قد لا يدرك الإنسان أن "سيادة الدولة" أهم عامل لحماية الحقوق كلها، وأن محاولة النيل منها هي الخطوة الأولى للنيل من الحقوق التي يطالب بها، وعند النيل من الأولى لا يبقى رابح؛ إذ تحل "الطبيعة" محل "الصناعة" وفقا لتوماس هوبز، وتنهار المنظومات ويحل الدمار وتنتهي العقلانية!
علينا جميعا أن ندرك بأن المعتصمين يطالبون بتوفير جو تنافسي اقتصادي يوفر الحياة الكريمة للمواطن، وهذا يعني أن الشرط الأساسي لبقاء مشروعية المطالبة بقاء قدرة المصدر (الدولة) على الاستمرار في خلق الفرص؛ مما يعني أن الهدف الأول هو احترام سيادتها وأجهزتها وبنيتها حتى لا تنهار الحقوق
كما أن القضية ليست في توفير فرص وهمية للوظائف من جراء الضغط الشعبي، وإنما في إعادة ترتيبات المنظومات وتجاوز المشكلات، وإلا فإننا ندفع الدولة إلى مواجهة أزمات مالية قادمية، وهذا يجعلنا نعيد النظر في صناعة بيئة القرار السياسي الهادئة والرصينة
كما أن العقلانية تحتم علينا أن نتدارك ما نعتقد من أن طول المكث في الميادين هو ظرف لصناعة قرارات مصيرية، بل على المعتصمين أن يجعلوا الاعتصام رسالة حضارية كالوميض، دون المساس بحياة المواطن أو سيادة الدولة وهي سياج المجتمع كله وشرط أمانه والمحافظة على مقدراته وبنياته ومنظوماته.
لذلك فإنني أعتقد بأن العودة إلى الهدوء، وفتح الباب لقراءة الحدث في أروقة صناعة القرارات مهم جدا، لا سيما وأن الدولة تواجه مشكلات الجائحة والركود الاقتصادي، حتى لا تفتح الأبواب لمزيد من التكهنات والضغوط، وهذا هو جوهر الوعي السياسي خلافا للحالة الطبيعية والأنانية
ولا يمكن للدولة أن تنظر في النتيجة متمثلة في (توفير الوظائف) وإدارة ملفاتها دون معالجة لعناصر مختلفة في المنظومة الاقتصادية، والسلطان حفظه الله ورعاه تولى مقاليد الحكم والسلطنة على بوابة أزمة عالمية وإشكالات إدارية وسياسية؛ لذا فإن على المعتصمين أن يشتركوا في الحل وليس في المشكلة
إنني ألتمس من الشباب العقلاء ترك الميادين والأماكن العامة، ووضع الرسالة في ساحة الدراسة والقراءة والتشاور، ولا بأس أن يستمروا في التحليل والقراءة والاقتراح عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها وسيلتنا اليوم لممارسة العقلانية بدلا من الضجيج الذي يتحول إلى قاعدة وهو استثناء
كما أنني أرجو ألا يستمر تأجيج الوضع؛ لأنه لا يحمل فعلا حلا في طياته لمشكلات راكمتها سنوات وأخطاء معقدة ومتشابكة، والدولة جادة بكل طاقاتها في محاربة الفساد وخلق الفرص والحوكمة ومهما وجدت الأخطاء واتضحت، فإن القراءة السياسية تختلف في نظرتها من نظرات الأفراد وهم أصحاب حاجات ملحة
جاري تحميل الاقتراحات...