لقد ميز الله أهل البصائر والإيقان من الذين في قلوبهم مرض وضَعْف إيمان، ورفع أقواما إلى الدرجات العالية؛ كما خفض آخرين إلى المنازل الهاوية، والناس متفرقون ما بين شقي وسعيد، ولقد كانوا قبل هجرة المصطفىﷺ إلى المدينة إما مؤمن وإما كافر، ولم يكن فيهم صنف متذبذب بينهما.
ولما استقر رسول الله صل الله عليه وسلم في المدينه صار الناس ؛ إما مؤمن مجتهد في نصرة الدين، وإما كافر مظهر للكفر وعداوة أهل الإيمان، وإما منافق ظاهره الإسلام وباطنه الكفران.
وقد حذر الله في كتابه من النفاق ومن صفات المنافقين في أكثر من ثلاثمائة آية، في سبع عشرة سورة، وأفرد لهم سورة كاملة في القرآن؛ حتى قال ابن القيم: "كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم"
وإن بلية المسلمين بالمنافقين شديدة ينتسبون إلى الإسلام وهم أعداؤه، محتارون في معتقدهم بين التصديق والتكذيب، يطلبون الدنيا مع الكافرين أو المؤمنين، ليسوا بمسلمين مخلصين ولا بمشركين مصرحين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين
أقبح القلوب وأخطرها على المجتمع قلوب أهل النفاق؛ لأنها تبغض التعايش مع الحق والحقيقة فيكذبون ظاهرا وباطنا 👈(والله يشهد إن المنافقين لكاذبون).
عجبا لمن يصدق منافقا أو ينخدع بدعواه وقد شهد الله بكذبهم "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" فهل بعد شهادة الله شهادة !
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة".
لقد هتك الله أستار المنافقين وكشف أسرارهم للمسلمين ليكونوا منهم على حذر؛ فقولهم يخالف فعلهم، آراءهم في كيد الإسلام وأهله، يفسدون في الأرض وينافحون عن فسادهم بدعوى الصلاح والإصلاح، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)[البقرة:11]
كيف يكونون هؤلاء المنافقون هم المصلحون وهم صم بكم عمي قد نهكت أمراض الشهوات والشبهات قلوبهم، دأبهم السعي لوقوع المنكرات وفشوها في المجتمعات، ويمنعون الخير والإصلاح فيها، ويبغضون شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن يقوم بها ويعادونه
لذلك يقول الله -عز وجل المنافقين -: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ)[التوبة:67].
ويلقبون أهل الإيمان بأقبح الصفات، ويسخرون منهم ويتربصون ويهزؤون بهم، قالوا عن المؤمنين إنهم سفهاء، ولكن الله حصر السفاهة فيهم فقال: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ)[البقرة:13].
من اوصاف المنافقين والمنافقات إن أصاب المسلمين خير أسفوا وإن أصابهم بلاء فرحوا، متسمون بالكبر والغرور، يصدون وهم مستكبرون، متصفون بالعجب بذواتهم واحتقار غيرهم، (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)[المنافقون:8].
عهود المنافقين والمنافقات غادرة، ومواثيقهم منقوضة، ووعودهم مخلفة، وأماناتهم خائنة، ومخاصماتهم فاجرة، يخون أحدهم صاحبه أحوج ما يكون إليه، لا ذمة لهم ولا أمان، فلا تثق بعهودهم ولا تطمئن إلى وعودهم
قال صلى الله عليه وسلم عن صفات المنافقين -: "إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر".
المنافقين والمنافقات أخلب الناس ألسنة وألطفهم بيانا، وأعسلهم مقالا، وأخبثهم قلوبا، يصورون الباطل بصورة الحق إذا سمعهم السامع يصغي لقولهم قال تعالى: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)[المنافقون:4]، ولكن أجسادهم خواء (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)[المنافقون:4].
المنافقين يزدرون الآخرين في مخاطباتهم، فأقوالهم في المجالس كاذبة، وربك شهيد عليهم بذلك قال -عز وجل-: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)[المنافقون:1]؛ بل ويؤكدون كذبهم بالأيمان الفاجرة الآثمة، قال الله عنهم: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
المنافقين حالهم في الأمن علو ألسنتهم بالقول العنيف بألفاظ متنوعة شديدة مؤذية على الدين وأهله، وعند البأس هم أجبن قوم وأخذلهم للحق
يقول -تعالى عن المنافقين -: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ)[الأحزاب:19].
المنافقين شأنهم الخوف والفزع، يحسبون كل صيحة عليهم، يبادون إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن، وفي الإنفاق عباد للدنيا، أبخل الناس في بذل الخير، أيديهم شحيحة عن البذل والعطاء، لذوي المسكنة والفقراء
المنافقين أخبث بني آدم، وأقذرهم وأرذلهم، آذوا رسول الله ﷺ وأصحابه فعابوا على رسول الله ﷺقسمته،وسخروا بصحابته وهزئوا بالمتصدقين منهم، ورجع رأسهم عبدالله بن أبي يوم أحد بثلث الجيش والمسلمون في أحوج ما يكونون للعدد والعدة،وهموا بالفتك بسيد البشر في ظلماء الليل في غزوة تبوك"
يقول ابن كثير عن المنافقين : "لم يسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال".
ليس للمنافقين في عبادتهم قدم صحيحة، ولا همة في العمل عالية؛ فأشرف الأعمال وأفضلها الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى، لا نية لهم لله فيها ولا إيمان لهم بها، صلاة أحدهم صلاة أبدان لا صلاة قلوب .
يقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "تلك صلاة المنافق، يظل يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (رواه مسلم)، وذكرهم لربهم قليل (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)[المجادلة:19].
جاري تحميل الاقتراحات...