عام ١٩٧٣م .. أسست وزارة الدفاع الأمريكية مكتب التفكير الداخلي لها (Internal Think Tank) .. وهو مكتب يهدف لتكوين صورة عن شكل الجيش الأمريكي في المستقبل (أي بعد ٢٠ سنة و ٣٠ سنة) .. بدأ هذا المكتب بموظف واحد فقط .. أندرو مارشال !
المطلوب من أندرو أو بالأصح التحدي الذي أمامه .. أنه يفكر في الوضع الأمني لأمريكا بأكملها .. أمنيا .. أكبر من يهدد أمريكا وقتها .. هو الاتحاد السوفيتي (روسيا) في الحرب الباردة بينهما
المشكلة الرئيسية في الجيش الأمريكي من وجهة نظر أندرو .. أن الجيش كان يتعامل مع الحرب كردة فعل فقط .. وكان يضع ميزانيته بناء على ذلك .. وكأنه أمر روتني متوقع .. ولا يوجد أي خطة واضحة لوضع احتياجات الجيش مستقبلا !
حيث يضع قيادات الجيش كل سنة تقييم لتهديدات روسيا .. وينظروا بعدها لأسلحة المخزن بالإضافة لاحتياجهم من الأسلحة الجديدة .. ويرفعوا طلبا بالاحتياجات للحكومة .. الحكومة تخصص لهم المبلغ المناسب .. وبنفس الطريقة في كل سنة
بمعنى آخر .. كأن طريقة إدارة الجيش كانت مبنية على نقاط قوة روسيا (عبر تهديداتهم) .. ولا توجد استراتيجية لهزيمة روسيا على المدى الطويل ! .. هذا الأمر هو الذي جعل أندرو يبدأ في التفكير
عام ١٩٧٦ .. وضع أندرو استراتيجية لهزيمة روسيا .. وركز فيها على عكس المعادلة .. أي بالتركيز على نقاط قوة الجيش الأمريكي ضد نقاط ضعف روسيا .. ويبدو أنها حظيت باهتمام وزير الدفاع وقتها
طريقة التحليل هذه أعادت تعريف مصطلح "الدفاع" في الوزارة .. النقطة كانت هي أنه للتعامل بفاعلية مع الطرف الآخر .. على الدولة اقتناص فرصة كفاءتها في مجال معين لتطوير ميزة تنافسية استراتيجية .. والمهم .. أن تضمن استراتيجية المنافسة هذه تحمل الطرف الآخر تكاليف عالية ترهقه
الميزة التنافسية الحاسمة لأمريكا كانت هي التكنولوجيا .. أمريكا لديها قدرات أفضل في هذا المجال .. وأوصت الاستراتيجية إلى الاستثمار في التقنيات الحربية .. وأن يكون التصدي لها مكلفا جدا .. ولا يزيد هذا التصدي من قوة هجوم روسيا
على سبيل المثال أجبرت تقنيات هدوء الغواصات الأمريكية وتقنيات دقة الصواريخ الحديثة .. أجبرت روسيا على البحث بطريقة عشوائية لاكتشاف طرق التصدي لها .. ولم يفدهم ما اكتشفوه للهجوم مرة أخرى
في شرح أندرو للاستراتيجية .. كان الأمر بسيطا .. على أمريكا منافسة روسيا باستخدام نقاط قوتها مستغلة نقاط ضعف روسيا في التكنولوجيا .. بالإضافة إلى شروحات بسيطة .. ولم تكن هناك مخططات معقدة أو رسوم بيانية غريبة .. الحل هو فكرة بسيطة لكنها في نفس الوقت رهيبة ومرعبة
إذا راجعت التاريخ .. ستجد أنه من الواضح أن الاتحاد السوفيتي كان متعثرا لأنه أفرط في التوسع .. لكن الواقع أن التقنيات الحربية الأمريكية المتطورة شكلت ضغط هائل عليهم .. وتسببت بحرب اقتصادية لم يستطيعوا الصمود أمامها
بالتأكيد أن التقنيات الأمريكية لم تكن السبب الوحيد لهزيمة الاتحاد السوفيتي .. تحالفت العديد من الدول مع أمريكا لإضعاف الإتحاد اقتصاديا .. لكن قد تكون الاستراتيجية الحربية المعتمدة على التقنية هي نقطة القوة الأهم لأمريكا
استراتيجية أندرو سهلة وبنفس لغة الشركات .. حدد نقاط القوة والضعف الخاصة به .. وقيم الفرص والمخاطر (نقاط قوة وضعف الخصم) .. لكن قوة الاستراتيجية كانت من رؤيته عبر زاوية جديدة للميزة التنافسية: من التفكير في قدرة عسكرية بحتة .. إلى التفكير في طريقة فرض تكاليف غير متكافئة على الخصم
جاري تحميل الاقتراحات...