⚖️ رهف 📚
⚖️ رهف 📚

@AFreeSoul__

19 تغريدة 57 قراءة Jun 14, 2021
سأخبر أبنائي أنّ أمّهم لم يكن لديها أبٌ ثريّ ولا اسم عائلة برّاق ولا قبيلةٌ تدعمها، سأخبرهم أنّ أمهم كانت السّند الوحيد لنفسها و أنّني حاربت الظروف و الضغوطات النّفسية و الإكتئاب الحاد المقاوم و الإضراب الوجدانيّ و الضغط الدراسيّ و الإجتماعيّ، سأخبرهم أنّني حاربت ذلك كله بمفردي
و كنت لنفسي السّند و الدّاعم الوحيد، سأحكي لهم عن الليالي الطّوال التي سهرتها و عن معاناتي فيها و عن تقطّع وقتي بالبكاء ثم المذاكرة ثم البكاء، سأخبرهم كم أنّ أمّهم قويّة و أنّها تخطّت ذلك بمفردها، سأحكي لهم كلّ ذلك و أنا مبتسمٌة لأنّني وصلت لنهاية الطريق
و حقّقت أحلامي و نلتُ مرادي و سأكون قدوة حسنةً لهم
إذا أبكاكِ من يفترض ان يكون أقرب الناس إليكِ و كان سبب تعاستك طوال عمرك هل ستسمحين له بالبكاء على كتفك إذا احتاجكِ يوماً؟ سؤال من قلب مجروح...
من تمنيت أن يمسك بيدي و يزفني يوماً إلى من يحبّني بصدق..يقبّل جبيني و يوصيه قائلاً: إبنتي أمانةٌ عندك،إن لم تحافظ عليها رددتها إلى بيتي
معززّةً مكرّمة كما كانت.. هكذا اتخيّل و لكنّ الحقيقة شيءٌ آخر تماماً..
كل ما سمعت صوتك تنهمر دموعي دون أن أشعر..هاتان عيناي و هذا قلبي فكيف و لِمَ أفقد السيطرة عليهم كل ما سمعت ذلك الصوت الجهوريّ الحازم؟  شهقاتٌ مكتومة و دموعٌ حارقةٌ هي كل ما أشعر به..
تنهي المكالمة ببرود متمنياً لي السّلامة و لكننّي أكاد لا أشعر و لو بالقليل من الصّدق في تلك الأمنية..
أكفكف دموعي و أحبس ما تبقّى منها في مقلتيّ المتعبتين و أخرج من غرفتي  فأرى وجه امّي..
 تلك المرأة العظيمة التي ضحّت بعمرها و أفنت شبابها لتربّيني أنا و إخوتي..
أرى ابتسامتها الحنون و الخطوط التي خطّها الزّمن في وجهها الجميل ..أشعر  بالدفء يسري في عروقي و يدفّئ قلبي الذي كاد يتجمّد من برود نبرته..
 أستجمع ما تبقّى من قواي و أتذكّر انّني لست وحدي..أمّي عانت الكثير  و الكثير من قبلي..ألن يكون من سوء الأدب أن أبكي في حضرتها؟
أتجاهل العبرة التي تخنقني و أستمر في التّمثيل..التّمثيل الذي اتقنته منذ أن كنت طفلةً بسببه هو.. و لأجل أمّي.. كي أخفي حزني.. كي لا أحزن الذين أحبهم..
مرةً شعرت بالأمان..عندما استأذنت أمّي و ذهبت إلى غرفتي  و أغلقت الباب لأجري معه مكالمتي المعتادة..إضطررت وقتها لأن أطلب منه
معروفاً..
هو حقٌّ لي و لكنّه رجاءٌ بالنّسبة إليه... رفض كالعادة و وبّخني بحديثٍ قاسٍ شديد اللهجة..إنهمرت دموعي ثانيةً..كان أخي عندنا و هو يعلم بحالي.. سمعت الباب يُفتح فكفكفت دموعي على عجلٍ و التفتُّ لأرى من دخل الغرفة..وجدت أخي و قد دخل إلى الغرفة و مشى نحوي..
لم ينطق بكلمةٍ و لكن ضمّني إلى صدره بصمت..بكيت و بكيت إلى أن خفّ حزني..
في تلك اللحظة شعرت بحنان الأخ..شعرت بالأمان و تلاشت وحدتي..لم أذرف دموعي على الوسادة وحدي كما أفعل بالعادة..كان هناك..أخي..
حضنٌ حنون لم و لن أحصل عليه منه.. أعطانيهُ أخي..
أوصلتني إلى البيت يوماً فشعرت بالوحدة حين ابتعدت
كانت أقصى أمنيةٍ عندي أن تمسك بيدي كما فعلت مرّاتٍ معدوداتٍ حين كنتُ طفلة..أن نذهب معاً إلى البحر أو إلى الحديقة أو أيّ مكان آخر، كلّ ما يهمّني هو وجودك معي..تشتري لي الذّرة و تتحدّث معي..نضحك بسببٍ و بدون سبب..فقط لأنّنا سعداء..
لأنّنا معاً..
 مرةً كنت امشي معك يوماً فتوقّفتَ و سألتني: كم مقدار حبِّكِ لي؟ فأجبتك ببراءة: أحبّك بحجم الجبل، فقلتَ لي: بحجم الجبل فقط؟ فاحترتُ بمَ أجيبك فضحكت منّي..
و أذكر مرةً أصبتُ فيها و كدتُ أدخل في غيبوبةٍ الله وحده يعلم هل سأستفيق منها أم لا.. جسدي المنهك ملقىً على
الأرض لا يقوى على الحركة..أسمع أشباه أصوات..إلتفت بعيني فرأيت أخوتي جميعا...و رأيتك..وقتها نسيت ألمي و سعدت لأنني رأيتك.. لأنني شعرت أو أوهمت نفسي بأنّك تهتم بي.. حملني أخي و ركض  إلى المشفى و الخوف يعلو وجهه..الوجه الذي اعتدت أن أراه ضاحكاً عليه ملامح القلق..بل الرّعب..
أيقنت ثانيةً أنّني لست وحيدة..
قرأت في مذكرةٍ كتبتها لي أختي حين ولدت، تقول فيها: كان قلقاً عندما تمخّضت أمّي و كان موعد ولادتك.. خرج الطّبيب و قال له: إذا لم نقم بالعمليّة ستفقد الشّجرة و الثّمرة.. يعنيكِ أنتِ و أمّي ،
فبكى أبي بكاءً شديداً و لكن حين ولدتي و رآكِ كان سعيداً كما لو أن الأرض لا تسعه من كثر السّعادة...تمنيتُ لو أنّك لا زلت تحبّني كما كنت..تمنّيتُ لو لم أكبر فتحبّني كما كنت..
هل كرهتني لأنّني كبرت؟ هل آذيتك أو جرحتك يوماً؟ لا أعلم.. كلّ ما أعلمه هو أنّي لا يمكنني أن أحبّك كما لا أستطيع أن أكرهك..
 لأنّك أبي..
لا أستطيع أن أنسى كل الألم الذي مررت به بسببك و أمضي قدماً..لا أستطيع أن أنساك و أمسح اسمك من بعد إسمي و أقطع الصّلة التي بيننا..
فدمك يجري في عروقي..
لأنّك أبي..
سمعت خبر وفاة عمّي بالأمس.. أقرب أعمامي إليك.. عمي الذي أحببتَه كما لم و لنا تحبني يوما.. أسأل الله أن يغفر له و يرحمه.. فكرت فيك.. و تساءلت: هل سأستطيع أن أمنحك  الحنان الذي لم تعطني؟ هل وأستطيع أن أمسح دموعك بيديّ الباردتين و أواسيك؟
هل سأستطيع أن أضمّك إلى صدري و أحاول أن أخفف عنك حزنك كما لم تفعل معي؟ لا أعلم.. كل ما أعرفه اليوم هو أنّني يجب أن أفعل ذلك.. سأفعل ذلك..
 لأنّك أبي..
@rattibha رتّبها فضلاً

جاري تحميل الاقتراحات...