فِكْرُ
فِكْرُ

@s_ilver12

66 تغريدة 10 قراءة Jun 09, 2021
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
سلسلة ضمن سلاسل عرض و "نقد"
"نقد مفهوم الأخلاق عند ديفيد هيوم"
(مقدمة}
نود أن نعرض اليوم لواحد من أهم الموضوعات الفلسفية وهو فلسفة الأخلاق وسوف نتناول معكم تعريف لفلسفة الأخلاق و عرض لفلسفة هيوم ثم سنقوم بنقد لفلسفة هيوم الأخلاقية
أولاً تعريف علم الأخلاق :-
يعرف علم الأخلاق عادة بفلسفة الأخلاق حيث جاء في المعجم الفلسفي يقصد بعلم الأخلاق علم السلوك أو فلسفة الأخلاق أو الحكمة العملية أو الحكمة الخلقية.
كما يعرفه مسكويه بقوله: ( علم الأخلاق > علم بأصول يعرف به حال النفس من حيث ماهيتها وطبيعتها وعلة وجودها وفائدتها وما هي وظيفتها التي تؤديها وما الفائدة من وجودها وعن سجاياها و أميالها وما ينقلها بسبب التعاليم عن الحالة الفطرية.
كما أطلق عليه البعض علم العادات وذلك إستناداً إلى تعريفه اللغوي وهو راجع إلى الأصل الإغريقي لكلمة ( ethos) وهي تعني عادة ( moeurs) وعليه كان علم الأخلاق: هو العلم الذي يبحث في عادات الناس و إعتيادتهم أو بعبارة أخرى في سجياهم و أخلاقهم
وفي المبادئ التي إعتادوا عليها والأسباب التي تجعل هذه المبادئ حقاً وباطلاً خيراً أو شر .
لكن يظل هذا التعريف عاماً لكونه يدرس عادات الناس التي من شأنها أن تكون حسنة أو قبيحة
و لهذا ذهب الفيلسوف ( ليفي بريل) في كتابه ( الأخلاق وعلم العادات) أن عالم الأخلاق يدرس الإنسان في عصره وكذلك بلده دون أن يعير إهتمام لما يجب أن يكون عليه السلوك الإنساني فمهمة عالم الأخلاق هي الوصف فقط.
من ناحية أخرى عرف العالم باسكال علم الأخلاق: بعلم الإنسان ويقصد بذلك الأعمال التي هي مناط البحث والحكم الأخلاقي في أعمال الإنسان.
كما اعتبر علم الأخلاق من قبيل العلم الذي يجيب عن تساؤلات الخير والشر والسعادة والتعاسة وكذلك الطريقة التي يجب أن يسلكها الناس.
وكذلك هناك من خصه بالبحث في الواجب فعلم الأخلاق بالنسبة لهم هو دراسة الواجب وذلك لأنه يهدينا لما علينا من واجبات نحو انفسنا ونحو غيرنا وكذلك نحو خالقنا جل جلاله.
ألا أن صياغة التعريفين وإن كانت صحيحة إلا أنها تبقى غير منطقية هنا وذلك لأن علم الأخلاق لا يدرس الخير والشر بمعزل عن دراسة الواجب ولا يدرس الواجب بمعزل عن الخير والشر.
وفي هذا الصدد يقول البروفيسور ( محمد يوسف موسى) : إن دراسة الخير والشر لا تغني عن دراسة الواجب الذي نسير على هديه ولا عن دراسة الواجبات التي يجب علينا أن نقوم بها كذلك دراسة الواجب و الواجبات ليست كافية لتحديد الأخلاق
والتي تبحث أيضاً في الخير والشر وماهية كل منهما والمقاييس التي تزن بها الأعمال لبيان خيرها وشرها.
و باستقراء هذه التعريفات يمكن تقسيمها إلى معسكرين إثنين :-
1- أحدهما جعل من علم الأخلاق علم وضعياً حيث يدرس الأخلاق كما هي داخل مجتمع معين وبذلك تكون الأخلاق: كل ما تواطأ عليه الناس في بيئة معينة
وإن كانت هذه الأخلاق غير مقبولة إذا ما وضعت في بيئة أخرى ويمثل هذا الإتجاة الفلاسفة الوضعيون أمثال ( ليفي بريل) و ( إيمل دوركايم) واللذين اطلقا على علم الأخلاق إسم علم العادات.
2- وذهب الإتجاة الثاني إلى إعتبار علم الأخلاق علم معيارياً يدرس الأخلاق الأخلاق كما ينبغي لها أن تكون دون أن يعير الإهتمام لما عليه أخلاق الناس واضعاً بذلك القانون الذي يجب أن تسير عليه الإنسانية دون أن تحيد عنها ويمثل هذا الإتجاة الفلاسفة التقليديون أمثال ( أفلاطون و أرسطو).
وخلاصة ما تقدم :-
أن علم الأخلاق علم يوضح معنى الخير والشر وكذلك يبحث في السلوكيات العامة للفرد وللمجتمع وذلك من أجل وضع أخلاق عظيمة يسير عليها البشر فعلم الأخلاق يبحث فيما ينبغي أن تكون عليه أخلاق بني البشر .
ثانياً عرض موجز لمفهوم الأخلاق عند ديفيد هيوم :-
لم يقل الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم بأي مطلقات أخلاقية ثابتة كما أنه لم يسلم بأي أخلاق مستقلة عن ظروف الإنسان و دوافعة حيث أسس هيوم علم تجريبي للأخلاق وهو أمر مرتبط بتحليله للإنفعالات
ومبني على هذا التحليل ويمكن عرض أهم أسس فلسفة هيوم على الوجه التالي :
1- يوجد من بين الإنطباعات الفكرية عند هيوم إنطباعات عن اللذة والألم وهو يصاحب كل إدراكاتنا الأخرى وتأتي لدى هيوم العواطف والإنفعالات في الأهمية بعد اللذات والألام ومن ثم تأتي ظهور الأفكار كما أن العواطف المباشرة تنشأ عند هيوم مباشرة من إنطباعات اللذة أو الألم
مثل الرغبة والنفور والحزن و السرور والأمل والخوف اليأس.... الخ أما العواطف غير المباشرة فهي عند هيوم أكثر تعقيداً وترتبط بكيفيات أخرى متنوعة مثل الإعتداد بالذات والطموح والحب والكراهية والحقد....
الخ ويرى هيوم أن الإرادة البشرية ما هي إلا محصلة الإنفعالات والعواطف ولا يمكن لشئ أن يعوق أو يعارض دافع الإنفعال أو العاطفة سوى دافع مضاد وبالتالي ( فالذهن عنده لا يكون ولا ينبغي له أن يكون سوى عبد للعواطف ولا يمكن أن يزعم على الإطلاق أي عمل سوى أن يخدمها ويطيعها)
2- أما الفعل الخلقي عند هيوم فينشأ حين نتصور فعلاً ما بجميع علاقاته بمعنى أننا تقوم فينا عاطفة إقرار أو إنكار فنحكم على الفعل أنه خير أو شر لا لكونه كذلك في ذاته بل لنوع تأثرنا به كما أن الإقرار والإنكار لا يصدر عن الأنانية
والدليل على ذلك أننا نقر أفعالا لا تفيدنا شخصياً أو ننكر أفعالاً مفيدة لنا والواقع أن الذي يصدر أحكاما أخلاقية ينزل عن وجهته الخاصة ويتخذ وجهة مشتركة بينه وبين الآخرين فتجىء أحكامه كليه فأساس الأخلاق التعاطف أو عاطفة الزمالة أو الإنسانية وهي التي تحملنا على محبة الخير للناس جميعا
3- إن الأخلاق صادرة عن الغريزة ولذلك فإن أصول تلك الأخلاق واحدة عند الجميع لذلك يرى هيوم أن مفهوم العدالة لا يقوم على الدين أو ثقافة إنما على المصلحة الذاتية أي الإحساس بالمنفعة وتلك المصلحة هي التي تحدث ما يطلق عليه هيوم بالإلزام الطبيعي للعدالة.
4- إن الذي يسبب هذا الإلزام هو التعاطف فحتى عندما لا نقع تحت طائلة الظلم فإن ذلك ذلك يسبب لنا السخط والغضب و هذا لأننا ننظر إليه على أنه ضار بالنسبة للمجتمع وبالتالي إننا نشارك تعب الآخرين عن طريق التعاطف
وبالتالي فالأخلاق عند ديفيد هيوم إنفعالية لا تقوم على عملية إستدلالية منطقية وهي قائمة على المصلحة الذاتية محاطة أيضاً بتعاطف مع المصلحة العامة وبالتالي فهي وفق ديفيد هيوم ( إختراع ينشأ من ظروف البشرية وحاجتها)
ونود أن نوضح أن هيوم لا يقصد بكلمة إختراع أنها ذوق أو إختيار إعتباطي بل هي ضرورة تقتضي أمراً هاماً وهو علاج الأنانية البشرية والطمع كما أن الإخلاق عند هيوم لا تقوم على أسس دينية بل هو من دعاة إستقلال الأخلاق عن الدين.
5- ذكر ديفيد هيوم نوعين اثنين من القضايا الخبرية أحدهما القضايا التي تخبر عن الإله والثانية القضايا التي تخبر عن الإنسان حيث أن النوع الأول عنده يتضمن القضايا الدينية والنوع الثاني لا يتضمن هذه القضايا ويترتب على ذلك نتيجتان إثنتان عند هيوم :
أ- أصبح ديفيد هيوم يحصر الحكم الديني في الإخبار عن المغيبات كما يكون الحكم الطبيعي محصوراً في الإخبار عن المشاهدات و المحسات ووفقاً لهيوم لما كان الشئ الخلقي غير الشئ الخبري عنده فإن الحكم الديني لديه مستقل عن الحكم الأخلاقي.
ب - إن الأخلاق لديه تتأسس على الوجدان الإنساني وبالتالي يفصل بشكل مباشر بين الأحكام الدينية وتأسيس الأحكام الأخلاقية.
ثالثاً نقطة المركز ( نقد فلسفة هيوم الأخلاقية) :-
1- هيوم وسد الفجوة بين المعرفة والقيمة :
إن ديفيد هيوم حاول سد الفجوة بين المعرفة والقيمة وهي التي وضعها لوك بين المعرفة والقيمة
أي بين ما يكون وما ينبغي أن يكون إذا طبق المذهب الحسي بكامله حيث يرد الأخلاق والمعرفة إلى ردود فعل طبيعية من الإنسان إتجاه بيئتة
وكأنه يمهد الطريق لعلم نفس تطوري معاصر وإذا كان ديكارت و بعض الفلاسفة السابقين له قد تطرف في تصور الإنسان كجوهر عاقل يعقلن لهذا العالم من حول حتى المبادئ الأساسية فإن ديفيد هيوم قد تطرف في الجانب الآخر حيث ركز هيوم على في الفلسفة الخاصة به على الجانب الإنفعالي الحيواني من الإنسان
2- يقع ديفيد هيوم في خطأ واضح وهو إستبعادة أو إهمالة البعد الإجتماعي والديني في تفسير الأخلاق تحديداً فالإنسان كائن إجتماعي ينشأ في بيئة إجتماعية تسلم بأفكار معينة أساسية حيث لم يقدم هيوم دليلاً على أن فكرة تقديم الخير على الشر منبعها نفسي فقط
حيث نجد كلام هيوم مجرد سرد لا دليل عليه لأصل السلوك الإنساني وهناك مفاهيم عده تتعارض مع هذا التصور السيكولوجي البحت من ذلك مفهوم الإيثار البحت حيث نسمع عن أشخاص كثر قد قدموا تضحيات كثيرة جداً بدافع ديني و وطني دون إنتظار في ذلك لمصلحة مادية
وإذا أعتبر هيوم أن الدين والأخلاق هي غريزة سيقع في مغالطة وهي كيفية تفسير من ينحرف عن الأخلاق أو بمعنى أوضح كيف سيفسر الظاهرة الإجرامية ؟ لذلك فهذه مشكلة لدى هيوم يجب على كل باحث أن ينتبه لها.
3- إن إعتبار إعتبار الدين بمثابة نظرية في المغيبات ومحاولة إخراج الحكم الديني وإستقلالة عن الحكم الخلقي يقوم على تصور ضيق بل في غاية الضيق لمفهوم الدين إذ يجعلة أشبه بالنظرية
بينما الحقيقة أن الدين أشبه بالمؤسسة منه بالنظرية بل هو مؤسسة ومقتضى المؤسسة أن تكون مجموعة أحكام ومعايير تحدد كيفيات العمل من أجل تلبية حاجات معينة وبما أن الأمر كذلك لزم أن يتضمن الدين إلى جانب الأقوال التي تخبرنا عن الموجودات حسية كانت أو غيبية أقوالاً وجوبية
أو كتبية تحدد العلاقة بين هذه الموجودات وذلك جلباً للمنفعة ودفعاً للمضرة وتلك الأقوال الوجوبية التي تجلب النفع وتدفع الضرر
وتلك الأقوال الوجودية التي تجلب النفع وتدفع الضرر لا تكون إلا أقوالاً أخلاقية فيلزم أن يكون الدين أخلاقياً بقدر ما هو إخباري.
4- ليس هذا فقط بل إن الخبر في الدين هو متلازم للأخلاق أو يتبعا بعضهم البعض فحينئذ يكون حمله على وجه الإيجاب أولى من حمله على وجه الإخبار فضلاً عن أن الخبر قد يصرف في مقام معين من مقامات الكلام عن ظاهره فيكون في معنى الإيجاب
ولنضرب مثال على ذلك: ( إذا قال أحدهم الإله يأمر بأن أفعل ذلك) فليس المراد هنا هو إخبار غيره بواقع محدد هو وجود أمر إليه بفعل مخصوص حتى يحق للمخاطب أن يصدقه أو يكذبه لأنه يعرف أن هذا المخاطب عالم بأوامر الإله و نواهيه
وإنما المراد هو إستنهاض همته هو نفسه للقيام بهذا الأمر الألهي بحيث يسير وجود هذا الأمر هنا في معنى وجوب الفعل وعليه يجوز أن يفيد القول ( يأمر الإله) ما يفيد القول يجب أن أفعل هذا وهذا يثير أمر هام للغاية
وهي أن الأوامر الإلهية تمتاز بخاصية لا توجد في الأوامر الإنسانية وهي أنها أوامر مطاعة بالضرورة وأن مخالفتها هي مخالفة لأمر الإله كما أن وازع الضمير في حال ما تم مخالفتها يكون كبير إذا ما تم عمل مقارنة بينها وبين أي فلسفة بشرية.
5- وقع هيوم في مغالطة لا تغتفر حينما حاول أن يجلي الدين عن الأخلاق ويعتبرها في نطاق الوجدان الإنساني أو كما عبر عنها
( الحس الأخلاقي المشترك بين الناس) ونستند في إعتراضنا هنا على حقيقتين متعلقتان بالقيمة الخلقية وهما :
أ- الوعي بمصدر القيمة الأخلاقية يرجع إلى الدين
حيث أدعى هيوم أننا عندما نلاحظ أفعالنا و أفعال غيرنا نحكم عليها بناء على حس داخلي مباشر فنحكم بالحسن متى وجدنا اللذة ونحكم بالقبح متى وجدنا الألم بمعنى أن الحس الأخلاقي هو الأصل في نسبة قيم الخير و الشر إلى الأفعال الإنسانية ونجد من صفات هذا الحس عند هيوم ما يلي :
* أنه يباين العقل من جهة أن العقل لا يدخل في التحسين والتقبيح والمراد بالعقل عنده هو العقل النظري الذي لا شأن له بالحياة العملية
* أنه عباره عن إدراك وجداني طبيعي لا صناعة معه وعفوي لا تكليف فيه
* أنه بمثابة ذوق مشترك بين الناس جميعاً فيكون جانب منه تجربة جمالية
إننا إذا نظرنا إلى هذه الصفات التي يستند إليها هيوم سنجد أنها عين ما جاء الدين على وفقها وذلك بغرض حفظها في النفوس وتزكيتها وصرف أسباب الإنحراف والفساد عنها إنها تطابق السمات التي أبرزها الدين لنا وهي الفطرة
و إذا ما أردنا تعريف موجز للفطرة يعرفها لنا البروفيسور طه عبدالرحمن وهي ( عبارة عن شعور أخلاقي يولد به الإنسان في كمال خلقته) ولابد لهذا الشعور أن يكون تلقائيا لأن الإنسان مخلوق به و أن يكون جمالياً لكمال هذا الخلق وأن يكون عملياً لتعلقه بأفعاله.
وعندئذ سنكون أمام إفتراضين أما أن مفهوم الحس الأخلاقي لدى هيوم هو نقل مقصود لمفهوم الفطرة و إما ليس نقلاً مقصوداً له فإذا أخذنا الإفتراض الأول جاز أن يكون هيوم قد وقف على معنى الفطرة في النصوص الدينية سواء المقدسة أو اللاهوتية
حيث لا ننسى أن هيوم أشتغل طويلاً بمسألة الدين ولقد خصص لها مؤلفين
( التاريخ الطبيعي للدين - ومحاورات في الدين الطبيعي) وبالتالي عمد هيوم على إخراج هذا المعنى من منزلتة الدينية أو من معناها الديني إلى معنى آخر يوازي توجهه الحسي التجريبي
منطلق من فكرة العلمنة التي شهدت إنطلاقتها في هذه الفترة وبهذا يكون هيوم استمد من الدين الأصل الذي بنى عليه نظريتة في الأخلاق.
و إن أخذنا بالإفتراض الثاني وهو القول بأن الحس الأخلاقي ليس نقلاً مقصوداً للفطرة جاز أن يكون هيوم قد ظفر بهذا المفهوم أي الحس الأخلاقي في نصوص الذين تولوا الرد على الفلسفة الأخلاقية القائلة بأن الدافع الوحيد للأفعال الإنسانية هو حب الذات والمصلحة الذاتية
وقد أشتهر بها هوبز ومن بعده ماندفيل ونجد من بين الفلاسفة المناهضين لهذه النزعة الأخلاقية شافتسبوري وباتلر و هاتشيسون وأشهر هؤلاء الثلاثة كان جوزيف بالرياض والذي أحتاج هيوم أن ينوه عنه في كتابة رسالة في الطبيعة البشرية
قائلاً أنه واحد من الفلاسفة القلائل الذين لهم طريقة في تصور علم الإنسان لكن الذي يستوقفنا أن هذا الفيلسوف الكبير كان أيضاً رجل كنيسة وقضى وقتاً طويلاً للعمل بها وألف أهم الكتب للدفاع عن الوحي الإلهي في المعتقد المسيحي
ويجوز أن هيوم قد إستمد هذا المفهوم الأخلاقي من نصوص هذا الفيلسوف بحيث يكون نقلاً منه لمعنى الفطرة مع تبديل في المعنى وبذلك يكون هيوم قد استمد من الدين هذا المفهوم الذي بنى عليه نظريتة الأخلاقية أي أن الدين ملازم للأخلاق وليس كما يدعي هيوم.
6- إن الخبر في الدين لا ينفك عن القيمة الأخلاقية كما أن الفصل بين الخبر والقيمة في المجال الديني أمر مستحيل وذلك من وجهين :
أ- ليس الغرض في الدين تبليغ معلوم معين بقدر ما هو الإعتبار بهذا المعلوم أي أن الخبر في الدين هو آية قبل أن يكون حكاية ومقتضى ذلك أن مراد الدين ليس تبليغ معلومة وإنما البحث في مراد القائل وتطبيق هذا المراد
وبالتالي فإن القاعدة الدينية ليست مجرد قاعدة خبرية غيبية بل قاعدة خبرية لها قيمة خلقية مؤثرة.
ب - إن الخبر الديني ليس خبراً علمياً و إنما هو خبر عملي ذلك أن الدين لم يأتي لكي يعلم الناس ما يمكن أن يدركوه بآلاتهم وقدراتهم المختلفة التي خلقوا بها ولا أتى على نسق نظرية علمية حتى يجرى عليه وسائل التحقيق كما ظن البعض
وإنما أتى لكي يرشد الخلق إلى الطريق التي ينبغي أن يوجهوا بها عمل هذه الآلات والقدرات الإنسانية بحيث يعيش البشر حياة طيبة في العاجل وحياة سعيدة في الآجل وإذا ما ترك الأمر للذات البشرية دون توجيه فإنها ستطرق كل الأبواب وقد تفعل المضار في سبيل إسعاد نفسها
ولو على حساب غيرها ولا سبيل في توجيه تلك الذات ألا بجملة من القيم وهي التي يتولى الخبر الديني الإعلام بها أي تلك التي يتولى الدين تحقيقها وبالتالي فإن الخبر الديني مرتبط إرتباط وثيق بقيمة معينة.
7- إن إفتراض هيوم وجود حس خلقي منفصل عن الدين يبدو أنه ضرب من الخيال الجامح حيث أوهمنا أنه أهتدى لذلك بالعقل الفلسفي المحض بينما نرى أن هذا الأمر قد عرفه الدين من قبل كما أوضحنا بما يعرف بالفطرة
بل إنه بمنطق فكر هيوم ودعواه لا يمكن أن يصح ذلك فقد زعم بنفسه أن العقل لا يوصل إلى إدراك القيمة وطالما أن الأمر كذلك فكيف بعقلة هو يوصله حيث هكذا لن يستطيع إدراك مفهوم القيمة وكذلك مصدر القيم جميعها حيث أنه وفق له أن العقل لا يوصل
المراجع :-
1- سؤال الأخلاق: البروفيسور: طه عبد الرحمن: عالم الفلسفة والمنطق واللغة
2- الأخلاق بين الأديان السماوية و الفلسفة الغربية: الفيلسوفة : دكتورة كريمة دوز
3- تاريخ الفلسفة عرضاً ونقداً: الفيلسوف: دكتور رضا زيدان
@rattibha
t.me

جاري تحميل الاقتراحات...