خالد بن ابراهيم الجريوي
خالد بن ابراهيم الجريوي

@k_i_j99

16 تغريدة 71 قراءة Jun 18, 2021
( شاردًا يتأمل! )
عرفتُه منذ أعوام صديقًا أنيقًا مرهف الحس.. شامخًا كالنخيل، هادئًا كسويعات الأصيل، يمتاز بنقاءٍ نادر، ورؤى بيضاء كروحه.
كنا معا حين رأيته معلقًا بنياط قلبه لا يبرح مكانه وهو يقلب نظره في السماء ……
وفجأة يرفّ جفناه بشدة مشدوداً إلى شيء مشدوها به، وكأنما تمنى تلك اللحظة أن يكون لجفنيه جناحان يحملانه عاليًا، ليرى الصورة بجلاء!
تخيلوا ما تخيلتُ.. رجلٌ يطير في السماء يرفرف بجفنيه من فرط القلق!
كان طبيعيًا قبل لحظات، ولم تظهر عليه أمارات قلق.. كان يحدثني عن رحلة عمله المقبلة، وما إن بَرَقَ وميض هاتفه مؤذنا بوصول رسالة احتواه بيده.. قرأ شيئا في جواله، ثم تغيرت ملامحه، وظل يحملق هنا وهناك، وكأنّ أفعىً لدغته فجأة …
وأخذ يقلِّب طرفه في السماء حتى ألقت عيناه رحالهما هناك في أقصى المجرات حيث النجوم المعمِّرة المطرقة بلا حديث، والصاخبة بلا ضجيج.
أيقنت أن هناك ما يشغل باله، أو ثمة ما يستحق أن يجعله يسافر بكل هذا الشرود وهو الودود الهادئ الوقور!
ما الذي يحدث؟!
حقيقةً لم أود تكدير لحظة انفراده بذاته، وتمنيت أن يبادرني هو بشرح الموقف، وكدت أجترئ وأسأله.. لا رغبة في الفضول، لكن لتقديم الحلول؛ فقد يكون في مقدوري صنع شيء له ينزع عنه قناع الدهشة الذي تقنَّع به منذ قرأ شيئاً في هاتفه المحمول !
ما أتعس أن يقف الصديق عاجزاً عن نصرة صديقه، متردداً ماذا يصنع..
لا يدري أي الأساليب أجدى وأنفع!!؟؟
أعي جيداً أن الإنسان الواعي قد يفضل الانغلاق على ذاته بعض اللحظات،
لا لانعدام من يثق بهم، ويبوح لهم، بل لأن وقع الصدمة يقتضي شيئاً من ترتيب الأوضاع، وتهيئة التمهيد المناسب.
ظل شارداً أتأمله، وأنا أقاوم شرودي فيه، وأود أن أشرد مني إليه، وأسرق منه دهشة عينيه!
في هذه الأثناء التفت إلي وفي ملامحه شيء من خجل على أسى وأسف، فجرّأتُه أن يقول، أخيرا انحَلَّتْ عقدة لسانه وقال: أبا ابراهيم … انظر!
وأراني رسالة مكتوبا فيها:
«أرجو التوقف عن بعث الرسائل لقد أصبح الرقم ملكًا لشخص آخر»
يا للألم،يا للوجع،يا للحسرة!
لقد، كان صديقي هذا معتادًا أن يبعث رسائل يومية إلى هاتف أخيه المتوفى منذ ما يقارب العام،رسائل يخبره فيها عن كل شيء
يقول لي لا أعلم إن كانت تصله أو لا!
لكن شيئا يدفعني لفعل ذلك والاستمرار عليه
ثم يكمل: قبل مدة طويلة انتشر خبرٌ لفتاة تدعى تشاستيتي باترسون (23 عاما) كانت ترسل إلى جوال أبيها المتوفى منذ أربع سنوات، ثم بعد هذه السنين توقفت فجأة عن المراسلة، فبعث المالك الجديد للهاتف رسالةً للفتاة يقول فيها:
«مرحبا عزيزتي،أنا لست والدك،تلقيت كل رسائلك على مدار السنوات الأربع الماضية.. أتابعها في الصباح والمساء،اسمي براد وفقدت ابنتي في حادثة سير في أغسطس 2014،وكانت رسائلك تؤنس وحدتي بعد فقدانها..آسف لفقدك شخصا عزيزا على قلبك، لكنني استمعت إليك وتابعت أخبارك،
وكنت أرغب في الرد على رسائلك منذ سنوات، لكني لم أقو على تحطيم قلبك.. أنت بمنزلة ملاك بالنسبة لي».
يكمل صديقي: من حينها فكرت أن أراسل أخي كل يوم أخبره عن الحياة وعن أسرته وأطفاله وعن والدتي المسنة وعن شوقنا له.. لم أتوقف ليلة، ولم أتثاقل مرة، كنت في كل مرة أشعر أنها نافذة نحو السماء تنقل له رسائلي، وإن لم يقرأها فحتما سيقرؤها يوماً ما.
لقد تسمرت في مكاني، ولم أتفوه بكلمة واحدة، وبعد أن كنت أرغب في مساعدتي له صرت أرغب في مساعدته لي!
يا لها من حياةٍ قصيرةٍ جدًا.. قصيرة لدرجة أن يرحل الأحبة دون أن نخبرهم بشكلٍ كافٍ عن محبتنا لهم، وعن شوقنا العظيم تجاههم، ودون أن تكون لنا نافذة إليهم ننقل لهم من خلالها بضعة أشواق!
لولا يقين نؤمن به نحن المؤمنين بالآخرة واللقاء بالأحباب، والخلود في نعيم، ما طابت لنا حياة، ولزادنا الموت كدرا على كدر.
لقد انفطر قلبي معه حين قرأت الرسالة القادمة من صاحب الرقم الجديد:
«أرجو التوقف عن بعث الرسائل لقد أصبح الرقم ملكًا لشخص آخر»!
أطرقت رأسي معه، وحلقت مثله تماما، رفرفتُ بجفنيّ، وتسلقتُ السماء وتصاعدتُ في مجرّاتها مثل كويكبٍ صغير.
يا رب رحمتك بقلوب لا تطمع إلا بلقائك، ولقاء من يحبك.
قفلة:
لولا خيالاتُ اللقاءِ لَمَسَّنَا
مِن طولِ أهوالِ الغيابِ جنونُ
لولا زيارةُ طيفِ ليلى في الدجى
لثَوَى سريعًا في الثرى المجنونُ
الذكرياتُ هي الحياةُ فإن خَلَتْ
منها الحياةُ فكلُّنا مدفونُ
#خالد_الجريوي

جاري تحميل الاقتراحات...