16 تغريدة 55 قراءة Jun 03, 2021
علمنة الجريمة*
لفهم علمنة الجريمة لا بد أن نبدأ بتفسير ظاهرة الجريمة في المجتمع التقليدي، فهي غالبا جرائم تتم بدوافع إنسانية مثل الدفاع عن العرض أو الشرف أو الثأر أو الطمع أو الشراهة (وهذه كلها - بخيرها وشرها - أمور «إنسانية» متجاوزة للطبيعة،
1
وإذا كانت العلمنة هي فصل كل ما هو إنساني عن حياة الإنسان ونشاطاته، وتحييد المشاعر تماما بهدف الترشيد المادي،
فإنه يمكننا تفسير أغلب الجرائم التي ترتكب حاليا من منظور (العلمنة)
ولعل أول أشكال علمنة الجريمة هي الجرائم التي ترتكبها الدولة ضد الأفراد والجماعات،
2
فهي جرائم تتم بطريقة مؤسسية صارمة عن طريق قرارات يصدرها الخبراء. وتستند القرارات لا إلى معايير أخلاقية، وإنما إلى ما يتصور الخبراء أنه **صالح الدولة**
ضمن هذه العمليات (بالإنجليزية: euthensia) - حين تقرر الدولة التخلص من الأفراد الذين ترى أنهم عبء اقتصادي و لا نفع لهم
3
(كان النازيون يسمونهم «أفواه تأكل ولا تنتج [بالإنجليزية: useless eaters]».
والموظفون الذين يقومون بمثل هذه الجرائم (الموضوعية والعلمية والوطنية) لا يشعرون عادة بالذنب، فهم أولا لا يقومون بارتكاب الجريمة كلها، وإنما يؤدون جزءا منها وحسب.
4
فإنتاج سلاح يتم من عشرات الخطوات، ويشترك فيه آلاف العلماء والخبراء والفنيين والعمال، ولا يمكن تحديد مسئولية أي فرد منهم بالتحديد عن إنتاج هذا السلاح الخبيث.
كما أن الموظفين الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم (سواء الإبادة أو إنتاج الأسلحة اللازمة لها)
5
ينفذون تعاليم الدولة بإعتبارهم مجرد موظفين (وليسوا بالضرورة بشرا!).
بل إن رفضهم تنفيذ أوامر الإبادة أو القتل العلمي (على سبيل المثال) يعد جريمة يعاقب عليها القانون.
إن مثل هذا الموظف قد تمت علمنته تماما، فهو يقوم بواجبه بدون ضحك أو بكاء، فهو شيء بين الأشياء.
6
وفي معسكرات الاعتقال النازية، كانت تتم معاقبة الجنود الألمان الذين كانوا يضربون الضحايا المسوقين إلى الموت أو يسيئون إليهم، فالمطلوب منه هو أداء العمل بطريقة موضوعية رشيدة في إطار مرجعية مادية محايدة صارمة. وهذا الموقف، من قبل السلطات النازية ينم عن ذكاء علماني شامل شديد،
7
فالجندي الذي يركل الضحية بقدميه يكون بذلك قد عبر عن عواطف إنسانية سلبية، ولكنها «إنسانية» مع هذا.
ولذا، فإنه قد يقع في اليوم التالي في حب حسناء من بين الضحايا، وقد يشفق على طفل أو عجوز منهم، ومن ثم يصبح الجندي/الموظف، إنسانا مركبا
8
لا يمكن توظيفه داخل النظام الآلي بسهولة ويسر، وهذا يؤدي إلى الخلل!
ومن أهم أشكال الجرائم العلمانية أيضا ما يسمى (بالإنجليزية: perfect crime) وهي جريمة يتم تنفيذها بطريقة ممتازة، بحيث لا تستطيع الشرطة أن تعرف مرتكبها مهما حاولت.
9
يأتي بعد ذلك الجريمة التي لا دافع لها (بالإنجليزية: unmotivated crime) وهي جريمة يرتكبها المجرم بدون دافع وكأن عقله صفحة بيضاء، وهو مجرم محايد تماما لا يعرف الخير أو الشر أو الحب أو الكره ولا يلتزم إلا بشيء واحد: تنفيذ الجريمة وإثبات مهارته المطلقة.
10
ومع هذا، يمكن القول بأن هذا النوع من الجرائم ليس رشيدا تماما، فالمجرم يحاول إثبات شيء ما (مهارته المطلقة وكفاءته الفائقة)، كما أن الجرائم لها غاية وهي تسلية المجرم وقتل إحساسه بالملل.
ولعلنا نجد بغيتنا، أي الجريمة العلمانية الشاملة الكاملة،
11
التي تسم بالحياد الكامل، في «أرقي» أنواع الجرائم وأكثرها ترشيدا وهي الجرائم التي تأخذ شكل سلسلة من الجرائم يرتكبها قاتل يلتزم يقتل عند معين من الأشخاص لا يعرفهم ولا تربطهم أية علاقة به، ولكن هؤلاء الأشخاص لهم سمات معينة.
12
ويقوم القاتل بتنفيذ «جريمته» (إن صح التعبير) بطريقة معينة في وقت معين، ملتزما بمنطق رياضي صارم. ومثل هذا الشخص يسمى بالإنجليزية: serial killer
(و يمكن ترجمة هذا المصطلح بعبارة «قاتل المسلسل».
13
فقد لوحظ أن أحد القتلة من هذا النوع كان يقتل أفراذا مولودين في برج معين، ويقوم بتنفيذ جرائم القتل في أماكن مختلفة بحيث تشبه حركة القاتل من مكان لآخر حركة الأبراج السماوية
والمثال الأقرب لنا (كعرب) حينما يقتل شخص ما أعدادا كبيرة من الناس بأن يطلق عليهم النار *(من بعيد)*
14
كما تحدث الغارات في الحروب حاليا بإعتبار القاتل موظف لدى الدولة، هو شكل من أشكال الجريمة العلمانية
نحن لسنا من البلاهة بحيث نفترض أن هناك جريمة علمانية وجريمة إيمانية،
15
ولكن عرض مفهوم (العلمنة) هو بهدف تفسير الواقع المحيط، بإعتبار العلمانية ليست كما يروج لها بأنها فصل للدين عن الدولة وإنما فصل لجميع القيم الإنسانية والأخلاقية عن مجمل حياة الإنسان...
د.عبد الوهاب المسيري

جاري تحميل الاقتراحات...