ومن بلاد العرب الإسلامية الضائعة :-
جزيرة صقلية :-
التي كان ضياعها وبالا على الأمة الإسلامية:-
بدأ الفَتْحُ الإسْلَامِيُّ لِصِقلِّيَةَ زمن الخليفة عثمان بن عفان عام 31 هـجري ، ولكنه لم يدم طويلا وتركها المسلمون ، ثم تم فتح قرطاج مما مكن المسلمين من بناء اسطول قوي وعمل قاعدة بحرية
في عام 80 هـجري دخل العرب جزيرة قوصرة ( بانتلريا حاليا Pantelleria )، وقد كان مايحدث من غارات الأساطيل الإسلامية على صقلية حتى النصف الأول من القرن الثاني ، لم يؤد إلا إلى الحصول على بعض الغنائم، فلم يستقر المسلمون بهذه الجزيرة بعد فقد غزاها عبد الله بن قيس الفزاري من
المعين من قبل معاوية بن حديج والي أفريقيا من قبل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، ثم محمد بن ادريس الأنصاري أيام يزيد بن عبد الملك فغنم منها غنائم كثيرة ثم عاد، ثم غزاها بشر بن صفوان الكلبي والي أفريقيا أيام هشام بن عبد الملك عام 109هـجري ، ثم حاول عبيد الله بن الحبحاب الفهري
والي أفريقية إرسال قائد جيوشه حبيب بن أبي عبيدة القيام بهجوم شامل على صقلية وسردينية وذلك عام 122 هـجرية ، فاستولى على سراقوسة على الساحل الشرقي للجزيرة ، ولكن بسبب الفتن الداخلية فقد حالت دون اكمال محاولة غزو صقلية. وتهيأ للبيزنطيين الفرصة لتحصين الجزيرة واعداد اسطول لحمايتها
فلم تتعرض الجزيرة لهجمات المسلمين فترة تزيد عن 50 عاما ، ولكن صارت هناك اتفاقيات تجارية ما بين المسلمين والبيزنطيين والسماح لهم باستخدام الموانئ الصقلية.
في عام 212 هجري قاد جيش المسلمين: العالم الفقيه المجاهد أسد بن الفرات المؤالف من 11000 مقاتل.
وكان سبب الفتح : أن الروم كانوا يُغِيرون على سواحل تونس من قواعدهم في جزيرة صقلية، وقد أزعج هذا المسلمين، وسبَّب لهم خسائر كبيرة في الأرواح والأموال والسبي، وكان المسلمون يردُّون عليهم
عليهم بغارات مماثلة، وينزلون إلى البر الصقلي فيقتُلون ويأسرون ويعودون بالغنائم، ولكنهم لم يفكروا في الإقامة فيها، وإنما عدوا غاراتهم تأديبية للروم، وفي سنة 212هـ تولى على تونس زيادة الله بن الأغلب التميمي ، وعزم على غزو صقلية، فجهز جيشًا وأسطولًا وولى عليه أسد بن الفرات، وانطلق
غازيًا لقطع دابر الأسطول الرومي، الذي كان يعمل بقيادة "فيمي"، الذي أرعب سكان الساحل وسفن التجَّار.
في تلك الأثناء كان "فيمي" مَلَكَ صقلية قد انفرد عن الروم ولُقِّب بالملك ، فخرج عليه "بلاطة" ومَلَك "سرقوسة"، و تم طرد "فيمي" الذي غضب وانضم إلى زيادة الله بن الأغلب مع مَنْ بقي من
أتباعه، وسار الجيش إلى صقلية، فلقيهم جمع من الروم فقاتلوهم، وأمر المسلمون "فيمي" أن يعتزلهم فلا يريدون الاستعانة بكافر، وصبر المسلمون في القتال وهزموا الروم، وهرب "بلاطة" إلى مدينة أخرى "قلورية"، وثبَّت المسلمون أقدامهم في عدة حصون في الجزيرة، ثم إن المسلمين حصروا سرقوسة
ودارت حول حصونها معارك عنيفة، وحُصر المسلمون بين عساكر سرقوسة والمدد الذي وصلهم من "بالرومو"، فخندق المسلمون حول أنفسهم، وقاتلوا أعداءهم بشجاعة نادرة، كما وصل أسطول من القسطنطينية مددًا لأهل صقلية، وانتشر بين المسلمين وباءٌ قاتل، وباتوا في أسوأ حال على أرض الجزيرة، لكنهم لم
لم ييئسوا من نَصْر الله لهم، وقد قَوَّى من عزيمتهم قائدُهم أسد بن الفرات، إلا أنه أُصيب تحت أسوار سرقوسة وقضى شهيدًا، فتولَّى القيادة خلفًا له محمد بن أبي الجواري، وحاول الانسحاب بجيشه، فإذا بأسطول الروم يَسُد عليهم الخليج، وهنا أحرق المسلمون سفنَهم، وعزموا على المقاومة،
ثم انتشروا في الجزيرة، يفتحون مُدنَها الداخلية مِثْل "ميناو" و"جرجنت"، وبينما هم كذلك وصل جيشٌ من الروم مددًا لأهل الجزيرة، ودارت معركة بينهم وبين المسلمين أمام مدينة "قصريانة"، التي كان يُحاصِرها المسلمون، فألحقوا بجيش الروم هزيمة مُنكَرة، فتفرَّق ودخل بعضهم المدينة المحاصرة،
وتُوفِّي محمد بن أبي الجواري، وخلفه زهير بن غوث، الذي تابَع الفتوحات، لكن المسلمين أصيبوا بعدة نكسات لتَوافُر مدد الروم على الجزيرة والعمل على سقوطها بأيدي المسلمين، ثم وصل إلى المسلمين مددٌ من والي إفريقية، كما وصلهم مدد من أهل الأندلس الذين خرجوا غزاة في البحر، واجتمع
للمسلمين أكثر من ثلاثمائة سفينة، ونزلوا الجزيرة وتابَعوا الفتح، وفَكُّوا الحصارَ عن المسلمين وفتحوا مدينة "بالرمو"، ثم فتحوا مدينة قصريانة بعد معارك عنيفة ، ودامت الغزوات المتتابعة على صقلية من كل اتجاه، والمدد يَصِل من الروم لأتباعهم ، ومن المسلمين لأتباعهم، وضمَّ المسلمون معظم
الجزيرة ثم توفي زيادة الله بن الأغلب التميمي سنة 223هـ، وهدأت الحروب، واحتفظ كلُّ فريق بما حازه، وابتدأت صقلية تشهد عصرًا إسلاميًّا في ولاية العباس بن الفضل الذي فتح عاصمة صقلية - قصريانة - وبنى فيها مسجدًا وخطَب الجمعة، واتخذها عاصمة للجزيرة.
وبقيت مدن ومعاقل وحصون بأيدي الروم تُهدِّد كِيان المدن الإسلامية الناشئة، على أن ولاة إفريقية من بني الأغلب لم يتركوا المسلمين أيضًا دون مددٍ، فلما كانت ولاية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب على إفريقية اهتمَّ بصقلية، خصوصًا بعد أن دبَّ النزاع بين المدن الإسلامية فانشغلوا ببعضهم
وتَرَكوا الجهادَ، فأرسل ابنَه أبا العباس، وأمدَّه بجيش قوي ، فنزل صقلية وأصلح أمرَ المسلمين ، ثم بدأ جهادًا قويًّا ضد الروم، وفتح مدنًا وحصونًا، كان من أهمها قاطبةً مدينة "سرقوسة"، التي استعصت على القادة قبله، ثم استدعاه والده إلى تونس فعاد وخلف ولدَيْه، وفي تونس ولاه أبوه مكانه
عليها، وخرج هو بنفسه مجاهدًا إلى صقلية مع نية الحج بعد إتمام فتح بقية المدن، ففتح مدنًا وحصونًا كثيرة، كان أهمها مدينة "طبرمين"، ولما عَلِم ملك الروم بسقوطها خلَع التاجَ ولم يلبسه سبعة أيام، وقال: "لا يلبس التاجَ محزون"، وكان كلما فتح مدينة أو حصنًا امتلكه وأجلى أهله منه ،
ليبقى بأيدي المسلمين، فلا ينتقض عليه ثانية، ثم مرض وتوفي في صقلية بعد أن حقَّق أمنية الجهاد دون الحج، رحمه الله ، وبعد سقوط الجزيرة عام 483 هجري نبش الروم قبر العباس بن فضل وأحرقوا جثته من شدة حنقهم عليه ؛ لأنه حاربهم بلا هوادة.
والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله