"هو الإعتقاد بأن العلم التجريبي قادر على الإحاطة بكل الحقائق الكونية وأن البشر لم يعودوا في حاجة إلى أي مصدر آخر للمعرفة أو الأنظمة مع وجود العلم، فقد أغناهم العلم التجريبي عن كل المصادر الفلسفية والدينية وغيرها التي كانوا يعتمدون عليها" [١]
و يمكننا الإضافة بأنه في نسخته المتطرفة تجد نفسا تحقيرية لباقي المعارف البشرية كالعلوم الإنسانية أو الدينية الشرعية أو أي شكل من أشكال المعرفة بالإضافة أنها تلزم إخضاع كل الظواهر الإنسانية للمنهج العلمي التجريبي فما ليس بالمختبر ليس بعلم
و مؤسس هذه النظرة الفيلسوف الحسي أوجست كونت رائد الوضعية المنطقية و يسجل ذلك في قوله:-
"ما الآن وكل المتعلمين من أبناء المدينة الحديثة يعتقدون بأن كل الحوادث العالمية والظواهر الطبيعية لا بد لها من أن تعود إلى سبب طبيعي،وأنه من المستطاع تعليلها تعليلا علميا مبناه العلم الطبيعي
"ما الآن وكل المتعلمين من أبناء المدينة الحديثة يعتقدون بأن كل الحوادث العالمية والظواهر الطبيعية لا بد لها من أن تعود إلى سبب طبيعي،وأنه من المستطاع تعليلها تعليلا علميا مبناه العلم الطبيعي
فلم يبق فراغ يسده الاعتقاد بوجود الله، ولم يبق من سبب يدفعنا إلى الإيمان به"[٢]
و يسميها الفيلسوف المعاصر روجيه جارودي بالأصولية العلموية، ويعرفها بأنها "النزعة القائلة بأن العلم يمكنه حل المسائل كلها، وأن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه هو شيء غير موجود"[٣]
و يسميها الفيلسوف المعاصر روجيه جارودي بالأصولية العلموية، ويعرفها بأنها "النزعة القائلة بأن العلم يمكنه حل المسائل كلها، وأن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه ويختبره ويتوقعه هو شيء غير موجود"[٣]
و يمكن تلخيص هذه النظرة بأنها توسيع للضيق و تضييق للواسع! وهذا القسم من المقال جزء أساسي مهم، كي لا يخيّل للبعض أنني أنقد العلم التجريبي ككل و أتجنّي عليه.
🔴 الإنتقادات :
◾العلموية تدحض ذاتها :
فكر مليا بهذه العبارة: “لا توجد جملة عربية مكونة من ثمان كلمات”، إنّنا لا نحتاج إلى أستاذ في اللغة العربية لدحض هذه المقولة، كما أنّنا لسنا بحاجة إلى تصفح الكتب العربية لتبيان خطئها،
◾العلموية تدحض ذاتها :
فكر مليا بهذه العبارة: “لا توجد جملة عربية مكونة من ثمان كلمات”، إنّنا لا نحتاج إلى أستاذ في اللغة العربية لدحض هذه المقولة، كما أنّنا لسنا بحاجة إلى تصفح الكتب العربية لتبيان خطئها،
وذلك لأنّنا نعلم بوضوح تام بأن هذه المقولة خاطئة لأنها هي نفسها مكونة من ثمان كلمات، لذلك فالمقولة تدحض ذاتها فلماذا إذن يَجْدُرُ بنا تصديقها؟
فلو أخذنا في الاعتبار هذه المقولة العِلمويّة: “سأصدق فقط ما يمكنني رؤيته، أو سماعه، أو تذوقه، أو شمه، أو لمسه”، هل بإمكانك لمس، أو شم، أو تذوق، أو سماع هذه المقولة؟
هل هذه القضية شيء محسوس بحيث يمكننا لمسه أو قياسه وتحليله؟ بالطبع لا. صحيح بأنه يمكننا أن نرى هذه الكلمات مكتوبة على هذه الصفحة كما يُمكننا أيضا أن نسمعها عندما ينطق بها،
لكن ليس بإمكاننا أن نختبر صحة هذه القضية مستخدمين المنهج العلمي. وبالمثل، إذا كان الخط أو حجم الكلمات مختلفا سيظل له نفس المعنى، وحتي لو ترجمت، القضية إلى اللغة الألمانية أو الفرنسية، فإن الكلمات ستتغير لكن معناه سيكون متطابقا بمختلف اللغات
[الحاصِل من هذا كلّه أن المقولة التي يسلم بها العلمويون لا يمكن اختبارها بواسطة المنهج الذي اقترحوه بأنفسهم، أي المنهج التجريبي المعتمد على الحس].
◾المنهج العلمي يقوم على مسلمات لا تخضع للمنهج العلمي :
العلم التجريبي يقوم على فرضيات قبلية متعالية عليه، فلا يمكن الاكتفاء بالعلم التجريبي عن غيره.
العلم التجريبي يقوم على فرضيات قبلية متعالية عليه، فلا يمكن الاكتفاء بالعلم التجريبي عن غيره.
إن المبادئ العقلية الضرورية مثل مبدأ الهوية واستحالة اجتماع النقيضين ومبدأ السببية و قوانين الرياضيات و اللغة هي قوانين متعالية على العلم التجريبي ولا يمكن إثباتها من داخله و إلا وقعنا في مغالطة الإستدلال الدائري.
يقول دوغلاس اكس: “لا يُعقل أنّ العلم [التجريبي] يستطيع أن يعطينا شيئًا أكثر وثوقًا من الإيمان الذي صدَّقنا به الافتراضات الأساسية التي يقوم عليها العلم. العلم [التجريبي] لن يكون أبدًا الطريق الأولي للمعرفة، فضلًا أي يكون الطريق الأوحد”.[٤]
كما أن الشريحة الكبرى من العلمويين أصلا تتلقي المعلومات حول التجارب العلمية دون إعادتها و يؤمنون بنتائجها بشكل مباشر دون إختبارها عندها يقعون في تناقض حيث أدرجوا الخبر كمصدر معرفة آخر غير العلم التجريبي الذي يختزلون فيه المعارف البشرية
◾التدليس في المراجع العلمية (مراجعة الأقران) :
مقال رائع أعجبني عندما قرأته، ورأيت أن أنقله وأترجمه ترجمة بسيطة سريعة لتعم الفائدة و ستجدون المقال الأصلي في خانة المراجع نهاية المقال [٥]:
مقال رائع أعجبني عندما قرأته، ورأيت أن أنقله وأترجمه ترجمة بسيطة سريعة لتعم الفائدة و ستجدون المقال الأصلي في خانة المراجع نهاية المقال [٥]:
1- العلم الجيد ليس عليه أن يكون منشورًا في الكتابات المراجعة. كتب علمية رائدة مثل كتاب داروين " أصل الأنواع" أو كتاب نيوتن "المبادىء الأولية" لم تكن منشورة في مجلات علمية مراجعة كما توجد العديد من الأبحاث التي تم رفضها والتي قد تضمن على أبحاث فازت فيما بعد بجائزة نوبل.
وحتى المحكمة العليا في الولايات المتحدة قضت في قضية دوبيرت ضد ميريل داو، شركة عام ١٩٩٣ بأن النشر (الذي هو عنصر واحد من عناصر مراجعة الأقران) ليس شرطا لا غنى عنه للمقبولية؛ فهي لا ترتبط بالضرورة بالموثوقية، وفي بعض الحالات لن يتم نشر النظريات إبداعية ذو قيمة حججية كبري .
إنها مغالطة في الإدعاء بأن الفكرة العلمية لا يُعتمد عليها إذا لم تظهر في الكتابات المراجعة
2- نظام المراجعة يتعرض لنقدين شائعين:
🔹 أنها ترفض الأوراق المقبولة علميًا.
🔹 أنها تقبل الأوراق الخاطئة علميًا.
2- نظام المراجعة يتعرض لنقدين شائعين:
🔹 أنها ترفض الأوراق المقبولة علميًا.
🔹 أنها تقبل الأوراق الخاطئة علميًا.
هناك العديد من الأمثلة حيث كان يجب على المجلات سحب الأوراق لأن الأخطاء، أو حتى الاحتيال الصريح، لم يتم اكتشافها من قبل المراجعين. وقد وجدت الدراسات أن نظام مراجعة الأقران لا يؤثر إلا قليلا على تحسين نوعية المقالات. إن نشر المراجعة من قبل الأقران يستغرق وقتا طويلا ومكلفا وكثيرا
ما يستبعد الناس بلا سبب وجيه. ولكن عقلية "النشر أو السحب" تعمل على الإبقاء على النظام قائما.
3- إذا كنت تؤمن بأن المراجعين المتخصصين مثل الروبوتات المنصفة، فأنت تؤمن بخرافة.
3- إذا كنت تؤمن بأن المراجعين المتخصصين مثل الروبوتات المنصفة، فأنت تؤمن بخرافة.
إن كل العلماء بشر، ولا واحد منهم محايد بشكل كامل . إن المخاوف السياسية، والعوامل الاقتصادية، والتنافس في المختبرات، ودعم الأصدقاء، وغيرها من العناصر البشرية العادية، لا تنفصل مطلقا عن عملية مراجعة الأقران.
فالصحف لديها مصالح اقتصادية ضخمة في الحفاظ على النظام المعيب الحالي، ويسعد علماء البحث باللعب على هذا المسار لأن الأوراق التي يستعرضها الأقران ضرورية للحفاظ على مواقفهم.
4- المتعصبون علميًا يلعبون بشكل متزايد بـ "بطاقة الورقة المراجعة" لإسكات المعارضة العلمية.
وعلى الرغم من أوجه القصور التي تعيب نظام مراجعة الأقران، فإن "مراجعة الأقران" تعمل كسلاح خطابي، يتم تجنيده بغرض إسكات وجهات النظر العلمية المعارضة من قبل الأقليات.
في المناقشات العلمية كثيرا ما نسمع بعض الأشخاص يتلفظ بمثل "هل يظهر نقدك في مجلة خاضعة لمراجعة الأقران؟ ". قبل أن تؤخذ على محمل الجد. إنه نفاق عندما يدفع العلماء وجهات نظرهم إلى عامة الناس من خلال مواقع غير خاضعة لمراجعة الأقران مثل الإعلام،
ولكن بعد ذلك يحاولون إغلاق أفواه المنتقدين لردهم في مواقع غير خاضعة لمراجعة الأقران.
5- نظام المراجعة غالبًا ما يكون متحيز ضد وجهة نظر الأقلية.
إن نظام مراجعة الأقران مخصص إلى حد كبير للحفاظ على الوضع الراهن. وباعتبارها نظرية علمية جديدة تتحدى قدرا كبيرا من الحكمة التقليدية،
إن نظام مراجعة الأقران مخصص إلى حد كبير للحفاظ على الوضع الراهن. وباعتبارها نظرية علمية جديدة تتحدى قدرا كبيرا من الحكمة التقليدية،
فإن التصميم الذكي يواجه معارضة سياسية لا علاقة لها بالأدلة. وفي إحدى الحالات، قدم المتخصص في الكيمياء الحيوية الموالي للهوية مايكل بيهي مقالا للنشر في مجلة علمية، ولكن قيل له إنه لا يمكن نشره لأن "نظريتك غير التقليدية لابد أن تحل محل شيء من شأنه أن يوسع نطاق النموذج الحالي".
يقول دينيسي أوليري بهذه الطريقة: "إن الخلل الساحق في نظام مراجعة الأقران التقليدي هو أنه أدرج بقوة نحو الإجماع إلى الحد الذي جعله يظهر قدرا ضئيلا من التسامح مع النتائج والتفسيرات الجديدة حقا".
6- أنصار نظرية التصميم الذكي نشروا كمية كبيرة من الأبحاث المشروعة المراجعة علميًا، لكن من المهم أن نفهم أنه ليس شرطًا نهائيًا لكي تكون مقبولا في الكتابات العلمية المراجعة حتى تعرض جدارة الفكرة العلمية.
على الرغم من محاولة التأمين، نشر أنصار نظرية التصميم الذكي أفكارهم في المجلات العلمية التي تخضع لمراجعة الأقران. وهذا يظهر أن نظرية التصميم الذكي تتمتع بشرعية و مصداقية أكاديمية ما إذا كان المرء قد يطبق أو لا يطبق إختبار "مراجعة الأقران" المشكوك فيه للعلوم الجيدة.
◾قصور المنهج العلمي نفسه في محيطه و مجاله :
عجز العلم المادي على تقديم أجوبة على عديد من المشكلات العلمية إذ يوما بعد يوم يزداد التأكد من قصور العلم التجريبي على الإحاطة بجميع ظواهر هذا الكون و تفسيرها بشكل كلي لنأخذ على سبيل المثال و ليس للحصر العقل.
عجز العلم المادي على تقديم أجوبة على عديد من المشكلات العلمية إذ يوما بعد يوم يزداد التأكد من قصور العلم التجريبي على الإحاطة بجميع ظواهر هذا الكون و تفسيرها بشكل كلي لنأخذ على سبيل المثال و ليس للحصر العقل.
يرى صديقنا أينشتاين بأن:
"العقل البشري مهما بلغ من عظمة التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه بطفل دخل مكتبة كبيرة، ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب،
"العقل البشري مهما بلغ من عظمة التدريب وسمو التفكير عاجز عن الإحاطة بالكون، فنحن أشبه بطفل دخل مكتبة كبيرة، ارتفعت كتبها حتى السقف، فغطت جدرانها، وهي مكتوبة بلغات كثيرة، فالطفل يعلم أنه لا بد أن يكون هناك شخص قد كتب تلك الكتب،
ولكنه لا يعرف من كتبها ولا كيف كانت كتابته لها، وهو لا يفهم اللغات التي كُتِبت بها."[٦]
إذ تعتبر معضلة الوعي و العقل أكبر معضلة تقابل الفلسفة المادية، في الأول يجب أن تعرف أنه لا يوجد ولا ربع دليل مباشر أن المخ هو ما ”يخلق“ الوعي، كل التجارب من بداية علم الأعصاب وحتي العصر الحالي لا يري فيها أحد كهرباء المخ تتحول لفكرة مثلاً أو تتحول لذاكرة،
كل ما يتم رؤيته ”ترابطات عصبية للوعي Neural Correlates of Consiousness" يعني عمليات التفكير مثلاً تري لها نشاطات عصبية في مناطق متفرقة من القشرة المخية لكن لا يعني ذلك أن النشاط الكهربي الذي رأيته هو ما خلق الفكرة هو مترابط فقط مع عملية التفكير [٧]
مثل أن يكون هناك ترابط بين مساحة حريق معين وعدد رجال الإطفاء، كلما تزداد مساحة الحريق يزداد عدد رجال الإطفاء يعني زيادة مساحة الحريق مترابطة مع زيادة عدد رجال الإطفاء لكن هل هذا معناه أن رجال الإطفاء هم من "سببوا" زيادة مساحة الحريق؟ لا،
حجة Thomas Nagel أن العقل أو الوعي لا يمكن إختزاله لمادة المخ فقط موجودة في مقاله الأكثر شهره في تاريخ فلسفة العلوم ما هو شعورك أن تكون خفاشاً، جوهر المقال أن الوعي هو تجربة شخصية Subjective كل شيء عنده وعي له تجربة ذاتية خاصة به "التجربة الذاتية للأنا"،
لتقريب الصورة يضرب المثال بالخفاش، تستطيع أن تعرف كل شيء عن الخفافيش مثلاً يعيشون في الظلام، يسمعون ويرون بصدي الأصوات، وتستطيع أن تدرس أدمغتهم وتعرف كل جزء فيها، لكن مهما عرفت عنهم وعن أدمغتهم لن تتمكن أبدأ من معرفة ما هو شعور أن تكون خفاشاً،
مثال آخر الشعور بالألم الذي يشعره المتألم، شخص يذهب للطبيب فيقول له أسناني تؤلمني مثلاً، سيعالجك الطبيب لكن لن يعرف أبدأ ما هو شعورك الذاتي بألم الأسنان مهما عرف عن الأعصاب المتصلة بأسنانك من المخ، بالتالي شيء Subjective لا يمكن أن يختزل في شيء Objective مثل المخ.[٨]
و تدعيما لهذا المقصد دّلل علماء الفيزياء على غموض الوعي؛ فقد ناقش العالم الفيزيائي وينبرج في كتابه المسمى بكتاب "أحلام النظرية النهائية" إمكانية ضمّ القوانين الطبيعية تحت قانون أوحد.
ويشير وينبرج بأن ثمّة يوم قادم سيتمكّن العلماء فيه من الكشف عن العلاقات بين جميع القوى الطبيعية، والعمل على إيجاد قانون يضمّها تحت مظلة واحدة، وسيكون هذا التاريخ موعدًا لتفسير جميع الظواهر الكونية.
وفي هذا إشارة صريحة بأن العلماء سيصلون إلى صياغة قانون أوحد يوحّد مفهوم القوى الفيزيقية الأربع، وهي: القوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة، والقوة النووية الشديدة، وقوة الجاذبية. وعلى الرغم من هذا الاستبشار فإن وينبرج يستثني بشدّة موضوع له قانون محيّر
لا يمكن إخضاعه للقوانين الفيزيقية، وهو معضلة الوعي الذي لا يمكن انتماؤه إلى واحد من تلك القوي[٩].
و لكن كالعادة لا يستطيع البعض الإقرار بالحقيقة فحاولوا تفسير الوعي داروينيا و لكن هنا تأتي المفارقة إذ لو سلّمنا أن العقل قد تطوّر عبر ملايين السنين،
فكيف يمكن لنا أن نثق في حكمه بأن العقل قد تطوّر؟! فالظاهر أن:"كثيرًا من المؤمنين بنظرية التطوّر الدارويني لا يدركون التحدّي، بل التهديد الذي تشكّله النظرية لعقولهم التي يثقون بها ويعتمدون عليها في تصّور وجودهم، فضلًا عن الحكم عليه، بما في ذلك تصّورهم لنظرية التطوّر وأحكامهم عليها
فما هي طبيعة هذا التهديد؟ لنستمع إلى دارون نفسه حيث يقول في رسالة خاصة إلى صديقه وليام جراهام: "ينتابني دائمًا شكّ فظيع حول ما إذا كانت قناعات عقل الإنسان، والذي بدوره تطوّر من عقول كائنات أدنى، تتمتّع بأي قيمة أو تستحق أدنى ثقة"[١٠].
وقد تنبّه إدموند هوسرل لهذا الإشكال أيضًا، فيقول: "قد تعرض للخاطر بعض الأمور من علم الحياة، فنذكر نظرية التطوّر الحديثة حيث نما الإنسان في كفاحه من أجل الوجود بحسب الانتقاء الطبيعي،
فنما معه عقله بالطبع. ومع العقل سائر الصور التي هي أخصّ به، ولا سيّما الصور المنطقية. ألا يدفعنا ذلك إلى القول بأن الصور والقوانين المنطقية إن هي إلا سمة عارضة للنوع البشري، وإنها قد تكون مختلفة وتصير كذلك في سياق التطور المقبل"؟[١١]
ويقول الفيلسوف ألفين بلانتنجا: "إن قبلت بالمادية والتطوّر معًا فسيكون لديك سبب وجيه للإيمان بأن ملكاتك المسؤولة عن إنشاء المعتقدات غير موثوقة، ولكن الإيمان بذلك يعني السقوط في شكّ تام. الأمر الذي يدرك بدون أيّ سبب لقبول أيّ من معتقداتك
(بما في ذلك معتقداتك عن المادية والتطور!). السبيل المعقول الوحيد هو التخلّي عن الدعوى المفضية إلى هذه النتيجة، دعوى أن المادية والتطوّر صحيحان معا"[١٢].
فالحاصل أن التفسير الدارويني للعقل، حتى ولو نجح، لا يمكن الثقة به، لأنه لن يكون هناك معيار عقلي أصلًا للحكم بنجاحه من عدمه. فكيف يدعي العلمويون إذا أن العلم قادر على إختراق جميع المجالات؟!
إذا كان العلم التجريبي قاصرا عن تقديم أجوبة في إشكالات كبيرة داخل حقله التجريبي المادي فإنه -من باب أولى- عاجز عن تقديم أجوبة في المجالات الأخرى.
◾الغاية و المعنى :
العلم يجيب عن سؤال كيف و لكن لا يقدم أجوبة على سؤال لماذا، العلم يعلمنا كيف نعيش بطريقة أفضل لكن لن يخبرنا لماذا نعيش على سطح هذه الكرة الأرضية = لن يقدم أجوبة على الأسئلة الوجودية و أسئلة المعنى التي تشكل عمود أساس في الوعي الإنثربولوجي الإنساني[١٣]
العلم يجيب عن سؤال كيف و لكن لا يقدم أجوبة على سؤال لماذا، العلم يعلمنا كيف نعيش بطريقة أفضل لكن لن يخبرنا لماذا نعيش على سطح هذه الكرة الأرضية = لن يقدم أجوبة على الأسئلة الوجودية و أسئلة المعنى التي تشكل عمود أساس في الوعي الإنثربولوجي الإنساني[١٣]
وفي هذا الإطار يمكن أن نستحضر المؤرخ اليوناني بلوتارك الذي قال:
“من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن لم ير قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها عبادة ”[١٤]
“من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن لم ير قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها عبادة ”[١٤]
فالنزوع نحو التقديس والتعبد أمر يشكل جزءا من طبيعة الإنسان و لا بد له من إشباع هذه الحاجة الغريزية !! لذا يعلق الفيلسوف الطيب بو عزة في مقاله الرائع محدودية العلم:
"شيوع هذه النزعة سيؤدي بالثقافة الغربية إلى أزمة كارثية، هي أزمة غياب المعنى، أي غياب معنى الوجود والحياة، الأمر الذي سيخلص إلى العدمية والعبثية، وإن “أزمة المعنى”، في تقديري، أخطر أزمة يمكن أن تلحق حضارة ما. بل هي أخطر من أزمة .الغداء،
فأزمة الطعام هي أزمة تلحق الجسد. لكن أزمة المعنى تلحق نفسية الإنسان وروحه، فتسلمه إلى الشقاء ولو كان غارقا في نعيم الجسد ووفرة الغداء"[١٥]
إذا العلم عاجز عن إنتاج المعنى و الغاية فهذه وظيفة الدين و العقيدة.
إذا العلم عاجز عن إنتاج المعنى و الغاية فهذه وظيفة الدين و العقيدة.
◾ الأخلاق :
يذكر هيوز أنّه ربما لم يشهد أي مجال من مجالات الفلسفة جهدًا أكبر في الاستيلاء من قِبل دعاة العلموية أكثر من الأخلاق. كثير منهم يميلون إلى موقف النسبية الأخلاقية. وفقًا
يذكر هيوز أنّه ربما لم يشهد أي مجال من مجالات الفلسفة جهدًا أكبر في الاستيلاء من قِبل دعاة العلموية أكثر من الأخلاق. كثير منهم يميلون إلى موقف النسبية الأخلاقية. وفقًا
لهذا الموقف، يتعامل العلم مع الموضوع والواقع، في حين أن تقريرات الأخلاق تمثل مجرد مشاعر الناس الذاتية؛ لا يمكن أن يكون هناك حق عالمي أو خطأ.[١٦]
ويقول يوبادِن أنّه يجب أن نعترف بأنّ هناك تاريخًا واسعًا قُدِّمَت فيه أدلة علمية لدعم حتى التحيُّزات البائسة. مثال على ذلك، علم قياس الجماجم وصامويل مورتون الذي جمع فيه المئات من الجماجم البشرية
لإقامة أيديولوجية عنصرية شائعة في ذلك الوقت تستند إلى قياسات حجم الجزء الداخلي من الجمجمة، واستنتج من ذلك ما يؤيد الانقسامات العرقية للتفوق والنقص المفترضَيْن. إنّ السعي وراء العلموية يعرّض للحدس غير المنطقي والتحيّز، شأنه شأن محاولاتنا الأخرى لتوسيع قاعدة معارفنا،
على الرغم من أنّه يبذل عمومًا جهدًا لتجنُّب مثل هذه المزالق في منهجيته الصارمة. طبقًا لتقاليد العلم التجريبي، على الأقل في مفهومه المعياري، فإنّ دورنا هو إجراء تحليل شامل للعمليات،
وكذلك نقطة انطلاقها، للبحث قبل تقديم أي ادعاءات محددة. ولكن أيضًا يجب أن نضع في اعتبارنا الحاجة إلى إعادة تعريف نظرية المعرفة والغايات العلمية.[١٧]
غالبًا ما يُنظر إلى الأحياء التطورية على أنّها وثيقة الصلة بالأخلاقيات. كانت الداروينية الاجتماعية -على الأقل فيما يتعلق بتفسيرها وفهمها من قبل الأجيال اللاحقة-
أيديولوجيا تسوِّغ الرأسمالية الحرة بالإشارة إلى “الصراع من أجل الوجود” الطبيعي. في كتابات المؤلفين مثل هربرت سبنسر، تراكُم الثروة في أيدي الأقلية في مقابل أولئك الأقل حظًا، سُوِّغَ بأنّ هذا هو “طريقة الطبيعة”[١٨].
ومن المفارقات أنّ الداروينية الاجتماعية نشأت في نفس الوقت الذي بدأت فيه الطبقات الغنية في الدول الغربية في الحدِّ من تكاثرها (ما يسمى “التحول الديموغرافي”) وكانت النتيجة أن الصراع الاقتصادي والصراع الدارويني كانا أهدافًا مشتركة.[١٩]
وفي هذا الأيام، يظهر قصور العلموية واضحًا
وفي هذا الأيام، يظهر قصور العلموية واضحًا
في الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية الملحّة، فعند تفشّي الوباء وشُحِّ الموارد الطبية، يقترح النظر العلموي المجرَّد أن يُقدَّم علاجُ من كان بقاؤه أنفع لدوران عجلة الاقتصاد،
لكنهم اختلفوا، هل يُبدأ بعلاج الشباب لأنّ لديهم متوسط عُمرٍ متوقع أعلى من كبار السن، أم يُقدَّم الكبار لأن لديهم الخبرة الاقتصادية!. في هذا المعنى يقول إروين شرودنجر:
"الصورة التي يقدمها العلم عن الواقع من حولي صورة ناقصة جدّاً…إنه (أي العلم الطبيعي) لا يتكلم ببنتِ شفة عن الأحمر والأزرق، المرّ والحلو، الألم واللذة، إنه لا يعرف شيئاً عن الجميل والقبيح، الحسن والسيئ، الله والخلود؛
يتظاهر العلم أحياناً بأنه .يجيب على أسئلة في هذه المجالات، ولكن غالباً ما تكون إجاباته سخيفة للغاية إلى درجة أننا لا نميل إلى أخذها على محمل الجد"[٢٠]
إلى جانب أن تجريد الإنسان من كل معتقد متكون من نفس و روح و جسد إلى كينونة مادية و عضوية بيولوجية عندها لن يعدو كونه كائنا هامشيا فلا فرق بينه و بين البكتيريا. يوضح ذلك الفيلسوف الطيب بوعزة قائلا:
"مكمن إفلاس الثقافة في الزمن المعاصر هو أنها أصبحت ذات مدلول نفعي، حيث يُختزل فعل التفكير في الإنتاج بمدلوله الاقتصادي، الأمر الذي يؤكد أن هذا النمط المعرفي الذي يتم التبشير به اليوم، قائم على رؤية اختزالية لمعنى المعرفة ولمعنى الإنسان على حد سواء،
حيث يُختزلُ في "الإنسان/الجسد"، وتُختصر قصديةُ المعرفة في معرفة أداتية تُنصت إلى مطالب الجسد فحسب." [٢١]
فالمعرفة العلمية قد تنحرف إلى مجرد معرفة أداتية مفتقرة إلى ضابط القيم، وهذا ما نراه اليوم جليا في انحراف البحث العلمي نحو صناعة القتل لا صناعة الحياة فليس هناك أدنى أهمية للأخلاقيات في العلم التجريبي
◾الإرادة الحرة :
في حقيقة اﻷمر، إنّ العلموي يكون هنا بين موقفين اثنين لا ثالث لهما:
🔹موقف إثبات اﻹرادة الحرة.
🔹إنكار وجود حرية اﻹرادة.
في حقيقة اﻷمر، إنّ العلموي يكون هنا بين موقفين اثنين لا ثالث لهما:
🔹موقف إثبات اﻹرادة الحرة.
🔹إنكار وجود حرية اﻹرادة.
إلا أنّ كل اختيار من بين هذين الاختيارين، له مآﻻت وإلزامات، فالعلموي إذا أثبت وجود حرية اﻹرادة، سيكون بذلك قد أثبت وجود “مسألة” متعالية عن المادة، أو بعبارة أخرى، سيكون قد أقر بوجود قضية ميتافيزيقية -وهنا تنتهي إختزاليته بدخوله مُعترك الميتافيزيقا-،
-، إذ حرية اﻹرادة لا معنى لوجودها في عالم مادي تحكمه قوانين حَتمية لا يحيد عنها، ونحن لسنا باستثناء من هذا العالم، فنحن جزء منه، وحسب الرؤية المادية التي تقدمها العلموية فما نحن إلا تفاعلات كيميائية وإشارات كهربائية،
وتكون بذلك هذه الحرية التي نشعر بها مجرد وهم، ولا وجود لها في الواقع.
وفي الحقيقة هذا الاختيار هو ما يتبناه أغلب العلماء الملاحدة،
وفي الحقيقة هذا الاختيار هو ما يتبناه أغلب العلماء الملاحدة،
بل قد ألّف في ذلك عالم الأعصاب الأمريكي، وأحد أشهر الملاحدة عداءً للدين في عصرنا الحديث، سام هاريس، كتاباً كاملاً لمجرد إنكار وجود ما نُسميه بحرية اﻹرادة،
وهو كتابه Free Will “حرية اﻹرادة”، إذ يقول:
“حرية اﻹرادة وهم، بكل بساطة إرادتنا ليست من إنتاجنا نحن (…) في الحقيقة حرية اﻹرادة هي أكثر من مجرد وهم (أو أقل)،
إذ لا تبدو متماسكة من الناحية النظرية” [٢٢].
“حرية اﻹرادة وهم، بكل بساطة إرادتنا ليست من إنتاجنا نحن (…) في الحقيقة حرية اﻹرادة هي أكثر من مجرد وهم (أو أقل)،
إذ لا تبدو متماسكة من الناحية النظرية” [٢٢].
كما يوافقه العالم التطوري الملحد ريتشارد دوكينز، إذ يقول بهذا الصدد:
“الحمض النووي DNA لا يعلم ولا يكترث، DNA هو كذلك فقط، ونحن نرقص على أنغامه” [٢٣].
“الحمض النووي DNA لا يعلم ولا يكترث، DNA هو كذلك فقط، ونحن نرقص على أنغامه” [٢٣].
لنأخذ وقفة الآن كيف نستطيع بناء منظومة أخلاقية -بناءٍ على أي أساس غير الدين- في عالم تكون فيه حرية الإرادة مجرد وهم؟! إذ الشرط الضروري للقيم الأخلاقية هو الفاعلية الأخلاقية، والتي لا يُمكن أن تُوجد إلا إذا وُجِدت حرية الإرادة،
إذ كيف سنحاكم مُجرِماً على فعل هو لم يكن له اختيار فيه؟! بل على أيّ أساس نُسمي فعله هذا جريمةً إن كان الفعل نفسه مجرد نتيجة مادية لسلسلة من الأسباب المادية قادتها حتمية لا اختيار لنا فيها؟! و إذا كنا مسيرين ما معنى المنطق؟!
و ما هي مصداقيته إذا كان نابعا من مجرد إحتكاك ذرات و أعصاب و غيرها من الحتميات المادية؟!
فهنا العلموي سيجد نفسه بين مأزقين
إثنين في الحقيقة:
فهنا العلموي سيجد نفسه بين مأزقين
إثنين في الحقيقة:
🔹إن أثبت وجود حرية اﻹرادة: سيكون قد أثبت وجود طبيعة ميتافيزيقية، وبالتالي سيكون مُطالباً بتفسير وجودها بأسباب غير مادية، وهو ما يُجادل فيه أساساً حول وجود خالق متعال عن المادة
.
🔹إن أنكر وجود حرية الإرادة: سيكون إذن قد حكم على كل منظومة أخلاقية كيفما كانت باللامنطقية والوهم بل سيهدم المنطق نفسه.
___________________________
🔹إن أنكر وجود حرية الإرادة: سيكون إذن قد حكم على كل منظومة أخلاقية كيفما كانت باللامنطقية والوهم بل سيهدم المنطق نفسه.
___________________________
المراجع:
[١] د.سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث رسالة دكتوراة ج١ ص ٤٣٠
[٢] الشيخ عبدالله العجيري، كتاب شموع النهار ص ١٤٠
[١] د.سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث رسالة دكتوراة ج١ ص ٤٣٠
[٢] الشيخ عبدالله العجيري، كتاب شموع النهار ص ١٤٠
[٣] روجيه جارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها ص٢٤
[٤] مقتطف من مقال لمجلة أثارة بعنوان "العلموية و نقّدها"
atharah.com
[٥] Problems with Peer-Review: A Brief Summary
evolutionnews.org
[٦] د. قيس قرطاس، قصور العلم البشري ص٩٦
[٧] t.me
[٤] مقتطف من مقال لمجلة أثارة بعنوان "العلموية و نقّدها"
atharah.com
[٥] Problems with Peer-Review: A Brief Summary
evolutionnews.org
[٦] د. قيس قرطاس، قصور العلم البشري ص٩٦
[٧] t.me
[١٢] هل الإلحاد عقلاني؟ مقابلة بين ألفن بلانتنجا وجاري جنتنج، ترجمها وعلق عليها عبد الله الشهري
[١٣] الإنثربولوجيا هو علم يختص بدراسة الإنسان.
د. عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) ص٧
[١٣] الإنثربولوجيا هو علم يختص بدراسة الإنسان.
د. عيسى الشماس، مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) ص٧
[١٦] Austin L. Hughes, The Folly of Scientism, The New Atlantis, p.10.
[١٧] Maxim Uybadin, A Critique of Scientism: Its Implications and Limitations, p.2.
[١٨] Ndubuisi C. Ani, Does scientism undermine other forms of knowledge? p.5
[١٧] Maxim Uybadin, A Critique of Scientism: Its Implications and Limitations, p.2.
[١٨] Ndubuisi C. Ani, Does scientism undermine other forms of knowledge? p.5
٢٢] Sam Harris, Free Will, p.5.
[٢٣] Dawkins, Richard, River Out of Eden: A Darwinian View of Life, p.133.
@rattibha
[٢٣] Dawkins, Richard, River Out of Eden: A Darwinian View of Life, p.133.
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...