الانقلاب المجتمعي
كيف حصل التغير في مجتمعنا ؟
عشنا في المملكة العربية السعودية قرابة التسعين عاما استقرار اجتماعيا وتماسكا مترابط منذ التأسيس في ظل دولة يحكم قضاءها بالشريعة الإسلامية ويتميز نظاماها الاجتماعي بالمحافظة الشديدة و وضوح الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة
كيف حصل التغير في مجتمعنا ؟
عشنا في المملكة العربية السعودية قرابة التسعين عاما استقرار اجتماعيا وتماسكا مترابط منذ التأسيس في ظل دولة يحكم قضاءها بالشريعة الإسلامية ويتميز نظاماها الاجتماعي بالمحافظة الشديدة و وضوح الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة
وساد في المجتمع استقرار ورخاء وكان وضع المرأة بعد الطفرة في رفاهية أكثر فهي قد تركت المزرعة والمرعى وعادت للمنزل ولم تعد تشارك الرجل أعباء المعيشة كما من قبل حين كانت تشارك في الحرث والحصد والرعي
و انتشرت الصحوة وأعطت للمرأة مركزية أكثر فهي نصف المجتمع وهي الأم المربية وهي من تقوم الأمة عليها وبفسادها فساد الأمة ، وبدأ تركيز الصحوة على المرأة أكثر فانتشرت الجمعيات الخيرية والدور القرآنية وحلقات التحفيظ النسائية والمجلات التي تهتم بالأسرة
وذلك في ظل صراع على المرأة مع التيارات الليبرالية والعلمانية التي كانت منتشرة في الخارج ودخلت البلاد على استحياء في البدايات لكن ظهور الصحوة في السبعينات وكون المجتمع في أصله شديد المحافظة خصوصا في ما يتعلق بالمرأة جعل الهجمة الليبرالية على ملف المرأة متأخرا حتى بعد حرب الخليج
وإن بدأ ضعيفا لكن ابتداء من العام الألفين ميلادي بدأ الإعلام المحلي في العمل على إدخال التغيير الاجتماعي خصوصا فيما يتعلق بملف المرأة وأصبح في بعض الأحيان يعمل على تصعيد القضية محليا لتصل للعالمية وتشكل عامل ضغط على الدولة وما أكثر القضايا التي صعدها الإعلام المحلي لتصل للعالم
وتكون سببا في إظهار الحرج للدولة أمام العالم في أمر أشبه ما يكون بالخيانة ويعتبر حريق مدرسة البنات بمكة المكرمة والتي توفت فيها حوالي أربعة عشر فتاة رحمهم الله وأظهر الإعلام المحلي أن سبب وفاتهم هو منع الهيئة لرجال الإطفاء هو السبب في وفاة الفتيات حادثة مفصلية
فلم يعد التعامل مع قضايا المرأة والهيئة مثل ما كان من قبل وإن ظهر لاحقا كذب الإعلام عبر النفي الرسمي من قبل وزير الداخلية حينها الأمير نايف بن عبدالعزيز رحمه الله ،لكن لوحظ بعد هذه الحادثة تحديدا محاولة الإعلام استغلال قضايا المرأة عبر التعرض للهيئة وتسليط الضوء على أخطائهم
ومن بعدها بدأ التركيز على أحكام القضاء فيما يتعلق بالمرأة ومحاولة اقتناص القصص وتصعيدها ونشرها عبر الصحافة ومنتديات الأنترنت وأيضا البدء في تعزيز مظلومية المرأة في مجتمعنا والتركيز على جزئية العادات والتقاليد وكان موضوع قيادة المرأة للسيارة واحدا من أكثر المواضيع إثارة
وأيضا الاختلاط وبدأ موضوع حقوق المرأة يصبح واحد من المواضيع المثارة في المجتمع وجاء في الحوار الوطني الثالث تأكيدا لهذا التفاعل وكان موضوعه عن المرأة ومن بعدها بدأت انطلقت المقالات الصحفية واستمرت وكان الحديث الأبرز عن مظلومية المرأة في المجتمع وتعرضها لحقوقها في تصعيد مستمر
وذكرهم المستمر بأن المجتمع يعامل المرأة بأنها ناقصة الأهلية وأصبح الديدن على هذا الأمر باستمرار وأصبح الكلام عن الحجاب وأن هناك مغالاة فيه وإن كان الكلام في الصحافة له سقف إلا أنه في بعض المنتديات مثل منتدى الليبرالية الذي كان يديره رائف بدوي المسجون حاليا
وبعض المنتديات الأخرى التي كانت بمثابة وسائل للتواصل الاجتماعي حينها لكن على نطاق ضيق حيث كانت الصحوة هي صاحبة الصوت الأعلى اجتماعيا والأكثر انتشارا لكن مع الوقت بدأ التغيير يحصل نسبيا خصوصا في الفترة ما بعد انتشار الإرهاب محليا إذ أضعف ثقة الناس في الصحوة
بعدماأستغله الليبراليون كمنصة للهجوم عليها وربط كثير من الأشياء بالإرهاب كحلق التحفيظ والمراكز الصيفية ومن هنا بدأ التيار الليبرالي في الانطلاق في التغير الاجتماعي خصوصا مع النخبة اللبنانية التي كانت ولاتزال تحرك الاعلام المحلي الخاص كقنوات ام بي سي عبر بث مكثف للأفلام والمسلسلات
ومحاولة التطبيع لواقع هم يرغبونه وبث برامج حوارية مكثفة ورفع الصوت لبعض المطالبات التي كانت ممنوعة سابقا والتعرض لها في مسلسلات وتسليط الضوء عليها بشكل مستمر حتى أصبحت موضوعات جدل دائم ومستمر وشكلوا بها عامل ضغط مستمر على المجتمع حتى تحققت
مثل إدخال دور السينما والسماح للمرأة بدخول الملاعب وإلغاء منع الاختلاط أو كما يقال إيقاف الفصل بين النساء والرجال في الفضاء العام بل والتوسع الشامل في الترفيه ابتداء من العروض المسرحية وانتهاء بالحفلات الغنائية عبر هذه الجهود تم أضعاف مناعة المجتمع ومقاومته للمطالبات
وأيضا تمكنوا من إنشاء قاعدة مؤيدة لهم هي بمثابة النواة التي تعتمد عليها مشاريع التحديث والتغريب للمجتمع ، طبعا السلطة لم ترضخ لهذه المطالبات تحت ضغوطهم فالأمر كان يتم بعلم من السلطة أو على الأدق في طرف من السلطة ولم تكن السلطة شديدة في مواجهتها لأنهم لم تكن تشكل خطرا سياسيا
وإنما هي موضوعات حياتية ليست مفصلية للسلطة إلا في حالة تشكل رأي عام تجاه قضية ما تتدخل السلطة لحسم الأمر ، لكن هذه الجهود المستمرة من الإعلام ونخبته أظهرت كأن المجتمع مظلوم أو أن هناك صراعا اجتماعيا والصحوة هي السبب فيه وهي تشكل عائقا أمام تطور المجتمع
وظلوا يحاولون يصورون أن انضباط المجتمع والتزامه ليس بقناعة منه وإنما خوفا من مجموعة من رجال الدين المتشددين المتسلطين على الناس وأن الناس واقعين تحت الوصاية والخوف والأمر في حقيقته غير ذلك بل هي محبة الناس للخير وقبولهم له
و وجود هذه الصراعات في الفترات السابقة كانت كنوع من التشتيت للنخبة لكي تظل السلطة هي المرجع للجميع فالكل في النهاية يعود لها ، ففي عز الصحوة وحيث كانت هي من تطغى على الفضاء العام في المساجد والمدارس والمجلات وجزء من الإعلام كانت النخبة الليبرالية تحتمي في ظل السلطة
خاصة بعد القرار الملكي في عام 1426هـ بمنع القضاء في النظر في قضايا الإعلام والمطبوعات بعد الحكم على الكاتب حمزة المزيني بالجلد والسجن ، من بعدها بدأ كتاب المقالات في الصحف في الانطلاق بشكل كامل ودون هوادة في نقد الصحوة وممارسات الصحوة بحق نادرا وبباطل أغلب الوقت ،
ومن يقرأ نقد الصحوة الآن يكتشف أن كل الشيطنة للصحوة في الوقت الحالي وفكرة أننا نعود كما كنا هي من إنتاج مقالات تلك المرحلة فقد تشبعت الصحافة في ذلك الوقت بالأفكار المعادية للصحوة التي اتخذت من نقد الصحوة وشيطنتها منهجا لها وأن الصحوة غيرت المجتمع والمجتمع كان طبيعيا
وهم يعنون الفترة ما بين 1390هـ و1400هـ مع بدايات الطفرة والنهضة الاقتصادية للبلاد التي حدثت فيها تحولات قريبة من التحولات الحالية باتجاه الانفتاح وما يسميه البعض بالفترة الليبرالية، وبعدها بدأت الصحوة التي كانت سببا في وقف زخم التغير في تلك الفترة
خصوصا إن الصحوة داخليا واكبت الصحوة في مختلف انحاء العالم الإسلامي ونضيف أن من أهم أسباب دعم الصحوة هو الصراع ضد الشيوعية واستلامها زمام المعركة الفكرية ضد الإلحاد
من هنا يتضح سبب الحقد الدفين على الصحوة وفعالياتها من كثير من كتاب المقالات والنخبة التي كانت تسيطر على الإعلام والأدب على الصحوة وفعالياتها لأنها عطلت مشاريعهم وأبانت ضحالة فكرهم في وقت كانوا يسعون للسيطرة على المجتمع وتسنم قياده
إذا عبر الضغط الإعلامي واستغلال الأحداث مثل حادثة مدرسة مكة وقضايا الهيئة وبعض الأحكام القضائية الغريبة ،والبث المستمر للمسلسلات والأفلام والبرامج الحوارية ودعم أطراف من السلطة للتيار الليبرالي واحتضانه بدأت هذه الجهود تجني ثمارها في المجتمع وتضعف مانعته ومقاومته
لما سيأتي في قادم الأيام من تغريب للمجتمع وتمكين المرأة عبر فتح كل القطاعات ودخول كل مجالات العمل دون استثناء ،ويضاف لهذا كله أحداث الإرهاب فما قبلها ليس كما بعدها فقد كانت واحدة من أهم المحطات في الانطلاق عبر مشروع التحديث والانفتاح حيث شكلت أحداث العنف والتفجير صدمة
إذ كيف يقع ممن المفترض أن يكونوا حمامات سلام وأناس صالحين ومن أبنائنا أن يقوموا بالقتل والتفجير بدعوى دينية حصولها في الغرب ربما يقبل كونها في من يفترض فيهم أنهم أعداء لكن إخوانك وتقتلهم هنا تأثير الصدمة كان كبيرا وساهم في تراجع كثير من الشباب عن تدينهم وأدخل الشك للمجتمع
لأول مرة في بعض الفعاليات الصحوية وهنا كان الإعلام والتيار الليبرالي قد ألتقط الحبل وأنطلق في حملة شاملة في نقد ومهاجمة الفكر الديني وخصوصا السلفي لكن تحت ستار نقد الصحوة ،
وبدأت تظهر أسماء لمتطرفين سابقين مثل منصور النقيدان ومشاري الذايدي الذين برزوا في هذا الوقت كنقاد الصحوة وكيف أنهم تابوا من الفكر المتطرف الذي كان يبث في مناشط الصحوة كما زعموا ، كل هذا زاد من نفوذ التيار الليبرالي ودخوله في المجتمع وكما ذكرنا سابقا بنشوء قاعدة مؤيدة ،
وهي التي برزت في حوالي عام 2015م تحت وسم (هاشتاق) إسقاط الولاية الذي كانت مطالبه في كثير منها ترجمه لما كان يكتب في المقالات ويردد في الإعلام عن ظلم المجتمع للمرأة والحقوق الناقصة لها حيث أن كثير من مطالبات الوسم كانت تردد في المقالات وبعض التقارير الصحفية والبرامج الحوارية
لكن الفارق هنا أن التيار الليبرالي الذي كان نخبويا في غالبه نتج عنه تيار شعبوي جديد وهو (النسوية ) إذا معظم أطرافه هم فتيات عاديات ليسوا مشهورات وليس إنتاج أو تأثير قبل تشكل التيار النسوي .
كل هذا العوامل مجتمعة كانت سببا في تغير المجتمع وانقلابه عبر أكثر من عشرين عام من المعارك الكلامية والجدالات الإعلامية من مجتمع شديد المحافظة إلى مجتمع منفتح متقبل لكل ما يحدث من تغيير وانحلال في الحفلات والأسواق لدرجة أصبحت حدثا عاديا وتتحرر كثير من النساء من الحجاب
وظهور الفسق والانفلات الأخلاقي الذي كان مختفيا في السابق وقليلا والآن ظاهرا وقويا بلا خوف أو رادع من مجتمع أو عقوبة، وقت طويل أستغرق هذا الأمر لتدجين المجتمع وتقبله لما يحصل من فساد وانحلال وإكمال المسيرة ، ولكن المعركة بين الحق والباطل لم تنتهي
فالمجتمع مازال محافظا على أصل خيريته ولازال في الدين له مكان في قلوب الناس وعليه يجب على أهل الصلاح وكل محب للخير الاستمرار في الدعوة إلى الله وتذكير الناس بالحق والحرام والحلال وتكثير الخير عبر وسائل التواصل أو في مجالس الناس وجلسات الأصدقاء
واللجوء إلى الله أن يثبتنا على الحق ويحفظنا ويحفظ بلدنا وأهلنا من كل شر وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد ، يعز فيه أهل طاعته ، ويذل فيه أهل معصيته
جاري تحميل الاقتراحات...