أحمد أميري
أحمد أميري

@ahmedamiri

17 تغريدة 90 قراءة Jun 26, 2021
(1) حدثت ضجة تويترية حول قضية الإعلامية التي انتقدت كتابا على حسابها في انستغرام، وأحيلت إلى المحاكمة بناء على شكوى المؤلف، لكنها حصلت على حكم البراءة. ورغم أن الاتهام لم يُعرف في أثناء تداول الموضوع تويتريا، فإنه في الغالب سيكون الاتهام بالسب باستخدام وسيلة تقنية معلومات.
(2) وقد استهجن الكثيرون الأمر من جهتين:
الأولى شكوى المؤلف، فعلى المؤلف -بحسبهم- تحمل أي انتقاد يوجه إلى كتابه، أو عليه ترك الكتابة.
والثانية قبول السلطات لشكواه، مع ما ترتب على ذلك من إجراءات اتخذت ضد المشكو بحقها، فعلى السلطات -بحسبهم- عدم قبول مثل تلك الشكاوى.
(3) وترتبت على تلك الضجة دعوات عجيبة:
هذا يؤكد أنه لن يقرأ لأي كاتب إماراتي لأنه قد يجرجره إلى المحاكم إذا انتقد كتابه.
وهذا يتعهد بعدم تقييم أي مطعم أو منتج.
وهذا يطالب بتغيير القانون.
وهذا يدعو المشكو بحقها إلى إقامة دعوى ضد من شكاها لتعويضها عن الأضرار التي لحقت بها جراء ذلك.
(4) وقبل الاسترسال، أرغب في توضيح أنني وقفتُ على ما أعتقد أنه نص عبارات تقييم الكتاب، وهي أكثر من مجرد عبارة "لم يعجبني الكتاب" التي قيل إنها كانت سند الشكوى.
فرغم أن خلاصة ذلك التقييم أن الكتاب لم يعجب المشكو بحقها، إلا أن العبرة في جرائم السب العبارات التي قيلت بالضبط.
(5) وأرغب في توضيح أن غير الملم بالقانون لا يُلام حين يعرض على الآخرين فحوى ما قال، ويقول إنه بسبب ذلك وُجهت إليه التهمة.
فالقانون شأنه شأن أي علم آخر، فيه أمور قد يعتقد غير المتخصص أنها غير مهمة، لكنها مهمة، ومن ذلك عبارات السب، فالمهم هو نص العبارات، وليس خلاصتها أو فحواها.
(6) ويستحيل على القانون تحديد العبارات التي تشكل أو لا تشكل جريمة في أثناء النقد، لأن العبارات يعني الكلام، والكلام لا حدّ له ولا حدود، ولا بداية له ولا نهاية، لكن القانون يضع معاييرا للنقد المباح، إن التزم بها الناقد فلا شيء عليه، وإن تجاوزها وقع في المحظور.
(7) وهذه المعايير هي:
(أ) نقد العمل لا شخص صاحب العمل، فلا يجوز في أثناء النقد المساس بصاحب العمل بغية التشهير به.
(ب) أن يكون الشيء محل النقد موجودا يمكن التعليق عليه، فلا يجوز التعليق على أمر مختلق أو غير محدد.
(ج) حُسن النية.
وهذا المعيار الأخير يحتاج إلى بعض التوضيح.
(8) حُسن النية تتجلى في اعتقاد الناقد بوجود الأمر الذي ينقده، وبصحة الرأي الذي أبداه فيه، وبأنه يحقق المصلحة العامة من وراء نقده.
وحُسن النية هذا تستخلصه المحكمة بالموازنة في قصد الناقد والتناسب بين عبارات النقد والعمل المنقود، إن غلبت عليه المصلحة العامة أم غلب عليه التشهير.
(9) والنقد أو التقييم لا يخرج عن ثلاثة:
الأول نقد لا يختلف اثنان على أنه مباحٌ يتركز على العمل ويبين عيوبه.
والثاني نقد لا يختلف اثنان على أنه مجرَّمٌ يتركز على صاحب العمل ويسيء إلى شخصه.
والثالث نقد بين بين، فيه شيء من النقد الأول المباح، وشيء من النقد الثاني غير المباح.
(10) وتتفاوت التقديرات في النقد الثالث:
فقد يرى وكيل النيابة أنه يشكل جريمة.
وقد يعتبره القاضي نقدا مباحا.
وقد يعتبره القاضي الابتدائي جريمة.
ويعتبره القاضي الاستئنافي نقدا مباحا.
وهكذا..
ولا عيب في هذا التفاوت في التقدير، فهذا من طبيعة أي أمر يدخل فيه الفهم والذوق والنظر.
(11) إذا أثبت المختبر الجنائي تزوير الورقة، فلا يمكن لكل قضاة الدنيا قول عكس ذلك.
وإذا أثبت الطب الشرعي تعرض الضحية للاغتصاب، فلا يمكن لكل قضاة الدنيا قول عكس ذلك.
قد يختلفون فقط في نسبة الجريمة إلى شخص محدد.
لكن من الوارد جدا والشائع جدا أن يختلف قاضيان أمام عبارات النقد.
(12) أعود إلى ما ذكرته في التغريدة 2.
فلا أرى مبررا لاستهجان تصرف المؤلف، لأن الإنسان لا يُلام إذا استخدم حقا مقررا له في القانون.
من لا يستخدم حقه فهو حر، ومن يستخدمه فهذا حق له.
القانون يعطي الكاتب أو غير الكاتب حق تقديم الشكوى ضد من يعتقد أنه تعرض له في شخصه ومسّ اعتباره.
(13) ولا أرى مبررا لاستهجان قبول السلطات القضائية تلك الشكوى، لأنه بحسب مطالعتي لعبارات النقد، أعتقد أنها تدخل في النوع الثالث الذي تحدثت عنه في التغريدات 9 و10 و11، أي النقد الذي تتفاوت التقديرات في أمره. لذلك قبلت النيابة الشكوى وأحالتها، ورأت المحكمة أنها لا تشكل جريمة.
(14) وحدث نقاش مع صديق كاتب قال إنه يفترض إبعاد القانون عن مجال الإبداع، ففي المجال الإبداعي لا بد من النقد، مهما كانت قسوته ودرجته، وحتى لو مسّ باعتبار صاحب العمل، لأن الإبداع لا يتطور إلا بالنقد، وتخويف الناس بالقانون من شأنه ظهور أعمال سيئة، وانحدار المستوى الإبداعي.
(15) وكان جوابي أن البنيان التشريعي يجب أن يكون واحدا في أي دولة.
فكيف يعاقب القانون من يتفوه بكلمة جارحة ضد الوزير، ونطلب في الوقت نفسه عدم معاقبة من يجرح صاحب العمل الإبداعي.
فالحجة المستخدمة لإبعاد القانون عن الإبداع، من باب أولى استخدامها لإبعاد القانون عن العمل العام.
(16) كما أن من حق المبدع، خصوصا الناشئ، أن يتمتع بحماية قانونية من الإساءة إليه وتجريحه وإسقاط اعتباره.
فكيف يمكن لهذا الناشئ، وهو في بداياته غالبا سيصدر أعمالا غير جيدة، أن يستمر ويتطور إذا تعرض لهجوم كاسح منذ البداية يتناوله كشخص لا كعمل؟
(17) أختم هذه التغريدات بالقول إنني لا أعرف الشاكي شخصيا، ولا أعرف المشكو بحقها إلا كوجه إعلامي مميز، ولم يكن موضوعهما أساساً لهذه التغريدات إلا لأنه كان حديث الساعة، وترتب عليه الكثير من سوء الفهم، والدعوات العجيبة.

جاري تحميل الاقتراحات...