عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

18 تغريدة 142 قراءة Jun 22, 2021
ها هنا قصة غرام أندلسية، أدعوكم إلى قراءتها مرتين: مرة كما دوّنها ابن حزم في «طوق الحمامة»، ومرة كما حكاها لتلميذه الحميدي، ثم بعد أن تفرغوا أريد أن تتأملوا أوجه الاختلاف بين الروايتين، وماذا يحدث للخبر حين يُحكى شفاهًا أو يُدوّن كتابة، وهل يكشف ذلك شيئًا عن أغوار النفس البشرية؟
قرأتم القصة في التغريدة السابقة بقلم ابن حزم، وتقرأونها هنا بقلم الحميدي بعد أن سمعها من أستاذه، وقد يقول قائل إنّ كلا الروايتين انتهت مدوّنة، لذا لا معنى للفحص الذي نحن بصدده، وهذا صحيح، لولا أنّ المراد بفحصنا ابن حزم، وكيف تغيّرت بنية الخبر حين دوّنه مرّة ورواه مرّة.
تتفق الروايتان على الخطوط العامة للحكاية وهي أنّ شاعرًا قرطبيًا يُدعى أبا عمر يوسف بن هارون الرمادي التقى بعد انصرافه من صلاة الجمعة بامرأة ملكت عليه قلبه، وكان لقاؤهما في الرَّبض حيث مدافن بني مروان، ثم حين أرادت الانصراف سألها عن هويّتها فادّعت أنّها أمة مملوكة وأنّ اسمها خلوة.
تتفقان أيضًا على أنّ الشاعر ذكر خلوة في شعره، وأنّه سافر من أجلها إلى سرقسطة يمدح صاحبها كي يتحصّل ما يبتاعها به، ثم يطوي ابن حزم نهاية الحكاية عن قارئه، بينما يكشفها للحميدي تلميذه، فإذا بالشاعر يلقى خلوة عند أحد إخوانه بالصدفة، وإذا بها حرّة لا مملوكة، وإذا هي أخت هذا الصديق.
لكنّ وجوه الاختلاف لا تنحصر على النهاية المطوية، بل تتجاوز إلى ما هو أجلّ خطرًا. فمثلًا نقرأ في الطوق أنّ الشاعر لقي خلوة عند باب العطارين ثم تحوّل عن طريقه المؤدية غربًا ولحقها جنوبًا حتى جاوزا القنطرة إلى الرَّبَض، بينما نقرأ في الجذوة أنّه لقيها وهو يتفرّج في نواحي الرَّبَض.
نقرأ في الطوق أنّ خلوة أخذت بمجامع قلبه بعد أن رآها، بينما نقرأ في الجذوة أنّها أخذت بمجامع قلبه بعد أن حادثها. نقرأ في الطوق أنّ الشاعر لم ير خلوة نوبةً ثانية قبل رحيله إلى سَرَقُسطة، بينما نقرأ في الجذوة أنّه واعدها الجمعة التالية ووجدها على العادة الأولى.
قد يبادر أحدهم وينسب الفروقات إلى اضطراب يوجد في السند، ففي الطوق يروي أبو بكر بن إسحاق عن ابن الحذّاء، وفي الجذوة عن ابن الفرضي، لكنّ العين الفاحصة تدرك أنّ سلسلة الرجال هي نفسها في الروايتين، وأنّ الاختلاف يعود إلى عجز ابن حزم عن تذكّر اسم الشخص الذي أخبره أبو بكر أنّه روى عنه.
قد يأتي آخر وينسب الفروق إلى جانب اجتماعي أو أخلاقي، إذ لم يرد ابن حزم أن يروي لقارئه كيف لانت خلوة بالكلام، وضربت للشاعر المواعيد، ثم ينكشف أنّها من الحرائر ، فاقتصر على النصف الأول الذي يوهم أنها أمة، وجعلها لا تأتي إلى الموعد المضروب، ثم طوى ما جرى في النصف الثاني من الحكاية.
قد يبدو التعليل السابق معقولًا، لولا أنّ الكتاب «طوق الحمامة»، رسالةٌ لم يصّنفها ابن حزم إلا كي يمتدح الحبّ والألفة والألّاف ويدافع عن كل ذلك، وهو لا يقصر قصصه على الإماء والجواري، بل يروي عن الحرائر والشريفات دون أن يعيبهن أو يجرّم فعلهن. إذن لا بدّ أن نبحث عن تفسير آخر.
والتفسير هو الآتي: لقد اختلف الخبر المدوّن عن ذاك المرويّ لأنه جاء ضمن «باب من أحب من نظرة واحدة» وهو الباب الخامس من «طوق الحمامة»، وهذا أمر شديد الخطورة ومغفول عنه، إذ لم يدرس أحد -حسب علمي- ما يمكن أن يحصل للخبر من انمساخ غير واع أثناء اتخاذه موقعه ضمن كتاب أدب أو تاريخ مبوّب.
فلكي تتسق حكاية الرمادي وخلوة ضمن «من أحب من نظرة واحدة» كان أمثل أن يراها قرب باب العطارين ثم يتحوّل عن طريقه ويتبعها حتى الرَّبَض لكي تؤكد خطواته فداحة ما جنته تلكم النظرة، وكان أمثل أن تأخذ بمجامع قلبه بعد أن يراها -كما في الطوق- لا بعد أن يحدّثها -كما في الجذوة-.
ولكي تتسق الحكاية ضمن «من أحب من نظرة واحدة» كان أمثل ألا تجيء خلوة إلى موعدهما المضروب الجمعة التالية، فيبقى عاشقها أسير تلكم النظرة اليتيمة. هذا لا يعني أنّ الإمام ابن حزم عبث بالخبر عمدًا كي يتّسق مع الباب -معاذ الله!- إنّما هو أمر أكثر خفية وأشدّ خطرًا وسيأتي بيان ذلك.
لعلّكم جرّبتم حكاية خبر على جمع من أصحابكم، ثمّ يتصرّم زمن فإذا بكم تسمعونه على لسان غير واحد ممن كان حاضرًا. أنا مررت بهذه التجربة، مرارًا، وكنت أعجب في كلّ مرة كيف أنّ الخبر يتحوّر، ويُصنّف ضمن بابة تختلف عمّا صنفته ضمنها، ويُحكى من أجل مناسبة تغاير ما حكيته من أجلها.
إذن، نحن لا نحكي بصيغٍ مختلفة فقط، وإنّما نسمع بطرائق مختلفة، كل واحد ينجذب إلى تفصيل محدد في الخبر، ويختاره نقطة ارتكاز fulcrum، ويختزن الخبر في ذاكرته ضمن ذلك الباب، ثم تتصرّم السنون، وتتلاطم أمواج الذاكرة، فتتلاشى كثيرٌ من التفاصيل، إلا ما بقي مرتبطًا بنقطة الارتكاز تلك.
لا بدّ أنّ ابن حزم عندما سمع حكاية الرمادي وخلوة انجذب إلى الطريقة التي عبّر بها صاحبه أبو بكر بن إسحاق عن لحظة رؤية الشاعر للمرأة المجهولة قرب باب العطارين، لذا عندما صنّف رسالة في الحبّ بعد سنين طويلة كانت هذه الحكاية أول ما قفز إلى عقله حينما حبّر بابًا فيمن أحب من نظرة واحدة.
ولا بدّ أنّ الحميدي عندما سمع الحكاية من أستاذه انجذب إلى التغير غير المتوقع في الأحداث، وكيف تلاشى كل الحبّ المضمر عندما علم الشاعر بأنّ خلوة أخت أحد أصحابه. وهكذا، حينما دوّنها بعد سنين، جعله يصادفها في الرَّبَض، لم يعد مهمًا أنّه لحقها من باب العطارين واجتاز كل القنطرة وراءها.
وكما تتحوّر الأخبار حين نسمعها لأننا نختزنها ضمن باب معين، تتحوّر أيضًا حين نضمّنها كتابًا ذا أبواب وفصول، ويحدث انمساخٌ غير واعٍ في بِناها كي تتموضع مرتاحةً ضمن ذلك الباب. قد يبدو ذلك طبيعيًا وبريئًا، لكن تخيّلوا كمية الأخطاء حين تتخذ الدراسات التاريخية هذه المرويات أساسًا لها.
قال امرؤ القيس: "اليوم خمر وغدا أمر" ومثل ذلك يُقال في هذه السلسلة التي بدأت بقصة غرام وانتهت بورطة معرفية. سأترككم بعد أن تستحضروا العدد الهائل من الكتب التي صُنّفت أبوابًا وفصولا، كم يا ترى من أخبارها نجا من هذه الورطة؟ صدق امرؤ القيس: "ضيّعني صغيرًا وحمّلني دمه كبيرًا" وداعًا!

جاري تحميل الاقتراحات...