في هذي الدنيا، أقصى ما عليك فعله إنك تحاول تنفَّذ حياتك .. ولا في الحقيقة، المدنية غيرت سلوكنا البشر إلى الحد اللي أدبنا فيها كورونا، واجد اغترينا بصناديق الكبريت إلى أن جاء اليوم يصلي فيه من سكن الغابة إلى الإله شكرا أنه ليس معنا في هذه المدن العمياء!
وشوف كيف غرورنا البشري! طلعنا القمر! باغيين نروح كوكب ثاني، المدنية علمتنا حيل جيدة لتعزيز سيطرتنا على هذا الكوكب، نسينا أن تكدسنا هو سبب الموت الأكبر، حرب عالمية ثالثة أو فيروس لئيم، كلها واحد! خذ درسك أيها الإنسان المتعالي، أين صناديق الكبريت التي تباهي بمصابيحها؟ هل نفعتك؟
إن الوقت الذي انعزلتنا فيه عن طبيعتنا يُسمى عمرا، وسنموت في هذه القطيعة وهذا الانبتات الحاد، لن تأكل من حقلك، لن تعيش في ريفٍ حُر تشرب حليبا وتأكل بيضا وعسلا طبيعيا، كانت هذه حياة الجميع يوما ما، اليوم هي خيار مجموعة الفلاحين القلة الذين يعيشون حياة طبيعية، بمعنى الكلمة!
وجالسين نضحك على أنفسنا، إنه هذي الحياة، هذه المدنية، التي لا تتجاوز أن تكون إسمنتا تحسب فيه حساب أسلاك الكهرباء، ومصابيح الليل. لم نعد نعيش في كوكب، إننا نعيش في مدينة، واحات من الإسمنت تمنعك أن تعيش طبيعيا، تزرع، وتصطاد، وتربي عسلا ودجاجا في ريف قليل السكان، تعلب كل شيء!
نحن نعيش عصر الكهرباء، سجناء في زنازين على هيئة مدن، لا نهرَ لك نصيب فيه، ولا أرض يحق لك الصيد فيها، ولا بحر تذهب إليه لتأخذ [راشن] بيتك وتملحه في كهفك أو مزرعتك لأسابيع، الكهرباء تغدق علينا الديمومة، ونزعة البقاء البشري أصبحت تتجلى في سلك من الأسلاك! نحن أبناء عصر الكهرباء!
المدنية لعبة بطاريات وأسلاك، ما تغير شيء منذ عصر الهاتف النقال وغير النقال، بدلا من ارتباطنا بشبكة الكهرباء، أضفنا لصناديقنا من المدن عامل الشبكات، الإنترنت ونواقل البيانات، صرنا ننعزل معناً وأصبح صندوق الحياة مليئا بالبشر، والكل يتسلى بشاشات عصر الكهرباء الفردية! عصر السرعة!
وهذا درس كورونا القاسي، عشان شوية الإنسان يتذكر إنه يتكدس في المدن مضطرا، آلة المال اختطفت طريقة الحياة في هذا الكوكب حتى حدوث الكارثة العالمية القادمة، لم تشتعل الحرب العالمية الثالث بعد، ولكن قد تشتعلُ يوما ما، نتوجع الآن من دروس كورونا قبل أن نحارب بعضنا البعض في الغد!
طال أوان التربص والحروب الباردة، لم تعد الحروب رفع أعلام على ترابٍ بعيد، أصبحت مصالح متشابكة، لم ننقرض بعض لكننا صنعنا كل ما يقربنا للانقراض الحضاري، الذين سيبقون سيعودون إلى الأخطاء نفسها، وسنتكدس إلى الحد الذي تكفي فيه جرثومة لتزلزل ما كنا نسميه حياة طبيعية.
وبينما العالم يستعد للصراع، والجيوش مجهزة، التي تدافع لتدافع، والتي تغزو لتغزو، يزورنا هذا الكائن اللامجهري اللعين! وتبدأ عملية تأديب الجنس البشري، دروس مدتها عامان من التخبط، وتخيل! العالم اللي متخبط! هذي أول مرة نقدر نقول فيها إنه العالم كله ليس على ما يرام!
وكل يوم شغال فيه هذا المؤدب، كوكب كامل متعطل، وأنظمة صحية مرهقة، وتلخبطت كل الأرقام، الحالات، الموتى، الناجين، أخبار متناقضة وهجوم ضد اللقاح، وهجوم مع اللقاح ولعبة خنازير الرأسمالية على أعلى مستوى أممي، والآن المتطورات! كورونا أدبنا بما يكفي! أدب الكوكب بكل احتراف ودقة!
والمؤدب شغال! على أعلى مستوياته، لا ترك مستشفى، ولا سجن، ولا كبير، ولا صغير، حد يسبب له جلطة، وحد يفقده رائحة العطر يومين، كابوس فوضوي عشوائي شرير بمعنى الكلمة ولا يرحم، فيروس صغير شغال يؤدب الجنس البشري كل يوم بدرس، والإنسان مذعور على مدنيته، خائف من فقدان أورامها الشهية.
جاري تحميل الاقتراحات...