جوآهِرُ العِلمِ ¬
جوآهِرُ العِلمِ ¬

@K_TheRebel

15 تغريدة 143 قراءة Jun 20, 2021
(قتل عبد الملك بن مروان، الحارث بن سعيد المتنبئ الكذاب)
ويقال له الحارث بن عبد الرحمن بن سعيد الدمشقي، مولى أبي الجلاس العبدري، ويقال مولى الحكم بن مروان، كان أصله من الجولة فنزل دمشق وتعبد بها وتنسك وتزهد ثم مُكر به ورجع القهقرى على عقبيه، وانسلخ من آيات الله تعالى، وفارق حزب
الله المفلحين، واتبع الشيطان فكان من الغاوين، ولم يزل الشيطان يزج في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه، وأخزاه وأشقاه. فإنا لله وحسبنا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
روى ابن أبي خيثمة عن عبد الرحمن بن حسان، قال: كان الحارث الكذاب من أهل دمشق، وكان مولى لأبي الجلاس، وكان له أب بالجولة،
فعرض له إبليس، وكان رجلا متعبدا زاهدا، لو لبس جبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده، ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه وكان بالجولة: "يا أبتاه!، أعجل عليَّ، فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي"
قال فزاده أبوه غيَّا
على غيه، فكتب إليه أبوه: "يا بني أقبل على ما أُمرت به، فإن الله تعالى يقول: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [الشعراء:221 - 222]، ولست بأفاك ولا أثيم، فامضِ لما أمرت به، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلا رجلا، فيذاكرهم
أمره، ويأخذ عليهم العهد والميثاق، إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه.
قال: وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد، فينقرها بيده، فتسبح تسبيحا بليغا حتى يضج من ذلك الحاضرون.
قلت (ابن كثير): وقد سمعت شيخنا العلامة ابن تيمية رحمه الله يقول: "كان ينقر هذه الرخامة الحمراء
التي في المقصورة، فتسبّح، وكان زنديقا".
قال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم:"اخرجوا حتى أريكم الملائكة"، فيخرج بهم إلى دير المراق، فيريهم رجالا على خيل، فيتبعه على ذلك بشر كثير، وفشا أمره في المسجد، وكثر
أصحابه وأتباعه، حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة، قال: فعَرض على القاسم أمره، وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمر قبله، وإن كرهه كتم عليه، قال فقال له: "إني نبي!".
فقال القاسم: "كذبت يا عدو الله، ما أنت نبي"، وفي رواية: "ولكنك أحد الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله ﷺ: « إنّ
الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي»، وأنت أحدهم ولا عهد لك"، ثم قام فخرج إلى أبي إدريس -وكان على القضاء بدمشق- فأعلمه بما سمع من الحارث، فقال أبو إدريس:"نعرفه"، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك، وفي رواية أخرى أن مكحولا وعبد الله بن زائدة دخلا على
الحارث فدعاهما إلى نبوته، فكذباه وردا عليه ما قال، ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره، فتطلبه عبد الملك طلبا حثيثا، واختفى الحارث، وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سرا، واهتم عبد الملك بشأنه، حتى ركب إلى النصرية، فنزلها، فورد عليه هناك رجل من أهل النصرية، ممن كان يدخل على
الحارث وهو ببيت المقدس، فأعلمه بأمره، وأين هو، وسأل مِن عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة، وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل، ويفعل ما يأمره به، فلما وصل الرجل إلى النصرية ببيت المقدس بمن معه، انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن
يجمع ما يقدر عليه من الشموع، ويجعل مع كل رجل شمعته، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة، حتى لا يخفى أمره، وذهب الرجل بنفسه، فدخل الدار التي فيها الحارث، فقال لبوابه:"استأذن على نبي الله"
فقال:"في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى يصبح"
فصاح النصري:"أسرجوا!"
فأشعل الناس شموعهم، حتى صار الليل كأنه النهار، وهمَّ النصري على الحارث، فاختفى منه في سرب هناك، فقال أصحابه: "هيهات! يريدون أن يصلوا إلى نبي الله، إنه قد رفع إلى السماء"
قال: فأدخَل النصري يده في ذلك السرب، فإذا بثوبه، فاجترّه، فأخرجه، ثم قال للفرعانين من أتراك الخليفة: "خذوه"
فأخذوه فقيدوه، فيقال: إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مرارا ويعيدونها، وجعل يقول: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ}، وقال لأولئك الأتراك: { أَتَقتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}
فقالوا له بلسانهم ولغتهم: "هذا كراننا فهات كرانك"، أي: هذا قرآننا فهات قرآنك، فلما انتهوا به إلى عبد الملك أمر بصلبه على خشبة، وأمر رجلا، فطعنه بحربة، فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: "ويحك أذكرت اسم الله حين طعنته؟!"
فقال: "نسيت!"
فقال: "ويحك سمِّ الله ثم اطعنه"
قال:
فذكر اسم الله ثم طعنه، فأنفذه، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه، وأمر رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا الذي به من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فصلبه بعد ذلك، وهذا من تمام العدل والدين.
.
نقلها لكم تويتر - جوآهِرُ العِلمِ 📖- من البداية والنهاية في أحداث سنة ٧٩ هـ.

جاري تحميل الاقتراحات...