مُــتــأمّــلٌ
مُــتــأمّــلٌ

@maradona2214

29 تغريدة 40 قراءة Jul 08, 2021
١_نظرًا لارتباط كلمة "الحضارة" عند الكثيرين بأمور لا علاقة لها بالمفهوم، أحببت أن أكتب هنا ما يجول في الخاطر حول مفهوم الحضارة:
٢_الحضارة تقوم على الإشباع، الإشباع الروحي (الإيمان والفن)، والعقلي (العلوم والفلسفة)، والجسدي (الغذاء والأمن)، وتقوم أيضا على (القيم والأخلاق).
٣_الحضارة لا تُختزل بالتقنية، هي إطار أوسع، تدخل فيه الأخلاق والمفاهيم، والتنظيم، والقوانين، وطرق الإدارة، ودعم التعليم والبحوث، وتسخير التقنية والطبيعة لخدمة ساكن الطبيعة.
٤_وهناك عوامل ذاتية وخارجية لتكوّن الحضارة، الإسلام مثلاً دين يحمل مقومات ذاتية من قيم وأفكار ونُظم جعلته يتمدد، وكانت الفتوحات عامل خارجي. والحضارة الغربية تحمل مبادئ وقيم وأفكار ونُظم، شكّلت الثورة الصناعية وفرضت نفسها بالقوة الناعمة والخشنة على العالم.
٥_الحضارة بناء متكامل، روحه هو الإنسان الحر المبدع، ولو كانت الحضارة عمراناً لدخلت الإمارات الحضارة ببرجها وأبنيتها، لو كانت الحضارة سلاحاً لدخلت الهند بسلاحها النووي.
٦_حتى اليابان لا تلمس فيها روح الحضارة لأن الإنسان فيها مجرد آلة للإنتاج، يُقهر فيها المجتمع والفرد، ويجعل جميع الأفراد نموذجا نمطيا واحداً، الحضارة الحقة المؤثرة هي تلك التي عمادها الإنسان الحر، الإنسان لا الآلة!
٧_الحضارة الإنسانية ككل حضارة تراكمية، كل حضارة أخذت من إرث حضارة سابقة لها، ولا يمكن أن تشق حضارة ما طريقها من العدم، إلا على سبيل الادعاء والاستعلاء كما يصف بعض الأوروبيين نشأة حضارتهم بـ"المعجزة اليونانية"، ويدعون أنها أصل وأساس كل تفكير فلسفي وعلمي.
٨_بالمناسبة هناك كتاب للمؤرخ الأمريكي جورج جيمس عنوانه "التراث المسروق" يدعي فيه أن الفلسفات اليونانية ليست سوى فلسفة مصرية مسروقة!
ومع أن هذا القول يبدو مجحفاً، إلا أنه ما من شك أن اليونان استفادوا من الحضارات الأخرى ولم يكن ظهورهم على سبيل المعجزة.
٩_الحضارة الإسلامية استطاعت امتصاص نقاط القوة عند الحضارات المعاصرة لها ثم راكمت فوقها الكثير، وجاءت الحضارة الغربية الحديثة فاحتوت منتجات الحضارة الإسلامية ثم راكمت فوقها الكثير، وأي حضارة حديثة لا يمكنها أن تقوم بدون المرور على حضارة الغرب واستيعابها قبل إنتاج ما هو جديد.
١٠_إذن، الحضارة تراكم معرفي، واللاحق يستفيد من السابق، وهذه طبيعتها. ومن الخطأ الإنكار على حضارة كون أن غيرها بدأ من الصفر، لأن هذا فهم مغلوط ناقص للحضارة.
١١_أفضل من كتب عن تأثير علوم الحضارة العربية الإسلامية في النهضة الأوروبية هو البروفيسور الأمريكي من أصل لبناني جورج صليبا، وهو أستاذاً في العلوم العربية والإسلامية في جامعة كولومبيا في نيويورك، في كتابه "العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية".
١٢_قدّم جورج صليبا تفصيلاً دقيقاً، لم اقرأ مثيلاً له عن تأثير علوم الحضارة الإسلامية في النهضة الأوروبية، كما يظهر خصوصاً تأثير علم الفلك الإسلامي، واستخدام النماذج الرياضية في تكميم حركة الأجسام عند ابن الشاطر والطوسي على كوبرنيكوس.
-د.عزمي بشارة-
١٣_إن حضارة إسبانيا العربية، القريبة منا حقاً، المتحدثة إلى حواسنا وذائقتنا أكثر من روما واليونان، قد كانت عرضة لدوس الأقدام لماذا؟ لأن تلك الحضارة استمدت نورها من غرائز أرستقراطية، غرائز فحولية، ولأنها تقول نعم للحياة، إضافة إلى طرائق الرقة العذبة للحياة العربية.
-نيتشه-
١٤_لا تقوم حضارة في التاريخ يصح أن يطلق عليها عالمية بدون هذا الإيمان بكونية قيمها ودورها الحضاري، ما منع الصين من احتلال مسرح التاريخ هو التجرّد من هذا الطموح، وعدم الإيمان بكونية القيم، وهذا متجذّر إلى اليوم في الضمير الثقافي الصيني، وتستعيض عنه بالإيمان بكونية السلعة والتجارة=
١٥_أما الغرب فخلف شعارات التنوع والحريات يستقر هذا الإيمان بصلاحية قيمه وتراثه التنويري وعالمية مقاييسه وكونية أسئلته واجاباته، ويتخذ من شعار النسبية ذريعة لإحباط طموح أي أمة لديها تطلّع إلى عرض ما تختزنه من معارف ورؤى ومقاييس حضارية=
١٦_النسبوية شعار يستعمله الغرب الثقافي في مواجهة ذاكرة المسلمين من خلال مناهج الاستشراق والتاريخانية وأنسنة التراث، والخلاصة المستصفاة منها ترسيخ ارتهان القيم والمصادر المرجعية بسياقها التاريخي وتفاعلها المحلي والجماعي، واستحالة البناء عليها وتقديم الحلول والقيم للإنسانية.
١٧_لا يمكن إثبات عظمة حضارة ما بالاستشهاد بإنجازات أفراد منتمين لها، فالتميز الفردي موجود في كل زمان ومكان، أما الحضارة فيحكم عليها من خلال تأثيرها على الناس بمجملهم في مجالات السياسة والحقوق والاجتماع والفنون والعلوم والعمران.
١٨_في العصر الحديث لا يمكن إنتاج حضارة إلا بثمن إنساني هائل من عبودية وطغيان وأوضاع مختلّة منافية للعدالة، أغلب ما يصل إليك اليوم من منتجات استهلاكية منقوع بعرق معاناة إنسانية فادحة، وطحن أليم لبشر وعمالة تحيا بلا أمل بالخلاص والشبع والكفاية=
١٩_اقرأ عن العمالة المسخرة في أفريقيا وبلدان شرق آسيا في آلة الشركات الكبرى كآبل وغيرها، في فيتنام ينتحر كل يوم عامل بمصنع آيفون.. انها لعنة الحضارة ونكد الدنيا.
٢٠_من الأشياء التي لاحظها المؤرخ الأمريكي ول ديورانت صاحب موسوعة "قصة الحضارة" أن انطلاق أي حضارة قوية يتم بالتوافق مع اختلاط الأنساب بين الأعراق والقبائل المختلفة، اختلطت أنساب الساميين والأرمن مع الأحباش والنوبيين، فأنتجت جيل عظيم قاد لتكوين المملكة الفرعونية العظيمة=
٢١_اختلطت أنساب العرب بالكرد والبربر وغيرهم، فأنتجوا دول عظيمة، واختلطت أنساب الدول الأوروبية جميعها في أمريكا، فأنتجت الدولة الأمريكية العظيمة التي تحكمنا اليوم. وعند الدول والحضارات المتخلّفة، تكثر زواجات الأقارب.
٢٢_بناء الحضارة يتطلب عمل وجهد، وهناك معوقات كثيرة تقف أمام العرب -والخليجيين خاصة- تحول بينهم وبين بناء حضارة حقيقية تقوم على الإبداع والإنتاج، أول هذه المعوقات هو الثقافة السائدة، وثانيها هو الجغرافيا والمناخ!
٢٣_دائماً ما نغفل عن تأثير الجغرافيا على حياة الإنسان في العصر الحديث، لقد أعمتنا مبردات الهواء عن رؤية التأثير الحقيقي للمناخ والموارد الحيوية على سلوك الإنسان، وأغفلنا سبب قيام الحضارات على مدار التاريخ في المناطق الخصبة ومعتدلة المناخ.
٢٤_يرى "ادغار موران" أن التقدم الحضاري اليوم يعيش أزمة ليس في الوحشية الذي كان يزعم أنه في طور القضاء عليها، بل في الوحشية التي انتجها هذا التقدم الحضاري ذاته، فالحضارة الحديثة بحسب موران لم تفشل في تقليص الأشكال القديمة للوحشية بل ايقظتها واقترنت بها.
٢٥_إن تلك الوحشية كانت أحد مظاهرها النازية التي لفظتها الحضارة الرأسمالية كما يرى تروتسكي، فالنازية هي ذروة التوحش واللاعقلانية التجريبية المتمثلة في الإبادة ومعسكرات الاعتقال والتوسع الحيوي، وبحسب "ديزموند موريس" لم تقم الحضارة على ضبط الجانب الغريزي للإنسان.
٢٦_بل أنه لها جانب حيواني غريزي في صميم بنيانها، وفي ذلك الجانب الحيواني يأتي مفهوم "اريك فروم" عن (العنف الغائي) الذي يحكم كل فرد وجماعة بشرية، ولكن يتعقد (العنف الغائي) أكثر مع التقنية من حيث قدرتها على إظهار أشد اشكال التوحش في العنف.
٢٧_فلقد تعقدت أدواته وأصبحت أكثر تدميرية مع العلم الحديث الذي لم يستكشف الإنسان بحسب "ليفي ستراوش" بل قام بتفكيكه، إن الوحشية التي يتحدث عنها "ادغار موران" هي نتاج للعقل الأداتي الذي يهتم بالوسائل دون الغايات فمن حيث تحويل الإنسان لمادة استعمالية.
٢٨_توظف اما كطاقة انتاجية وإما (طاقة قتالية)، ومن حيث تحويل الطبيعة من مجموع آيات ومشاهد هداية إلى مستودع الذي يرى به "فرانسو ليوني" المبدأ الذي يحكم البرنامج الحداثي الانتحاري المتمثل في (السيادة على الطبيعة).
من فضلك رتب مشكور @rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...