عظَّم الغرب جسد المرأة حتى حُصِرت وحوصرت به، فاستشرى هذا الداء وغزت هذه النظرة المُقدِّسة لتفاصيل الجسد العالم بأسرهِ، فأصبح الحُكم على المرأةِ والحديث عن قيمتها وحقيقة وجودها باب مُغلق لا يُفتح إلا من خلالِ جسدها. هل نبالغ بقولنا؟ هل جاوزنا الحد؟ تأمل الحال واحكم بنفسِك.
المجتمع الغربي مُسْرِفٌ في الحديثِ عن المرأةِ وحقوقها، ولكنك متى ما تفقَّدتَ ببصرك وتأملتَ ببصيرتك؛ رأيت أن ”الغرب يتحدث عن «حقوقِ المرأة» في الوقتِ الذي تتصاعد فيه معدلات الإباحية والعُري، ومحاصرة المرأة بمعاييرٍ تؤكد أهمية جسدها وتختزلها فيه!“ كما قال المسيري رحمه الله.
لنظرتهم إليها وتقييمهم لها شعرت المرأة أنها لا قيمة لروحها في واقعها دون جسدها، فأصبحت قيمة الروح العُليا هي الدُنيا، ولأجل هذا باتت المرأة تحرص على أن يكون جسدها جميلاً فاتناً مرضياً في أسوأ الأحوال، لا لنفسها، بل للمجتمع الذي يقيّمها من خلاله.
وهذا هو السبب وراء انتشار عمليات التجميل بشكلٍ مخيف، وكما وصفَ صاحب مقال «صناعة الأنوثة»؛ فإن جسد المرأة اليوم أصبح ”لا يُقدَّم كما هو، بل يتم تغليفه بشكلٍ جذاب، كما تُغلَّف الهدايا، إنه يتم توريته وراء حجاب المساحيق وتحويرات الجراحة التجميلية”.
وهناك حالة مرعبة من الهوسِ أصابت بعض النِّساء، حتى أصبحت الواحدة منهن لا تَشعر بوجود ذاتها دون نظرات وعبارات الإعجاب التي تُلاحقها وتُحيط بكيانها الهَش! فهل أضحت المرأة كما وصفها ليبوفتسكي في ظِل تلك الثقافة، ما هي إلا ”ديكورًا لتزيين فضاءاتنا“.
تسيّد المشاهير عالَم اليوم، وتسيّدت الفاشنِيستات عالَم المشاهير، وبفضلهن زاد الضخ وتضاعفت الجهود لتضخيم مفهوم «أناقة الجسد وجماله». خلَّف هذا «تعظيماً» من قبل بعض الفتيات وسعين جاهدات للوصول إلى الجسدِ المثالي، و«تحطيما» لأُخريات لا يقدرن أن يفعلن مثل صويحباتهن.
هذا الأمر شكَّل سحابة مظلمة من عدمِ الرِّضا عن الذاتِ أظلَّت عدداً كبيراً من متابعات المشهورات، وسحابة عدم الرِّضا هذه لا تُمطر إلا قلقاً واضطراباً وعللاً نفسيّة تمحق السعادة وتعيق الفرد عن الشعور بالحياة الهانئة الرَّضيّة المطمئنة.
نعم؛ للجسد قيمة، ولكن قيمته لاغية بغير الروح، فجمال الروح يضفي على الجسدِ القبول، ولكن الجسد مهما كان جميلاً لن يخلق القبول للروح القبيحة. كلما انغمس الفرد في تجميل جسده ابتعدَ عن جمالِ روحه، وكلما فعل العكس سمت نظرته وأدرك قيمته الحقيقية واحتواه الرِّضا؛ وهو دليل الحياة السعيدة.
جاري تحميل الاقتراحات...