ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 8,558 قراءة Jun 26, 2021
رجال بلا شهوة، جرت العادة على مدى قرون طوال أن يكونوا خدمًا وقيمين على الحجرة النبوية الشريفة، لم يتبق منهم حاليًا إلا ثلاثة فقط، لماذا استأثر الخصيان بهذا الفضل دون غيرهم؟ ومن ابتدع هذه العادة؟ وهل فعلا يتزوجون؟ وكيف كانت أحوالهم في التاريخ !
حياكم تحت
دأب العرب على العناية بالحرم منذ ما قبل الإسلام، فها هو قصي بن كلاب يقسم مهامها بين ذرية ابنيه عبدالدار وعبد مناف، الأول يختص بأمور الحجابة واللواء، والثاني يختص بالسقاية والرفادة، ثم جاء الإسلام فألغى هذا، مستثنيًا بعض المهام مثل السدانة والسقاية، فأمضاها لأهلها على ما كانت عليه
مع الفتوحات الإسلامية وانتشار الإسلام، التفتت الدولة الوليدة لضرورة الانتقال بتسيير أمور الكعبة والمسجد النبوي من مجرد اجتهادات فردية يقوم بها الناس للخدمة والحماية، إلى تنظيم دقيق وإدارة مستمرة، فتم اتخاذ حراس وعمال يقومون على الخدمة والنظافة منذ زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
مع جريان الزمان واشتداد الفتن، خشي السلطان نور الدين زنكي (ت 569 هـ) على جسد النبي وصاحبيه من السرقة، لذلك أمر بإرسال 12 من خدامه الطواشي الخصيان إلى المدينة المنورة كي يكونوا سدنة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، تبعه في ذلك الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي أرسل 14 آخرين.
عرف الطواشي فيما بعد بالأغوات وهي مفردة تشترك فيها الكردية والفارسية، ​ويشير حسن الباشا في الفنون الإسلامية إلى أن معناها في الكردية مرتبط بلقب يطلق على الشيوخ ، أما في معارف أهل الحجاز فهي بمعنى الخصيان الموقوفين للخدمة في الروضة الشريفة.
لاقى إرسال خصيان إلى الروضة الشريفة من قبل السلاطين معارضة شديدة من أهل العلم مثل جلال الدين السيوطي، لكن الأمر مضى وأقر، والسبب وراء إرسالهم من قبل السلاطين دون غيرهم أنهم -من وجهة نظرهم- أطهر وأنزه وأكثر فراغًا من الأشغال، وأبعد عن دنس الجنابة!
على الرغم من وضعهم إلا أنه ثبت زواجهم عبر التاريخ، والغرض من الزواج كما يعبر بعضهم عن ذلك، هو إيجاد من يرعاهم حال المرض ومع كبر السن، والزواج في نظرهم كما يصرحون أكبر من مجرد علاقة جنسية أو ذرية، بل هو ود ورحمة وسكن.
استمر إرسال الاغوات الأحباش على الأخص إلى الحرم النبوي الشريف على مدى العصور المختلفة من قبل الأمراء والسلاطين، حيث تفاوت عددهم من زمن إلى آخر، لكنهم كانوا يدورون في فلك الثمانين أغا فأقل من ذلك، ومع سير الأمر إلى التقليد استجد لهؤلاء كثير من الشروط التي يجب أن يكونوا عليها.
قديمًا لكي يمر الشخص إلى رتبة أغا في الحرم النبوي عليه أن يرابط في الحرم الشريف مدة 7 سنوات متواصلة بناء على جدول مخصص، وأن يؤدي خلال تلك المدة ما هو منوط به على أكمل وجه، أما عن استقدام الأغوات الجدد فقد كان يتم بناء على ترشيحات من الأغوات العاملين.
الأغوات دائمًا على صورة حسنة وهيئة نظيفة ملفتة ولهم زي مخصص، حيث كساهم صلاح الدين الأيوبي وقت إرساله لهم بزي أبيض متضمن شارات خاصة، وفي هذا يصفهم ابن بطوطة بأنهم "على هيئات حسان، وصور نظاف، وملابس ظراف، وكبيرهم يعرف بشيخ الحرم، وهو في هيئة الأمراء الكبار".
للأغوات مكان خاص يجلسون فيه في المسجد النبوي، يعرف باسم دكة الأغوات، وتقع هذه الدكة على يسار قبره صلى الله عليه وسلم، وهي عبارة مصطبة مسطحة، كانت قديمًا في زمن الرسول مكانًا لأهل الصفة حيث كان فقراء المسلمين
الأغوات أشبه بفرقة عسكرية لها نظام محكم من الرتب، فكبيرهم هو شيخ الحرم يليه النقيب ثم المستسلم وسمي بذلك كونه يستلم الصدقات، كما يقع في يده مفتاح الحجرة النبوية الشريفة، ثم يليه البطال وهو المسؤول عن النظافة.
للأغوات مكانة اجتماعية مرموقة، آتية بالطبع من كونهم خدامًا وكناسًا للحجرة النبوية التي تضم قبر النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان العوام قديمًا يقبلون أيديهم، فيما الحجاج الأفارقة يبحثون عنهم ويحرصون على زيارتهم وملازمتهم أثناء فترات حجهم.
نفس هذا التقدير كان للأغوات وأكثر حينما يعودون لبلادهم في أفريقيا من أجل الزيارة، حيث يروى أن أحدهم ذهب من أجل زيارة أهله غرب السودان، لكن المقام حمله على الاستقرار، وبسبب كونه أغًا بجله الناس وقدروه إلى تلك الدرجة التي صار بها حاكمًا عليهم.
يصف أبو سالم العياشي الرحالة والفقيه المغربي الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي، يصف شيخ الأغوات حينها بأنه صاحب " كلمة نافذة، وتصرف تام، ويد مبسوطة، تنفذ أحكامه، وتمضي تصرفاته في القوي والضعيف والشريف والمشروف، ويطيع عساكر القلعة أوامره".
في العادة لم تكن للأغوات رواتب مالية تسير أمرهم، إذ كانوا يعتمدون على ما يقدم لهم من صدقات أهل البر، فضلًا عن ما يجنونه من هدايا تقدم إليهم كمقابل لما يعطونه للأعيان والزوار الكبار من رياحين وشمع وطيب متساقط من الحجرة الشريفة، فضلًا عن دروب صدقة أخرى كثيرة.
اهتم الملك المؤسس بالأغوات فأفرد لهم مرسومًا ملكيًا يمنع أحد من التدخل في شئونهم الخاصة، وأنهم على ما هم عليه ترتيب ونظام، ثم جاء من خلفه الملك سعود فأقرهم على وضعهم، واستمرت العناية الملكية بهم حتى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان حفظهما الله.
كما تقلصت أعداد الأغوات تقلصت كذلك مهامهم، حيث تقتصر حاليًا على استقبال الملك وولي عهده وكبار المسؤولين حال زيارتهم للحرم، كما يكرمون باستمرار مراعاتهم للغرفة الشريفة عبر كنسها وتنظيفها وفتحها للضيوف حال الحاجة لذلك.
لم يبق في الخدمة من الأغوات حاليًا سوى ثلاثة، وهذا راجع إلى أوامر ملكية تقضي بعدم استقدام أغوات جدد، اثر فتوى أصدرها ابن باز، مبرراً ذلك بضرورة عدم تشجيع الاعتداء على الغير بهدف الوصول إلى شرف خدمة الحرمين، وذلك بعد شيوع إخصاء الأبناء من قبل بعض الآباء من أجل إرسالهم كاغوات.

جاري تحميل الاقتراحات...