ثمّة أمنيات من الصِغر لا تتلاشى مهما كبرنا وعقلنا ونضجنا وسئمنا تكاليف الحياة.
كنت في الماضي أتمنى أن أكون سوبرمان، لسبب واحد معيّن. اختبرت المسافات من صغري، إما أنا أغترب أو الأهل والأحباب يغتربون. صارت الغربة هاجسًا عندي أو هوسًا...
كنت في الماضي أتمنى أن أكون سوبرمان، لسبب واحد معيّن. اختبرت المسافات من صغري، إما أنا أغترب أو الأهل والأحباب يغتربون. صارت الغربة هاجسًا عندي أو هوسًا...
في إحدى مراحل اغترابي، كنتُ ألوذ بمكتبة جامعيّة، أظنّني قرأتُ كلّ ما كُتب من شعرٍ في الحنين والشوق والاغتراب. لم أحب علي بن الجهم بسبب "عيون المها بين الرصافة والجسر" أو "قالت حُبست"، ولكن أحببته جدًّا لشعره عن الاغتراب، وارحمتاه للغريب في البلد النازح ماذا بنفسه صنعا...
لم أحب أسامة بن منقذ بسبب كتبه الشهيرة في السيرة والرحلات (الاعتبار، المنازل والديار)، ولكن بسبب شعره (الأقل شهرة)، لكثرة ما فيه عن الاغتراب، الاغتراب الذي خبره حتّى عاتب الدهر وقال له: هلا ارتضيت بأدنى العذابين لنا والذبح أروح من تعذيب مغترب...
أحببتُ هذه الشاعرة لهذا، وأشعر بأن أعمال هذا الكاتب أو تلك الكاتبة قريبة مني لهذا، وإلخ إلخ إلخ... لم أختبر الاغتراب طيلة حياتي، ولكنني اختبرته لعقدين تقريبًا ما بين نزوح الأهل أو نزوحي، ما بين نزوعي لمن غادر ونزوعي لمن غادرتهم. وفي كلّ مرّة أقول لنفسي: تعوّدت، عادي.
في كلّ مرّة أقول بكلّ نضج "ما لي وما لك يا فراق أبدًا رحيلٌ وانطلاق" معاتبًا الفراق ومتوهّمًا أنني تجاوزت الاغتراب وتصالحت مع المسافات... ولكن، في كلّ مرّة أحتاج فيها أن أساند من أحب، في كلّ مرّة أحتاج فيها لأن يواسيني من أحب، تعود تلك الأمنية الطفوليّة بأن أكون سوبرمان...
أن أستطيع أن أطير في ثوانٍ إلى بلادٍ أخرى وأقول لأحد ما لا عليك أنا معك، أن أطير لبلادٍ أخرى وأرتمي في حضن من أحب ليقولوا لي لا عليك نحن معك.
لا أظن أن هذه الأمنية ستغادرني أبدًا، لعلّ الأماني - وإن كانت طفوليّة- هي زاد المغترب...
«يقول في نأيه وغربته عدلٌ من الله كلّ ما صنعا»
لا أظن أن هذه الأمنية ستغادرني أبدًا، لعلّ الأماني - وإن كانت طفوليّة- هي زاد المغترب...
«يقول في نأيه وغربته عدلٌ من الله كلّ ما صنعا»
جاري تحميل الاقتراحات...