24 تغريدة 3 قراءة Sep 15, 2021
شَغَبُ الذَّاكِرة.. وفَوضَى الحَنِين (1)
🖋 #عبدالعليم_العقيل
في اللُّغةِ الدارِجةِ لِ (جَلَب)،يُطلقون (الصَّبل) على ذلك الإصطبلِ المبنيِّ من الحجارة والطين، يتخذونهُ مخزناً لأشياءَ كثيرة، منها (الجِشِأ) ، وهو العَلفُ المحيطُ بسيقانِ الذُّرة؛ كما يعنونَ ب (الصِّراب): الحَصاد ..
عادةً ما كان الحفيدُ (عبدالعليم)؛ يَخْرُج ليشاركَ أقرانَهُ اللَّعِبَ والمرح؛ فإذا طالَ وقتُ مكوثِهِ خارج البيت؛ يُطِلُّ عليه جدُّه (علي عقيل)؛ ليُناديه بصوتِه المبحوح، وبِلُغة الناصح المشفق : ( وااا عبدالعليم.. ما حد من اللعبة صَرَب، ولا عمر صبْل الجِشِأ ) !!
فإلى جانبِ كونِهِ جَدّاً حنوناً، وشيخاً رقيقاً ؛ فقد كانَ مُربِّياً صارِماً، وقائداً مُحنّكاً ..
ولم تكُن تعنيهِ فكرةُ التخلِّي عن العصا في التربية؛ وهو الذي صحِبها منذُ عودِتِهِ من ( جِبلة) بعد أن درسَ هُناك، لُيعلم القرآنَ وعلوم الشرع لأبناءِ القرية؛ حتى فارق الحياة !
لَقَد كان التأديبُ بالعصا من مآرِبهِ الأُخرى، مُتبنياً المنهج العُمري في الحِفاظ على انضباطِ الْبَيْتِ العَقيلي، ومثاليّةِ الأُسرةِ المنتميةِ إليه !
وكان دائماً ما يُردِّد :
العِلمُ يرفعُهم.. والضربُ ينفعُهم
لولا المهابةُ ما قرأوا ولا كتبوا
يكُزُّ شفتيه على (كتبوا)؛ فيَنطُقُها بميمِ الجمعِ بدلاً عن الواو ..
قيلَ إن ذلك سائغٌ في لُغَة العرب.
ينتفضُ من نومِه قبل الأذانِ الأولِ للفجر؛ في الوقتِ الذي ينزِلُ فيه ربُّنا إلى السماء الدنيا؛ ليغفرَ للمستغفرين، ويتوبَ على التائبين..
يُشعلُ (الفانوس)، ثمّ يتوضأ ويمُدُّ سجّادتَهُ، ويُصلي ما شاءَ اللهُ ..
يلتفِتُ إلى مُصحفهِ بجلال، ويأخُذُه بوقار.. ينشُرهُ على ذلك الكرسي من الخشب، الذي اشتراهُ ذاتَ حِجة، من بيت الله الحرام.. اشتراهُ خصِّيصاً لمُصحفهِ الخاص..
ثُمَّ يبدأُ بالتلاوة..
مُصحفٌ قديم و(فانوسٌ) مُضاء، ، وشيخٌ ذو لِحيةٍ حمراء يجلس أمامَهما بإجلال وخشية، وجمع حافِلٌ من الملائكة يستمعون لِتلاوتِه، وُيشيِّعون دمعتَه إلى الملإ الأعلى..
في حينِ يتظاهرُ حفيدُه (عبدالعليم) بالنوم بعدَ أن أوقظهُ صوتُ جدِّهِ وهو يترنّمُ بالقُرآن بالمقامِ النَجديِّ القديم !
يرتفعُ الأذانُ الثاني للفجرِ في جامِعِ القَرْيَة؛ فيُوقِظُ الشيخُ حفيدَهُ لِيذهبا سويَّةً إلى الجامع..
في الحقيقة؛ كان يرُدُّ الجميلَ للفتى الذي يخرُجُ إليهِ قبلَ صلاةِ العشاءِ كلّ يوم؛ لِيعُودَ بصُحبتِهِ إلى البيت..
يحدُثُ ذَلِكَ بعد أن تُعِدّ الجدّةُ (حورية) الفانوسَ وتُسرِجُه، لِيذهبَ بِهِ الفتى إلى جَدِّه في الجامع؛ ويعُودانِ سوِيّةً يمشيانِ على ضوئه؛ أحدُهما يحمل (الفانوس)، والأخر يُمسِكُ يدَ حَامِلِ الفانوسِ بِيمِينِه، وبالأُخرى عصا يتوَكَّأُ عليها..
قبل خمسِ سنواتٍ من الآن؛ قُدِّر لي والتقيتُ -في ذاتِ يوم- بمُربٍ قديم، وأُستاذٍ شهير ..
قال لي: إِنَّهُ كان يعملُ مدرساً في مدرسة الإمام مالك بجلب؛ قبلَ ما يزيدُ عن عشرينَ عاماً.. وفي معرِضِ حديثه عن تجرِبتِه تلك، وذكرياتِه هناك ؛ سألني إن كُنتُ أعرفُ شخصاً يُدعى:( عقيل)...
-وبحدّ وصفه- فقد كانَ رجُلاً صالحاً، عَلَيْهِ سماتُ الخيرِ والوقار.. كانَ يزورُهُ باستمرارٍ إلى المدرسة، - بصفتِهِ الأمينُ الشرعيٌ للقرية- يحثُّه على تعليمِ أبنائها، والرفقِ بهم..
وحينَ التقيتُ بالشيخ محمد بن حسن دماج في المدينةِ المنورة، أخبرني أنه زار (جَلَب) منذُ زمن بعيد لأجلِ الصُّلح بين أهالي قريتي (جلب) و(نُوابة)، بخصوص الماء النابع من جبل بينهما..
قال دماج: (جِئتُ بدعوةٍ من رجُلٍ (حُبِيب) ووقور.. ذو لِحيةٍ حمراء؛ كان يُمثِّلُ (جلب) في تلك القضية)
ولم يَكُن ثمّةَ غَيْرُه.. علي عقيل
أخبرتُهُ أنهُ جدّي.. ابتسم.. ثُمّ صمتَ قليلاً وسألني :
- تزوجْتَ ؟
- إلى الآن لا ، ولكني لم آتِ إلى هُنَا إلا وقد خَطبتُها، وارتبطنا برابطةِ (العقدِ المُقَدَّس) .
- من أيِّ البلاد؟
- من بلدٍ قرِيبة.. النقيلين - جُحالِلْ
نظر نحوي بدهشةٍ وقال:
- أتكونُ ابنةَ الأستاذ أحمد ؟
- نعم.. كيف عرفتَ ذلك؟.. أتعرِفُه ؟
-وهل في تلكَ القريةِ الصغيرِةِ من يستحِقُّكَ غَيْرُه.. أنتما تليقانِ ببعض.. والحالمون -يا بُني- يختارون البُيوتَ التي يتزوجونَ منها بِعنايَة!
- ربّما؛ ومع هذا فقد اخترتُها لأنها هِيَ.. إلى جانِبِ أنّها ابنتُه..
- أنتَ محظوظٌ إذن .. أَقرِأْ سلامي للأُستاذ .. إنَّهُ صديقي.
كثيرونَ أولىئكَ الذين يعتقدون أن زمن المعجزاتِ قد ولّى، وأن ما يُروى من كراماتٍ ليست سوى أساطيرَ من نسجِ الخيال، وأحاديث الأوهام..
لكنّه -أي علي عقيل- جعل من عقيدتهم تلكَ مُجرّد فرضيّة أبانَ خطأهَا قدرُ اللَّهِ فيه..
ففي الخامسةِ والسبعين من عُمره، أُصيب بجلطةٍ في الدماغ، أفقدتهُ القُدرةَ على الكلام..
على غيرِ العادة؛ لم يَكُن بمقدُوره التواجد في جامع القرية ليؤمّ الناس في صلاة الفجر؛ فقد هجم عليه المرض، ورُوحُه في السَّمَاءِ تنتظرُ السحرَ لتعودَ لصاحِبها..
عجَزَ الأطباء، وحارَ المُداوون؛ لأنّ اللهَ في عليائِهِ كان يُرِيدُ أمراً آخر
لقد سلبَه القُدرة على كلِّ الكلام إلا ذكرَ الله
ومنعَه من النُّطق بكُلِّ قول سوى قولِ رَسُولِه..
وثقُلت لسانُهُ عن قراءةِ السُّطور، سوى سطورِ الْكِتَابِ العزيز !
وبقي مواظباً على ورده من القرآن كل يوم!
يعرِفُهُ أهلُ القريةِ حين تثقُل لسانُهُ عن مُحادثِةِ أحدهم؛ فيلجأُ إلى النُّطقِ بكلماتِ الثناء، تصحبُها ابتسامةُ الرِّضا: ( الله.. لا قوة إلا بالله )...
تلكَ كانت أشهَرُ جُملةٍ يُكثرُ من تردادِها؛ حتى إذا ما قُلتُها أمامَ أحدهمُ اليوم؛ قيلِ لي: الله يرحم جَدّك !
وبِقيَ كَذَلِكَ لأربعِ سنوات؛ لا يقراُ بصوتٍ مسموعٍ سوى القرآن، ولا تلهجُ لسانُه بغير التسبيح والتحميدِ والتهليل.. بقي تالِياً ذاكِراً.. وافِرَ العقل،صحيح البدن، إلا من أعراضِ الشيخوخة !
وفي ذاتِ يومٍ مطير؛ اختارَهُ اللهُ إلى جوارِه؛ بعدَ أن أحبّ لقاءَ الله، فأحبَّ اللهُ لِقاءَه..
دَخَلَ عَلَيه حفيدُهُ (عبدالعليم)؛ فرفع بصرَهُ نحوه، وسبَّابَتَهُ نحو السماء.. ثم قال :
أشهدُ أن لا إله إلا الله
وأشهدُ أن مُحمداً رَسُولُ الله
.... ورَحَل
كأنُّهُ كان ينتظرُ وُصول حفيدِه لِينطُقَها بحضْرَةِ الجميع..
ولِسانُ حالِه: تِلكَ هِيَ وصِيَّتِي!
.
انتهى.
شكراً لقراءتكم 🌹💓
@rattibha رتب

جاري تحميل الاقتراحات...