Yassin Al-Haj Saleh
Yassin Al-Haj Saleh

@YassinHSaleh

7 تغريدة 6 قراءة Jun 02, 2021
حين يعسر عليك أن تتماهى مع أي من طرفَيْ نزاع يهمك، تشعر أن إدارة الظهر هي التصرف الحكيم. فهي ما يجنب المرء تجاذباً عاطفياً ووجدانياً مرهقاً، يفسد حياته ويغمرها بالغم والبؤس، وقد يميت قلبه في النهاية فيكره الجميع والقضايا جميعاً ونفسه أيضاً.
هكذا تسمّمنا القضايا المتحللة.
المشكلات التي لا تنحل تتحلل هي ذاتها، بل إن من لا يحل مشكلاته يتحلل هو أيضاً. الوقوف ضد الانحلال يقتضي وقوفاً في مواجهة الذات، فالعدو هو نحن، طرق تفكيرنا وسلوكنا وأخلاقياتنا، وبالخصوص رفضنا التأمل في أنفسنا.
ربما لا يوجد شعب وثني أكثر منا نحن العرب. نعبد «القضايا» كثيراً وبصورة مباشرة، بلا تأمل فيها وبلا تفكير. هذا يجعل منها قضايا مادية، اسمية، أصنام، لا أثر فيها للروح أو المعنى الذي يفترض أننا نعتنق القضايا هذه من أجله.
ولا تتعارض عبادة القضايا مع كونها في الواقع مطايا لأصناف من تنابل السياسة والثقافة نحو أصناف رخيصة من «العلياء». وكلما كانت القضايا مقدسة أكثر كانت أنفع في «جلب الدنيا إلى الرؤساء» على قول المعرّي قبل أكثر من ألف عام.
ومن سمات عبادة القضايا توسلها لتعريف الأطراف والمعسكرات. فنحن لا نوالي قضايا لسمو معناها الأخلاقي، بل لأنها الأنسب لتعريفنا وتمييزنا عن غيرنا. نحن المسلمون الحقيقيون أو الوحيدون، هم كفار؛ نحن القوميون الأصلاء، هم خونة؛ نحن الشيوعيون الثابتون على المبدأ، هم متلونون.
ومن سمات عبادة القضايا أيضاً التعصب، فهي علاقة اجتماعية تربط المعتنقين بصنمهم، وتصنع منهم هوية أو «أمة» أو «ملة ناجية»، تنتصب ضد هويات وأمم وملل وطوائف وأحزاب تشبهها شبه التوائم. غاية ما يتحقق على يد عبدة القضايا تبديد حياة آلاف الناس طوال جيل أو أكثر من سؤددهم الكالح.
تحطيم الأصنام يقتضي جهداً ثقافياً وروحياً، أوله الإقرار بأننا أسوأ حلفاء لأنفسنا وأفضل حلفاء لأعدائنا. بدلاً من نفي العالم، يتعين أن نتوجه إلى نفي ذاتنا الوثنية.
والطاقة التي نستهلكها في رفض العالم قد يمكن تحويلها إلى أساس لأخلاقية إنسانية، تقر المساواة والحرية للناس جميعاً.

جاري تحميل الاقتراحات...