Sulaiman AlSultan
Sulaiman AlSultan

@sulaimanalsulta

11 تغريدة 2 قراءة Jun 23, 2021
نجد متعة بالغة عندما نتبادل الأحاديث مع الأصدقاء، حتى في مواضيع "ثانوية". هذه المتعة تأتي من كون أنها لا تقصد منفعة معينة، مثل أحاديث "البزنس" أو التعامل التجاري.
إذن المتعة أو اللذة تتحقق بعيدا عن طبيعتها، لأنه مرتبط في أذهاننا أن كل متعة أو لذة مرتبطة بفائدة أو مصلحة.
عندما تحدث أبيقور عن أن الحياة تقوم على "اللذة" أصبح أسمه يشير إلى المتعة بالمعنى المادي "متعة البزنس والنفع"، حتى أصبح يوصف مثل ذلك بالأبيقورية، رغم أنه كان يقصد اللذة المعنوية والروحية، هي الأكثر تأثيرا وفقا لفلسفة من أي متعة أو لذة أخرى.
طبعا ليس هذا مجرد خطأ معرفي أو لغوي.
ولكنه دال على أن التصور الذي أخذ يطغى علينا أن أي حديث عن "المتعة" أو "اللذة" المقصود به التحدث عن جانبهما "المادي"، حتى جُيّرت فلسفة ابيقور (رغم أنه تقصد عكس ذلك) إلى جانبها المادي! وهو أمر ملفت ودال في ذات الوقت.
أصبح ثمة صعوبة ليس في التلذذ بالجوانب المعنوية/الروحية، وإنما أصبح ثمة صعوبة في تصور ذلك خارج فضاء المادة. تشكل تصور طاغٍ أن كل لذة لابد أن تكون مادية. حتى الخطاب الديني ساهم في ذلك، بدأ ينبذ الملذات باعتبار أنه "فسق" و"ذنب" و"خطيئة" لابد من الاستغفار بعد الاستمتاع بها!
من هنا ربما يمكن أن نقرأ حساسية الخطاب الديني الصحوي حيال ما هو مذاتي، لا في الجانب الجنسي وحسب،وإنما في الجانب الفني كذلك. مثلا الموسيقى أصبحت صنوا للفسق والمجون.
بل الجمال ذاته أصبح شيئا ينبغي أن نخفيه لأن هذا الخطاب لا يفهم منه إلا الجانب الملذاتي المادي، رغم أنه أساس الروحي.
عندما نطلع على أدبيات فلسفة الجمال والفن، رغم أنها ترتكز على الشكل المادي فيهما (مثل قدرة النحات على نحت تمثاله بالمادة التي استخدمها) إلا أن المهم هو ما يفضي به هذا الشكل "المادي" إلى مضمون معنوي/روحي.
الفلسفة -ربما- الوحيدة التي استطاعت ان لا تتخلص من الشعور بالذنب حيال الجمالي الفني وعلاقته بالمادي وحسب، وإنما إدراك أن اللذة بما هو مادي قد يعبر عن ذروة الشعور الروحي هي الفلسفة الصوفية.
وحدة الوجود أو الاتحاد ليس عن طوي الوجود في مظاهره المادية في الفلسفة الصوفية،بل عكس ذلك، كما تنبه لذلك ر. أ. نيكلسون الذي ظل لأكثر من أربعين سنة يدرس التصوف بالإسلام.بل هو -في تفسيري- ينحو إلى ما ذكرتُ سلفا; اللذة،وإن كانت مادية في ظل المدرك البشرية، إلا أنها ايضا روحية ومعنوية.
نظرية الخلق القديمة التي ألحت عليها الأديان خاصة السماوية كانت تؤكد على أن بداية الوجود المادي هو بداية الوجود الروحي والمعنوي; فالإله الخالق يكشف عن نفسه في ذلك.
لذا خلق الإنسان في أحسن تقويم والتأكيد على جمال الكون وتناسقه هو تأكيد على ما ينبض ويفيض به مادة هذا الكون من روحانية
حتى نظرية برهان الحدوث الكلامية العقلانية التي لم تكترث بها الفلسفة الصوفية (وإن لم تعارضها) لا تدل على وجود الخالق أكثر من التأكيد على أن المادة هي التي تفضي بجماليتها إلى ما وراءها وهو الخالق سبحانه.
وأصبح الجمال وهو ما أكد عليه فلاسفة التصوفي الشعراء كابن الفارض هو الأكثر دنوا إلى الإله الخالق من أي تفسير آخر، بما في ذلك البرهان"العقلي"أو ما يدعي ذلك.
لذا مبكرا تنبهت إلى أن المعرفي هو أفق منفتح على التجربة الجمالية أكثر من منطق الحساب والعلم!
ليس "بالعقل" وحده يحيا الإنسان!

جاري تحميل الاقتراحات...