تحجُبه حجبٌ شتى عن الوصول إلى الحقيقة؛ منها ما يرجع إلى الطبيعة الكونية، ومنها ما هو من مؤثرات النفس أو البيئة والمجتمع.
انتهى كلام سماحة الشيخ الخليلي
انتهى كلام سماحة الشيخ الخليلي
كذلك، سأورِد نصًّا من كتاب "الاتجاهات العقلانية الحديثة" للأستاذ الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، تم طباعته بدار الفضيلة بالسعودية في عام 1422هـ/2001م، فيقول في صفحة 6:
ولما كان الإنسان مخلوقًا فانيًا، ومحدود الطاقة والمعرفة بحدود العُمر القصير، وحدود المكان القريب، وحدود المنفعة العاجلة، فإنه لا يستغني بطاقاته ومداركه عن توجيه العليم الخبير،
ولا يستقل بنفسه لإدراك مصالحه العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة.. لأنها من طيِّ الغيب الذي لا يعلمه إلا الله؛ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:188]
فإن كثيرًا من مصالح الإنسان لا يُدركها بمحض عقله، وإن كثيرًا من أمور مستقبله محجوبٌ في علم الغيب، لا يعرف كيف يبلغه
لذا فالإنسان لابُدَّ له من منهجٍ في الحياة يسلكه ويسترشد به ليعرف ويعمل بما يُسعده في الدنيا والآخرة، فأرسل الله بذلك رسله وأنزل معهم الحق والميزان ليقوم الناس بالقسط، ويحكموا بما يُرضي الله ويُسعدهم، ويُريحهم من عناء التخبُّط والتيه، والاختلاف في البحث عن سبيل الحق وطريق النجاة
ومن هنا عرف الإنسان السويُّ، أن العقل البشري بمفرده لا يمكن أن يعرف تفصيلات الطريق والشريعة والمنهج المَرْضِيَّة لله، والمُسْعِدة في الدنيا، والمُنْجية له في الآخرة، فطلب من الله المدَد والعون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
وأن العقل هو نعمة من نعم الله ومكرمة منه لبني آدم تُميزهم عن سائر الحيوان والجماد،
وأن هذا العقل أداة ووسيلة لمعرفة وتمييز ما ينفع الإنسان في أمور معاشه القريبة العاجلة، عن طريق التفكير والحواس المحدَّدة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]
لكن هناك أمورًا كثيرة، وكثيرة جدًّا، هي في طيٍّ الغيب، بل الجانب الأكبر من حياة الإنسان العاجلة والآجلة يكمن في علم الغيب وفي سِرِّ القدر، الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب- سبحانه-،
لذا فالعقل السليم يُسلِّم ويرضخ لهذا الواقع، ويُقرُّ بضرورة الالتزام والتسليم لشرع الله وحكمه وقضائه، واتباع وحيه الذي جاء عن طريق عباده المرسلين
وأن ذلك العقل البشري مهما أوتي من القدرة والطاقة، فإنه لن يصل إلى أفضل مما جاء عن الله من الوحي والهُدى، وهذه بديهية من بدهيات العقل البشري السليم
فتقديم حكم العقل البشري القاصر على شرع الله وقوله وحكمه، وإخضاع مقرَّرات الوحي الإلهي ونصوصه لمقرَّرات العقل البشري، نقصٌ وخللٌ وانحرافٌ عن الحقِّ والهدى وعن السبيل القويم.
انتهى كلام الدكتور ناصر العقل
انتهى كلام الدكتور ناصر العقل
نواصل حديث سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي- حفظه الله ورعاه وأمدَّ في عمره- في الصفحة 14 من كتابه "العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع":
كما أن العقل لا يستوسق نوره إلا بما يتممه من الشرع، كذلك الوحي لا تبزغ شمسه إلا في آفاق العقل السليم، وبدونه يكون النداء به كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء
فإن تعطيل طاقة العقل في استلهام مقاصد الشرع يجعل الإنسان أسير الظواهر الشكلية التي تحول بينه وبين إدراك مضامين الشرع، وذلك هو الذي أدى بأسارى الألفاظ إلى العزوف عن اقتناص الحقائق واستجلاء الدقائق ببصيرة العقل؛ فكانوا بمنأى عن الحق لما حال بينهم وبينه من حجب التقليد الكثيفة
ويقول في الصفحة 16: "عندما كان الخلاف بين الأمة تباين الناس في تقدير العقل فكان منهم من غره عقله فظن أن الهداية بحذافيرها جمعت في تضاعيف طاقاته؛
لذلك آثره على الشرع وجعله مصدر الأحكام وموئل الاحتكام، وهو إفراط في تقديره ما كان للبيب أن يرضى به وهو يعلم أنه مخلوق أطرت جميع ملكاته في إطار محدود، وما أوتي من العلم إلا قليلا
ومنهم من كان خلاف ذلك فأطفأ هذه الشعلة النورانية بتعطيلها وعدم استخدامها في استلهام الحقائق واجتلاء الدقائق، فوقع في تناقض عجيب واضطراب فاضح في فهمه لخطاب الشرع،
ومنهم من وفقه الله تعالى فجعل شرع الله تعالى نصب عينيه ومصدر هدايته، ولم يكفر نعمة العقل بتعطيله عما خلق من أجله، بل جعله من وسائل فهمه وإدراكه لما ينطوي عليه الشرع من حكم وأحكام، وما تضمنه الوحي من حقائق ودقائق، فظفر بمجامع الخير ومعاقد التوفيق
ويقول في الصفحة 18: "وفي مقابل هؤلاء نجد الذين أفرطوا في تقدير العقل غاصوا في أعماق ما كانت لهم دراية ولا طاقة بالعوم فيها؛ فوقعوا في ضروب من الحيرة أدت بهم إلى اضطراب عجيب في الفهم،
ناهيك أن اللجاجة وصلت بهم إلى التعويل المطلق على العقل في مجال التشريع، وما كان للشرع عندهم من وظيفة إلا بيان مضامين العقل أو تأكيدها، وقد كان على رأس هؤلاء أصحاب واصل بن عطاء
أما الذين وفقوا للأخذ بحجزة الشرع مع الاستبصار ببصيرة العقل في استلهام الحقائق فقد استمسكوا بالعروة الوثقى؛ التي لا انفصام لها فعادوا بكلتا الحسنيين عندما أخذوا بكلتا الهدايتين،
فلم يُحمّلوا العقل فوق طوقه ولم يقصروه دون طوره، كما أنهم لم يختلقوا صداما بينه وبين الشرع، إذ عرفوا إن سبيلهما واحد، وأن هدايتيهما تخرجان من مشكاة واحدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
ثم يبدأ في تبيان معالم عقلانية اليوم، فيقول في الصفحة 22: "إذا جئنا إلى بوادر المجادلات الجديدة التي أخذت تنتشر بعدما لاحت في الأفق فإننا نجد لها طابعا آخر يخرج بها عن هذا المنهج، وينأى بأصحابها عن ذلك الغرض الذي كان من قبل،
فكم استخدم العقل اليوم سلاحا فتاكا يفري أديم الإسلام ويحز غلاصمه ويقطع أوصاله".
ثم يقول في الصفحة 24: "ورزئت أخيرًا بأصناف من البشر ينتمون إليها، ويتحدثون بلسانها، ولكنهم يحملون نفوساً يتأجج بين حناياها سعير الحقد على الإسلام، فلا يفتأون يسعون في نقض عراه وهدِّ أركانه وتقويض صرحه:
{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]
وكم من بين هؤلاء من يحمل شعار الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه ليلوّح به بين الدهماء الغافلة تغريرا بها وتلبيسا عليها أمرها، وقد جعل هؤلاء من قضية العقل والاعتماد عليه شراكاً لاقتناص المغفلين، ومعولا لنقض أسوار الدين".
ثم بدأ في الصفحة 25 يُبيِّن أن العقلانيين يُنفِّذون مخططات اليهود، فيقول: "على أن الإنسان باستقصائه دراسات الدارسين لهذا الجانب يستيقن أن تصرف هؤلاء وتحركهم في أوساط المجتمعات ما هو إلا نتيجة مخطط يهودي رهيب – وما أكثر المصائب التي توالت على الأمة بل على الإنسانية كلها
قديما وحديثا من اليهود – وقد وجدوا من غرور هؤلاء وما يعتمل في نفوسهم من حب الظهور والشهرة بين الناس؛ سبيلا إلى أن يدفعوا بهم إلى هذه المسالك، فكانوا لهم أداة طيّعة استغلوها استغلالا سيئا في محاولة زعزعة أركان الحق وتمييع ثوابت الدين،
وهذا طبع متأصل في نفوس اليهود؛ الذين مردوا على الإلحاد والفساد في عهود النبوات".
ويقول في الصفحة 27: "وقد وجدوا وسيلة ملائمة لذلك في رفع شعار العقلانية بينها للتشكيك فيما جاء به القرآن الشريف والسنة النبوية، لا لأن الكتاب والسنة يتصادمان مع العقل،
وإنما هذه حيلة تسري في نفوس الذين حرموا من نعمة العقل وهم يحسبون أنها جمعت لهم بحذافيرها فاغتروا بعقولهم المريضة، وتطاولوا بها على قواطع الوحي طمعا منهم في دكدكة أطواده، وتجفيف ينابيعه".
ثم يقول في الصفحة 28: "ولم يجدوا وسيلة لطي هذه الصفحة أنجح من إلهاء الناس بتقديس العقل عن تقديس النص الذي يعدونه مصدر بلائهم ...
فلا غرو مع هذا أن نجدهم وهم أهل المكر والخيانة واللؤم يسعون إلى استلال كل فكر نيّر ومعتقد سليم من أدمغة أمة الإسلام لطمس بصائرها وتغوير ينابيع الفضائل فيها،
لأنها بما أوتيته من بصائر القرآن وهداية السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أقدر الأمم جميعا على تصور مؤامراتهم وتصويرها، فكانت منهم هذه الحملة لتمييع النصوص القرآنية بنشر الفكرة العقلانية وتعميقها في نفوس الناس لاسيما المسلمين".
ثم أتى سماحته- حفظه الله- ببراهين لما قاله سابقًا، ومن ذلك ما سطَّره سارتر اليهودي- رائد الفكرة الوجودية الإباحية" في كتابه "تأملات في المشكلة اليهودية": "إن اليهود متهمون بتهم ثلاث كبرى، هي عبادة الذهب، وتعرية الجسم البشري، ونشر العقلانية المضادة للإلهام الديني"،
ويقول إن التهم كلها صحيحة! ثم راح يُقدِّم لكل منها ما يقدر عليه من المعاذير.
ثم يواصل سماحته الحديث عما جاء به سارتر من مبررات في استماتة اليهود في نشر الدواهي الثلاث، فيقول في الصفحة 31:
ثم يواصل سماحته الحديث عما جاء به سارتر من مبررات في استماتة اليهود في نشر الدواهي الثلاث، فيقول في الصفحة 31:
"أما نشر العقلانية المضادة للإلهام الديني، فقد كشف فيه الغطاء دون مواربة! قال: ((إنه طالما كان البشر يؤمنون بالدين، فسيظل يقع على اليهود تمييز مجحف على اعتبار أنهم يهود،
أما إذا زال الدين من الأرض، وتعامل البشر بعقولهم، فعقل اليهودي كعقل غير اليهودي، ويومئذ لن يتميز اليهود بكونهم يهوداً، ولن يقع عليهم التمييز المجحف، وسيعيشون في سلام مع غير اليهود))".
ثم يقول سماحته: "ومن هنا أثبت الأستاذ عبد السلام البسيوني المفكر والأديب الإسلامي أنه بالبحث لم يخامره دهش ولا عجب عندما قرأ أن بذور العقلانية بذور يهودية،
ومعنى ذلك أن حملة هذه الدعوة إنما يدورون في فلك المخطط اليهودي الرهيب، الذي يسعى إلى نسف القيم الإنسانية، وصبغ العالم كله بصبغة الإباحية ليتجرد من كل ما يصون إنسانيته، ويحفظ له الشرف والكرامة".
جاري تحميل الاقتراحات...