عبدالهادي الجميل
عبدالهادي الجميل

@AbdulHadiAlgmil

26 تغريدة 109 قراءة May 28, 2021
روبابكيا
🔞
يقول:
كان عمري 15 سنة تقريبا عندما عرض عليّ أخي الأكبر(كان عمره آنذاك 33 سنة)السفر معه للقاهرة كمكافأة لنجاحي بالمدرسة.
في تلك الفترة(بداية الثمانينات) كانت علاقة الدول العربية بمصر في غاية السوء بعد قيام الرئيس السادات بعقد اتفاقية كامب ديفيد
مع الصهاينة، وكانت الصحافة الكويتية تهاجم نظام مصر والصحافة المصرية ترد بالمثل.
نزلنا قاهرة المعز لدين الله. ومن المطار اتضح لي استحالة بناء علاقة ودية بين مصر وبين أخي بسبب حدة مزاجه وعصبيته المفرطة.
كره أخي مصر منذ النظرة الأولى. وهذا الأمر أدّى إلى كثرة تنقّلنا وتغيير أماكن
سكننا بين شقق وفنادق مصر الجديدة. فما أن نسكن في مكان ما، حتى يجد سببا للشجار مع أصحاب المكان أو البوابين أو سواقين التكاسي أو المارة أو الشغّالات أو أصحاب الدكاكين أو موظفي الفنادق بل وحتى باعة الروبابكيا! ومرتين شفته يتهاوش مع طوب الأرض عندما فشل في افتعال شجار مع بني البشر!
عشت، بسبب ذلك، في ضغط نفسي كبير.
كنت، كأي مراهق خليجي، أمنّي النفس بلقاء فتاة مصرية كنجلاء فتحي أو ميرفت أمين أو حتى نوال أبوالفتوح، أتبادل معها الحب والغرام ونحن نأكل الجيلاتي في"چروبي" أو نشرب عصير "الليمونادة"على طاولة مطلّة على نهر النيل كما في الأفلام المصرية، لكن كل ذلك
أصبح بعيد المنال، فاضطررت، لأول مرة في حياتي، لمناقشة أخي الذي كان ينظر لي، دائما، كطفل لا يكبر.
طقّيت باب غرفته، فطلع لي.
استجمعت شجاعتي وقلت:
حنا جايين نتهاوش مع المصريين؟
ترى أنا شبعان من الهوشات في سكيك الرقة وبرايحها.
قال باستغراب: اشـ ناقصك هنا؟
قلت: ياخوي انا ما شفت شي من
مصر، كل ما طلعنا تهاوشنا ورجعنا، واذا سكنّا في مكان طلّعت فيه ألف عذروب لين نطلع منه. صار لنا اسبوع تنقّلنا خلاله في 5 أماكن! ياخوي أنا شلت شناط في هالاسبوع أكثر مما شاله حمّالين مطار القاهرة في شهر كامل!
قال: انا وعدتك أجيبك القاهرة وهذا انت في القاهرة.. شسوي لك بعد؟
قلت: أي قاهرة؟ حنا شفنا شي من القاهرة؟ لا رحنا كازينو النيل ولا الأهرام ولا الكباريهات حتى ملاهي كوكي بارك ما رحنا لها.
بعدين انت ليش كله حابس نفسك بغرفتك ومخليني طول اليوم أحوس بالصالة بروحي؟
فكّر قليلا ثم تنحّى عن الباب وطلب مني الدخول، فوجدت، بجانب سريره، عدة زجاجات خضراء
فارغة وواحدة نصف ممتلئة.
قلت: هذي وشهي؟
قال: بيرة ستيلا.
قلت: خمر؟
قال: لا، بيرة.
قلت: إيه، يعني خمر.
جرّني من ياقة قميصي الكاروهات الأخضر نحو الباب وقال: اطلع اطلع، ما تنعطى وجه، اطلع.
قلت: خلاص خلاص، بس خلني أقعد عندك.
قال: تبي تشرب؟
قلت على الفور: لا، أبي بنات.
ابتسم في وجهي
فابتسمت في وجهه وقلت له: اللي يصير في القاهرة يبقى في القاهرة.
شعرت بأن الميانة قد طاحت بيننا أخيرا ولم يعد أخي ذلك الشخص المخيف.. أصبح مجرد رفيق سفر آخر.
قال: خلاص، بكرة نروح فندق اسمه الشيراتون على النيل قالوا لي انه أحسن فندق في القاهرة.
قلت: فيه بنات؟
قال: فيه كل خير.
قلت:كفو
قمت على الفور وفتحت دولابه وقعدت أجمّع ملابسه وأرتبها في الشنطة. وانا اقول: اشحقه بكرة؟
قال: بكرة أحسن.
قلت وأنا منهمك في إغلاق شنطته: لا لا، الحين الحين، مشينا بس.
بعد ساعتين كان كل واحد منا في غرفة منفصلة في الشيراتون(لست متأكدا الآن هل كان شيراتون القاهرة أو شيراتون الجزيرة)
كان الفندق، بدافع الجذب السياحي، قد وضع دولفين في حمّام السباحة. وكان ودود جدا مع البشر، فما أن يقترب أحد من حمام السباحة حتى يأتي إليه الدولفين ويسمح له بالتربيت على جلده اللامع والتصوير معه بمقابل مادي.
أمّا ليلا، فقد كان الفندق يقيم سهرة غنائية بجانب حمام السباحة، تبدأ في وقت
متأخر. ولأنني أزاول أنشطتي السياحية نهارا، بعكس أخي، فقد كنت أنام مبكرا قبل أن تبدأ السهرة التي واضب أخي على حضورها كل ليلة.
في إحدى الليالي طلب مني مرافقته للسهرة، فقاومت النعاس حتى حان موعدها. لاحظت الحفاوة الشديدة التي قوبلنا بها من طاقم الضيافة ومن مدير المكان.
كانت طاولتنا
أهم طاولة في السهرة، امتلأت بأصناف السلطات وكأس كان مزاجها خمرا. وكان يقف وراءنا جرسون مخصّص ومفرّغ لخدمتنا فقط، فشعرت بالزهو والخيلاء.
بدأت الحفلة بالموسيقا الشرقية، ثم دخل مطرب بدا مألوفا لي لكني لم أتذكّر اسمه. وفجأة أخذت الأضواء الملوّنة تتجول في المكان بشكل خاطف وبدأ المطرب
والموسيقا في تحفيز الجمهور تمهيدا لأمر وشيك الوقوع ثم انشقت الأرض عن امرأة لا يستر جسدها البض إلّا طبقة رقيقة جدا من الشيفون وأخذت تركض في أنحاء المكان بخفة بالرينا ثم هتف المطرب:
أقدم لكم ملكة الـ.... وضاع صوته وسط الموسيقا وصيحات الجمهور الذين هبّوا واقفين على أقدامهم وهم
يصفقون بحماس وكان أخي أولهم فقد وضع سيجارته في فمه ووقف يصفّق فقمت بدوري أصفّق، وأخذت الراقصة فارعة الطول تدور وتدور وتدور ونحن نصفق ونصفق ونصفق إلى ما لا نهاية، فصرخت في أخي:
هذي منهي؟
توقف عن التصفيق ليضع السيجارة في المنفضة ثم عاد للتصفيق وصرخ:
ما عرفتها؟
قلت: لا.
قال: ما شفتها بالتلفزيون؟
طالعتها وقلت: شويكار؟
قال: لا. شويكار هالطول وهالزين؟
قلت: هياتم؟
قال: لا.
قلت: نادية الجندي؟
قال: لا.
قلت: تعبت.. متى بنقعد؟
قال: اصبر شوي الحين بتسوّي حركة الكهربا وبعدين نقعد.
قرّبت الرقّاصة من طاولتنا وشفتها تضحك وتغمز لأخوي ثم قامت ترتجّ
بمكانها، وكان كل شي فيها يرتج ثم رفعت يدها فوق ودنقت للجمهور بمنتهى الليونة.
فضجّ الناس بالتصفيق الحماسي لدقيقة إضافية ثم خفت التصفيق.
قال أخي: شفت نجوى يوم غمزت لي؟
قلت: إيييه، بس ترى هي غمزت لأهل باقي الطاولات.... هذي نجوى فؤاد؟
لم تعجبه إجابتي فتجاهل سؤالي ومد يده للكأس وعبّ
نصفه في جوفه.
لاحظ أنني أطيل النظر إليه وإلى الكأس، فقال:
اشرايك تجرّب كاس واحد؟
لم ينتظر إجابتي وخلال لحظات كان الكأس في يدي، تشمّمته فلم تعجبني رائحته، تذوقته ولم يعجبني مذاقه.
وضعته من يدي ودفعته برفق الى منتصف الطاولة وأكلت من السلطة لطرد رائحته ومذاقه.
قام أخي بمزج الخمر
ببعض البيبسي ثم طلب مني تذوّقه مجددا.
كان مذاقه معقولا هذه المرة، فشربته. ثم عدت لتناول السلطة. ولم يكن كأسي يفرغ أبدا بفضل الجرسون المخلص الواقف على رؤوسنا.
بعد ساعة تقريبا.. كانت نجوى فؤاد تدور حولنا، والأضواء تدور حولنا، والقاهرة تدور حولنا والدنيا تدور حولنا وأصبح العالم حلقة
رقص صوفية، فاستأذنت من أخي للذهاب للنوم وغادرت الطاولة مترنحا، فمررت بحافة حمام السباحة، فانطلق الدولفين نحوي كالمعتاد، فقررت مداعبة هذا المخلوق اللطيف، انحنيت قليلا كي أمد يدي إليه فشممت رائحته وهاجت معدتي المثقلة بالخمور والأكل، وفي لمح البصر كان كل ما في جوفي قد اندفع من فمي
وغمر وجه الدولفين وزعانفه.
صرخ أحد عمّال المكان والتم الناس حولي ولم أكن أعي ما حدث، فالدنيا كانت ما تزال تدور.
استيقظت عصر اليوم التالي لكني لم أستطع مغادرة سريري، تناولت بعض الأكل الذي وجدته بجانبي.
ثم نمت مجددا. أيقظني أخي في الصباح التالي وكان يلوّح بجريدة في وجهي وهو يضحك
ويقول:
ما لقيت إلّا الدولفين؟
ناولني الجريدة وأشار إلى خبر في إحدى الصفحات الداخلية مكتوب باللون الأحمر المميز:
شاب كويتي يتحرش جنسيا بدولفين الشيراتون!
التفتُ مرعوبا الى أخي وقلت:
عسى مب صحيح؟
قال بتهكم: مادري، انا شفتهم سادحينك على الأرض والدولفين المسكين، على غير العادة، منحاش
الجهة الثانية من حمام السباحة. والله أعلم اشسويت له!
قلت: وانت يدش بمخك.. أعاف نجوى فؤاد وأروح أتحرش بدولفين؟
قال: انا ما أبخصك عدل. يمكن انت من اللي يهوون الجنس مع الحيوانات أو يمكن بسبب تأثير الخمر اعتقدت انه حورية بحر.
عموما الموضوع خلّصته مع إدارة الفندق، بس اشترطوا انك
ما تقرّب صوب حمام السباحة لأن الدولفين مصاب بصدمة وما عاد ياكل ونفسيته صارت سيئة جدا وصار يكره البشر.
قلت: هو ذكر ولّا أنثى؟
قال: لا، ذكر.
قلت: بعد؟ يعني حتى لو بصحّح غلطتي ما يصير!
احجز لنا عودة بأسرع وقت قبل لا يدري مفيد فوزي بالسالفة ويحوّلها إلى
قضية رأي عام ويستغلها بالهجوم على الكويت ويفضحني.
ومثل ما اتفقنا: ما حدث في القاهرة يبقى في القاهرة إلى الأبد.
@rattibha 🙏🏽

جاري تحميل الاقتراحات...