12 تغريدة 169 قراءة May 30, 2021
لابد أن أحكي تجربتي الروحانية العجيبة التي عملتها. في أسبوع واحد قرأت المعجم العظيم "مقاييس اللغة" لابن فارس. كل يوم كنت أجلس من الساعة ١٢ ظهرا إلى ١٢ ليلا. والمعجم قد أُلِّف على طريقة فريدة. فيُذكر الجذر ومعناه العام ثم مشتقاته البارزة. وجذور اللغة العربية ١٦ ألفا في ٢٨٠٠ صفحة.
وأنا أقرأ في العربية من صغري. مثلا قرأت كتاب الحيوان للجاحظ مرارا. غير أن ما غمرني كان شيئا لم أعهده قط. كأني وقعت في فجوة زمنية رمت بي إلى أيام العرب القديمة. وإذا الصحراء والرمل المستدق والخيمة والإبل والهودج وحفر الآبار والكظائم والنخلة وشماريخها والمجرة والمعرة وإنباض القوس.
وما غمرني من ذلك الشعور كان عرَضا نتج من قراءتي. إذ كان قصدي شيئا آخر. وإنما أردت أن تزداد معرفتي بالعربية. هل تقدر على مجاراة عصرنا ومصطلحاته!؟ ومع أني لم أكن أشك في القوة الهائلة للعربية إلا أني أردت أن أتعرّف أكثر. فلنقل إلى أي حد يمكن للعربية أن تجاري عصرنا؟ وهذا ما وجدته.
العربية عبارة عن خزائن. الآن أفهم ماذا يقصد بكنوز العربية كل الفهم. فالعربية لها مناجم هائلة من الجذور والألفاظ في مادتها الخام. ليس هذا فقط. فقد وجدت أن ترتيب هذه الجذور أمرا محيّرا وإعجازيا. كأن أحدا أو لجنة قد اجتمعوا فوضعوا ترتيب هذه الألفاظ. وهذا مما قصده ابن فارس بالمقاييس.
وكثيرا ما يقال أن العربية واسعة المعاني. وهي كذلك حقا. فالجذور الأولية تشتمل من المعاني الدقيقة ما لا يُحصى كثرة. وأضرب مثلا معنى التجمع: كتل وكوم وحزم ورزم وركم ونضد وكدس ورصف. فلكل واحد من هذه الجذور معان دقيقة مع اشتراكها في أنها تدل على التجمع. فما بالك بما يتفرع من مشتقاتها!
ثم أنه لم يسئ إلى العربية أكثر ممن يدافع عنها فيقول مفاخرا: العربية وضعت للأسد ٥٠ لفظا وللإبل ٧٧ لفظا! وهذا يصوّر العربية على أنها لغة متخلفة ومحدودة بالزمان والجغرافيا والبيئة الصحراوية. وهذا ما فعله علي الوردي في كتابه التافه "أسطورة الأدب الرفيع". وهذا كله هراء وسوء فهم.
وإنما ألفاظ اللغة العربية هي جذور تدل على معان عامة مما يجري عليه العقل البشري. ثم يتفرع عن كل جذر عشرات المشتقات. ومثاله: جذر (شجر) يدل على التداخل. فمن مشتقاته النبات لتداخل الأغصان. والمشاجرة: المنازعة لتداخل الأيدي. والمِشْجَر: المِشْجَب لتداخل عيدانه.
أما أسماء الحيوان فإنما هو وصف لها بما يدل عليه جذر الوصف. فالجذر كان مستعملا من قبل أن يضعوه لوصف الحيوان. فمثلا من أسماء الإبل السلوف. وهي الناقة في أوائل الإبل إذا وردت الماء. وهذا وصف مشتق من الجذر سلف الذي يدل على التقدم والسبق. ومن ذلك السلَف الجماعة المتقدمون وأسلف المال.
ثم وجدت شيئا مذهلا! وهو أن هذه الجذور الأولية تشير إلى المفاهيم الأساسية التي ننظر بها إلى العالم من حولنا مما يجري عليه العقل الإنساني. فما دام عقل الإنسان يعمل بهذه المفاهيم وجدنا من الألفاظ واشتقاقاتها ما يشير إلى هذه المفاهيم. فلن نأتي بمفاهيم من المريخ تغير بنية دماغنا مثلا.
قلت وهذا تأصيل عظيم! فإذا عرفنا أنه يمكننا توليد الاشتقاقات لما نُحدِثه من مفاهيم جديدة في العلوم والتقنية وقع انفجار عظيم في الألفاظ الجديدة. لكن علينا أن نتبع منهجا لذلك ونطوّر أساليب الاشتقاق. على أن الحاذقين بالعربية وهم جن يبصرون ما لا يبصر غيرهم كما قال الشافعي يعرفون ذلك.
وبعد أن وضعت هذه المقدمة فسأضرب الأمثلة لتكون هذه سلسلة تغريدات في ذلك إن شاء الله. وليس القصد اعتماد هذه الألفاظ أو الترجمات. وإنما هو تبيين للمنهج وتثقيف مما علينا اتباعه عند استخراج الألفاظ الجديدة. على أن من هذه الأساليب ما قد اتبعه قدماء الأطباء المسلمون والمجامع العربية.
الجذر (لوح) يدل على الوضوح واللمعان. لذلك سُمّي اللوح لوحا لأنه بانَ لك. فكل صفيحة عريضة يقال لها ذلك. إذن كانوا يستعملون اللوح الطيني للكتابة. وهنا علينا أن نفكّر ونجرّد اللفظة من الثقافة العربية القديمة. فنعرف أن ترجمة tablet ما هي إلا لوح ولكنه إلكتروني!
(جدل) جذر يدل على استحكام في الشيء واسترسال فيه. فالجدول: النهر الصغير. لأنه ممتد وماؤه قوي. ومنه جديلة الشعر. لكن كيف صار table جدول؟ وما علاقة جدول الماء به؟ قلت: هذا من أعظم الأمثلة على الاشتقاق القياسي الصحيح لعصرنا. فالجدول هو شيء تُحكم فيه المعلومات ويسترسل إلى أسفل الصفحة!
من الأصول التي علينا أن نفهمها كيف ننتقل من الألفاظ وما تدل عليه من معاني في عصر نصب الخيمة إلى عصر نصب البرنامج! فإننا نخطئ خطأ فاحشا فنظن أن ما يُستعمل من الكلمات مع الخيمة إنما هو خاص بها. وليس كذلك. بل هي ألفاظ تدل على معان مجردة عامة. وعلينا أن نفهم ما تدل عليه هذه الألفاظ.
إذن (نصب) هو جذر يدل على إقامة الشيء ووضعه في استواء. يقال: نصب الخيمة. وتيس أنصب أي منتصب القرن. وأنصاب الحرم حدوده لأنها في الأصل حجارة منصوبة. ويسهل علينا الأمر الآن فلفظة install ما ترجمتها إلا نصب فأنت تنصب البرنامج افتراضيا أي تقيمه في نظام التشغيل!
ومن أخطر الأمور على البنية المعجمية للعربية أن تُترجم كلمات وتوضع ألفاظ يصعب أن يؤخذ منها صورة المفعول والفاعل وغيرهما من الأوزان. فهذا ينافي طبيعة العربية وقوتها على اشتقاق الكلمات. فحين نقول installed علينا أن نعرف بلا معاناة أن الترجمة: البرنامج منصوب أو البرنامج قد نُصب.
الكهرباء فيها الشيء الكثير من وصف النار. كالضوء والحرارة والاشتعال. وكذلك وجوه استعمالها كطبخ الأكل. وهي نار بوجه من الوجوه. وإذا كان ذلك كذلك جرى عليها كل ما كان يُستعمل للنار من أوصاف وأفعال! وقلت: لا فرق إذا أصبحنا نطبخ الأكل بشيء مستحدث من الطاقة أو نحوها.
فالجذر (قبس) يدل على شعلة النار. يقال: قبستُ منه نارا. أي أعطاني منها قبسا. فالقابس: طالب النار. والمِقبَس: ما قبست به النار. وإذا كان كذلك فالقابس هو الرأس الذي يطلب الكهرباء. والمقبس ما كان في الجدار. ليس هذا فقط. بل الاستعارة جرت أيضا في عالم الأفكار: اقتبستُ منه نصا Quote.
من الكلمات التي قد تُشكِل على بعضنا trigger. وهي تستخدم كثيرا في قواعد البيانات وفي الطب وغير ذلك. في ويكيبيديا قد ترجموها بالمحرك! وهذا مثال على الفوضى وقلة الحيلة!
يقال للحديدة أو الحجر الذي يُضرب فتخرج منه النار قَدَّاحة ومِقْدح ومِقداح. وهذا الفعل أقصد أن تُوري النار هو القدْح. تقول: قدحت بالحجر النار. أما الزَنْد فهي الخشبة التي يُستقدح بها. إذن trigger إذا جاءت فعلا قلنا: الحساسية قد تُقدَح بالضغط. وإذا جاءت اسما قلنا: الزند أو الزِناد.
ولقد تركنا مئات الألفاظ في الانتظار غير مستعملة مع شدة الحاجة إليها. وكلما صادفنا مصطلحا استعملنا له ألفاظا بسيطة لا تؤدي المعنى الدقيق. وفي كل مرة نكرر هذه الألفاظ. حتى تشبّع اللفظ الواحد بعشرات المعاني. وهذا يدل على قلة النشاط في إثارة ألفاظ معجم العربية. بل قد بلغنا حد الجمود.
ومثلا pitch نستعمل لها (عرض) لكن أيضا display وpresentation! مع أن لها مقابلا دقيقا ولا حتى يحتاج إلى أن نطوره دلاليا. يقال: شُرْت الدابة: عرضتها على البيع أَقبلت بها وأَدبرت. وأيضا: بلاها ينظر ما عندها وقلَّبها. والمكان الذي يُعرض فيه الدواب هو المِشوار. فهذه العملية: الشَوْر.
والشور يستعملونها في سوق العقار لكن يقصدون الاستشارة. على أن الشور والاستشارة مشتقان من الجذر نفسه! إذن نجرّد الكلمة من الدابة أو غيرها ونكسبها دلالات عصرية. فتكون على نحو من: شور المنتج التقني على المستثمرين. أي عرضه ليستثمروا فيه. ووقت الشور pitch time. وخطوات التشوير الناجح.
في إدارة المشاريع ومنهجيات تطوير المنتجات التقنية مصطلح Sprint ويُقصد به دورات من العمل في مدة قصيرة. فالفريق يجري في كل دورة لأداء مهمة بعينها. ولهذا المصطلح مقابل جاهز على البديهة وهو: الشوط. قال الأصمعي: شاطَ يَشُوطُ شَوْطاً إِذا عَدا شَوْطاً إِلى غاية!
قد ترددت في أن أشارك هذه الصورة. لكن هكذا أرى جذور العربية ومشتقاتها. وهو تمثيل مشجّر قد عملته يبيّن طرق الاشتقاق لتكون أسهل متناولا وأقرب للفهم ولدراستها وشحذ الذهن. والأخضر يدل على اشتقاق مباشر والأزرق تطور اشتقاقي والأصفر تطوير محتمل. وهذا العمل ليس مُحْكما بل للمثال.
تقنية Blockchain في معمارية البرمجيات قد ترجموها بسلسلة الكتل! وهذه ترجمة رديئة ومحبطة حقا. هذا ظُلْم للعربية! لماذا؟ لأننا قد أجرينا منطق الإنجليزية الذي تجري عليه وهي لغة إلصاقية بمنطق العربية وهي لغة اشتقاقية. وشتان ما بينهما.
ولو خرج علينا أدنى العرب فصاحة من بوابة زمنية فرسمناها له على التراب وسألناه: صفها لنا. لم يلبث أن قال: المسلسلات أو المتتابعات أو المُتَساوِقات أو المترادفات أو المُغَلْغَلات أو المتواليات وهي عُرْف أيضا (وهذه لفظة عجب) والمتقاطرات! وسنبيّن ذلك.
وأنا إنما ذكرت مثال Blockchain من أجل أن أبيّن قدرة اللغة العربية المذهلة بلا مبالغة على وصف المعاني المركبة العلمية المختلفة في عصرنا. ولنتفقّد كل لفظة من هذه الألفاظ ذاكرا ما ناسب ترجمة هذا المصطلح التقني وأدّى معناه أداءً تاما.
أما السلسلة فمن الجذر الثنائي (سل) ويدل على مد الشيء في رفق وخفاء. ومنه السلسلة لأنها ممتدة باتصال بعض أجزاءها ببعض. كسلسلة الحديد وسلسلة البرق المستطيلة في عَرض السحاب. فلفظة المُسَلْسلات مناسبة كما تقترحه لفظة Chain فهي في هيئة السلسلة. لكن سأذكر من الألفاظ ما هو أقوى من ذلك!
(درك) جذر يدل على لحوق الشيء بالشيء ووُصوله إليه. ويقال تدارَكَ القومُ: لَحِق آخرُهم أولَهم. والدَّراك: اتباع الشيء بعضه على بعض في الأَشياء كلها. والدَّرَك: القطعة من الحبل تُشد في طرف الرِّشاء (الحبل) إلى عَرْقُوَة (أذن) الدَّلو.
من العجيب أن هذا المعنى (درك) في الواقع دقيق تقنيا في علوم الحاسب ويصف العملية نفسها. فالفكرة من تقنية Blockchain ليس أنها في هيئة السلسلة. بل أن المعاملة المالية أول ما تُنشأ فعليها أن تدرك أي تلحق بغيرها من البلوكات في الشبكة! فكل بلوكة قد اتبعت ما قبلها. إذن هي المُتَدارِكات.
كثيرا ما إذا صغت الجذر على (تفاعل) نتج عنه معنى جديد. ومن ذلك الجذر سوق وهو معروف. تقول: ساق الدابة أو السيارة. أما إذا صغتها على تفاعل فكانت تساوق ومساوقة تأدى ذلك إلى معنى آخر. فتساوقت الإبل أي إذا تتابعت كأن بعضها يسوق بعضا. فمن هذا الوجه أمكننا أن نقول لBlockchain المتساوقات.
وكلمة تَساوق ومُساوقة يختلف معناها عن المتابعة والمسايرة والمجاراة. فمثلا ظاهرة تأثير الفراشة يلائم أن نستخدمها فيها. فالأحداث يسوق بعضها بعضا. وهذا أدق من أن نقول تتابع الأحداث. على أن تساوق يستعملها بعض الكتاب في السياسة والفلسفة وغير ذلك إلا أنه يظهر أن استعمالهم فيه اضطراب.
كنتُ أظن أن الذرّة التي هي أصغر أجزاء المادة قد استعاروه من النمل الصغير. وليس كذلك فالجذر (ذر) يدل على لطافة (دقة وصغر) وانتشار. وهو معنى مجرد يجري على أي شيء كان. والفعل منه: ذرّ الشيء أي أَخذك الشيء بأَطراف أَصابعك ثم تنثره. واسم الآلة منه مِذَرّة كالتي تنثر بها الملح والفلفل.

جاري تحميل الاقتراحات...