الشعور بالضياع لا يولد مع الإنسان، فالشعور بالضياع أمر حادث ومستجد يطرأ على الإنسان ويكتسبه خلال حياته، ويتراوح زمن ذاك الشعور من إنسان لآخر، تبعًا لسياق ظروف معينة وأسباب محددة. ومعرفة هذه الأسباب والظروف مهم جدًا للخروج من هذا الضياع، وهذا أمر يزداد توقع حدوثه في مثل هذا العصر.
ففي هذا العصر، الذي صبغت المادية والفردانية الجدران المحيطة بالكائن البشري والعازلة له، أصبح الإنسان موسومًا بعلامات مميزة، تبدأ من هشاشة المشاعر، مرورًا بكثرة التردد، وعدم وضوح الأهداف، والإحساس بالضياع، وعدم الانتماء للمجتمع القريب، والحزن بلا سبب، وعدم الإحساس بالزمن، إلخ.
ويظن الذين حول هذا الإنسان، لشعوره بالذهول عنهم، أن هناك ما يشغل عقله أو يأخذ اهتمامه، والحقيقة أنَّ عقله لا يشتغل بشيء، أو بالأحرى يشتغل بلا شيء، كأنه مخدر يتدحرج أو يهوي من مرتفع، وهو في مكانه، وكأنه في معزل عمن حوله، قد توقفت ساعة الزمن، ولم يعد يشعر إلا بنظراته التائهة فقط!
وفي هذه المرحلة الشعوريَّة الحساسة والحرجة؛ مرحلة فقدان الجاذبية للواقع المحيط، وفقدان التوازن الشعوري، وانخفاض معقولية اتخاذ القرارات، يجب الحذر من اتخاذ أي قرار عاطفي تجاه الأشخاص، خصوصًا الغرباء والمجهولين، الذين يظهرون أمامك على حين غرة، وقد يكون الشخص نفسه يترقب ويتلهف لذلك.
والحيطة هنا مهمة ومصيرية، قد تقرر مراحل الحياة اللاحقة، وليست الحيطة فقط من الشخص الذي يمر بمرحلة فقدان التوازي الشعوري، بل من الشخص الغريب القادم من المجهول والذي تصادف في لقاءٍ عبر الأثير الفضائي المفتوح مع هذا الشخص الذي يشعر بالتيه ويبحث عن القشة المنفذة، التي يتعلق بها.
ويجب عليه أن ينتبه لخطورة استغلال الكلمات التي تخرج من المشاعر الحساسة، التي تمر بمرحلة تيهان وضياع وفقدان عاطفي، وتبحث بصدق وفرح عن انتماء تعيش من خلاله علاقة حقيقية وصادقة بشخص نبيل تتوفر فيه شروط استثنائية قادرة أن تغير مسيرة حياته الرتيبة المملة لحياة أكثر إثارة وأعمق معنى.
والخطورة هنا حينما تفيض المشاعر الغامضة من هؤلاء الأشخاص العاطفيين والحساسين، الذين يمرون بحالة تيه وضياع، أمام أشخاص ليسوا جديرين بتلك الثقة. ومثله في الخطورة أيضًا أن يبادل الشخص النبيل كلماته الرقيقة لشخص يعرف أن مشاعره نحوه حتى بالنسبة له غامضة، فيؤكد له مشاعره بواسطة الوهم.
وأعظم عمل وأنبل سلوك أن يقف الإنسان النبيل، حينما يصادف مثل هؤلاء الأشخاص الذي فقدوا التوازن العاطفي لظروف معينة، حارسًا وحاميًا على مثل هؤلاء، أولاً من نفسه، وثانيًا من مشاعرهم الغامضة المرتبكة والقلقة، حتى يتجاوزوا تلك الدوامة المشتتة لأذهانهم والتي يفترض أن تكون مؤقتة وعابرة.
جاري تحميل الاقتراحات...