ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 433 قراءة May 22, 2021
مجرم إنجليزي عتيد له سوابق غير منقطعة في عالم السرقة والسطو، سجن غير مرة، لكن في الأخير قادته الصدفة ليكون بطلًا قوميًا له حضوره القوي ليس في تاريخ إنجلترا فحسب بل في تاريخ أوروبا بأكملها!!
حياكم تحت ❤️
في نوفمبر من العام 1914 وفي خضم انهماك بريطانيا في الحرب العالمية الأولى رزقت أسرة أرنولد تشابمان المهندس البحري الذي يعيش في مدينة برنوبفيلد أولى أبنائها، حيث أسمياه إيدي، متوسميين منه كأي أسرة أن يكون فتى صالحًا ينافح في سبيل وطنه ويغير حياة عائلته إلى الأفضل.
حياة قاسية كانت في الانتظار، فالحرب وما ترتب عليها من أزمات اقتصادية صرفت الأب إلى الانهماك أكثر في عمله مع غياب له في المنزل، ما ترتب عليه فقدان الأبناء بوصلتهم، فغاب إيدي عن المدرسة وتسكع مع رفاقه في أنحاء المدينة وخاب رجاء أسرته فيه🥺
في سن السابعة عشر من عمره كان جليا لأسرته أن مواصلته للتعليم هو شيء من العبث، لذلك لم يجدوا بُدًا من انضمامه للجيش البريطاني كجندي، حيث تلقى شهورا من التدريب قبل أن يصبح جنديًا في الكتيبة الثانية من كولد ستريم جاردز، والتي تضمنت مهامه فيها حراسة برج لندن.
لم تنقض تسعة أشهر على انضمامه إلى الجيش البريطاني حتى تسرب الملل إلى الشاب اليافع، فالتزماته الرسمية الصارمة تعارضت مع شخصيته المتهورة الشغوفة بالانفكاك بعيدًا عن المتوقع، اقتنص الفتى إحدى إجازاته القليلة وقرر رفقة فتاة أحبها الهرب من الجيش ومن وظيفته.
لم تأخذه مخيلته صغيرة السن لأبعد من إحدى ضواحي لندن، حيث قضى فيها شهرين قبل أن تتبعه عناصر الجيش وتلقي القبض عليه، عرض على محكمة عسكرية قضت بسجنه مدة 84 يومًا مشددة، قضاها في سجن جلاسهاوس، ثم أفرج عنه وسرح من الجيش تحت بند الهرب المشين.
ظن تشابمان أن الحياة على رحابتها في انتظاره، لكن الجميع لفظه وانفض عنه، ليعتمد على ذاته حيث اتجه إلى العمل في كثير من الوظائف غير الرسمية، قبل أن يلقي بذاته بين عتبات القمار، حيث تربح منه بشدة، أرباح قادته إلى إدمان الأمر، لكن ما انفك أحاطته الخسارة من كل جانب.
خسارة طالبته بالكثير من الأموال وإدمان طالبه بأموال أكثر، الأمر الذي دفعه إلى الانطلاق في فضاء الجريمة؛ حيث لم يفت كثير من الوقت حتى أصبح تشابمان لصًا محترفًا في سرقة الخزائن، بل وانخرط ضمن عصابات متخصصة في هذا الأمر، وهو أمر جر عليه كثير من المشكلات.
السجن بالتأكيد كان في انتظاره ضمن مناسبات عدة، لكنه بعد كل مدة يقضيها في السجن يعود مجددًا إليه بسبب جرائم جديدة، لكن عودته هذه المرة كانت مختلفة، حيث أودع في سجن جيرسي المشدد الواقع في جزر القنال، وذلك في خضم الحرب العالمية الثانية.
لم تكن جزر القنال منزوعة السلاح إلا هدفًا بسيطًا للقوات الألمانية، والتي لم تضيع الفرصة حيث غزتها في يونيو من العام 1940، وفرضت سيطرتها على كامل أجزائها بما في ذلك السجن الذي يقبع فيه تشابمان.
مع ظلال الحرب القاتمة صار من غير المتوقع لتشابمان أن يطلق سراحه ضمن أمد محدد، بالفعل مر على فرض الألمان سيطرتهم على الجزيرة أكثر من عام ونصف، والسجناء في محلهم لا يبرحون زنازينهم الضيقة، ضمن معاملة ألمانية قاسية لا تعبأ بتاتًا لحال السجناء أو حياتهم.
أمر جلل أريد إخبار قائدكم به!!
هكذا تفوه تشابمان بأعلى صوته، وعلى سبيل الفضول حمله الجنود إلى القائد كي يدلي إليه بما يدخره من أمر، لم يكن ذلك الأمر الجلل سوى عرضه على الألمان أن يكون جاسوسًا لهم ضد بلاده إنجلترا، وهو أمر لاقى لدى الألمان وجاهة.
لقد روج تشابمان لخدماته من نافذة إجرامه، فهو المجرم الذي ينتظره السجن في بلاده حال عودته، وهو المجرم الذي لا مبادئ لديه سوى مصلحته وما ينتظره من مال، وهو المجرم صاحب العلاقات السرية بكثير من العصابات في الداخل الإنجليزي، كل هذا دفع الألمان للموافقة على عرضه.
أرسل تشابمان إلى نانت في فرنسا والتي كانت حينذاك تحت سيطرة الألمان، حيث كان في انتظاره برنامجًا تدريبيًا مكثفًا، دُرِب فيه على الاتصالات اللاسلكية والكتابة بالأحبار السرية والشفرات، فضلا عن تدريبات ميدانية أخرى مثل القفز بالمظلات وزرع المتفجرات واستخدام الأسلحة.
ريثما تأكد الألمان من جاهزية تشابمان والذين أطلقوا عليه لقب فريتشن، قامت الاستخبارات النازية أو الأبفير بتكليفه بمهمة تخريب مصنع طائرات دي هافيلاند ببريطانيا، حيث حُمِل على طائرة عسكرية فوق نورفولك استعدادًا لإلقائه في نقطة محددة، لكن الأمور لم تجري كما رتب لها.
في أثناء إلقائه من الطائرة كي يهبط بمظلته، علقت ملابسه في فتحة الهبوط، وأصبح عالقًا بين السماء والأرض، قبل أن يتمكن من تحرير نفسه، والهبوط إلى الأرض بمظلته، لكن هذا التأخير كلفه الهبوط في موقع مختلف عما كان مخططًا له الهبوط فيه.
هبط تشابمان بالقرب من قرية ليتل بورت بالقرب من كامبريدجشير وذلك في 16 ديسمبر 1942، في تلك الأثناء لم يكن جهاز الاستخبارات البريطاني M15 بعيدًا عن الموقف، فقد علم بماهية العملية، لذلك أطلق عملية بحث موسعة عن الجاسوس الهابط، وبالفعل تم إلقاء القبض عليه.
استعدادات مكثفة لجولة عنيفة من التعذيب تنتزع فيها الاعترافات، لكن تشابمان اختصر الطريق على الجميع وأخبرهم أنه لم يسلك هذا الطريق إلا تحت الضغط وبحثًا عن الحرية، وبأنه مستعد للعمل لصالح وطنه بريطانيا كعميل مزدوج ضد ألمانيا، وهو أمر وافق هوى الإنجليز ومنحوه ثقتهم.
من أجل تفعيل عمله كعميل مزدوج لم يفوت الإنجليز فرصة العملية التي بُعث تشابمان لأجلها، حيث قاموا بترتيب تفجير مزيف في مصنع طائرات دي هافيلاند، وأوعزوا لصحيفة ديلي إكسبريس البريطانية نشر خبر يدلل على تنفيذ عملية ضمن هذا الموقع.
عملية تمويه متقنة لموقع المصنع، تم فيها تغطية أسطحه بقماش مشمع وألواح معدنية مموجة، كما تم إلقاء أنقاض حول المكان لإعطاء انطباع بحدوث انفجار، بعد معاينة طائرات الاستطلاع الألمانية للموقع، انطلت الخدعة على الألمان، إلى حد بعيد جدًا، وأعطوا الرجل ثقتهم.
لم يعطوه ثقتهم فحسب بل قلدوه وسام الصليب الحديدي من الدرجة الثانية، فضلًا عن مكافآت مالية كبيرة تضمنت يختًا بحرياً، وبالإضافة إلى ذلك وعلى مدى عامين أنيط به تنفيذ مزيد من المهام الاستخباراتية لصالحهم، مهمات جاء تنفيذ معظمها بشكل يخدم الجانب البريطاني.
في يونيو من العام 1944 استطاع الألمان تصنيع سلاح جديد فتاك ذا قدرة تدميرية عالية، عُرِف بالقنابل الطائرة أو V-1، وضعت له منصات إطلاق في كل من باد كالية والأراضي الهولندية، والغرض من تلك القواعد هو تنفيذ عمليات تدميرية واسعة تطال لندن، لكن كانت ثمة مشكلة.
خسرت ألمانيا معظم طائراتها في المعارك، ولم يعد باستطاعتها تنفيذ عمليات استطلاع لمعاينة آثار سلاحها الجديد ومدى دقته في إصابة الأهداف، لذلك أوكلت لعميلها الأمين تشابمان مهمة تزويدها بمعلومات حول مواقع سقوط تلك القنابل، وهو ما اضطلع به بشكل دقيق.
في الوقت الذي أخطأت فيه القنابل لندن وأصابت غابات كينت ذات الكثافة السكانية المنعدمة تقريبًا، أبلغ تشابمان الجانب الألماني بأن قنابلهم أصابت قلب لندن بدقة بالغة، ليعاود الألمان إطلاق قنابلهم على نفس المدى السابق، بغزارة غير معهودة.
تؤكد التقارير أن ألمانيا أطلقت نحو 8000 قنبلة طائرة، سقط معظمها خارج هدفها المأمول بفضل معلومات تشابمان المغلوطة، ذلك العدد الكبير من القنابل كان كفيل بمحو لندن من الوجود، وهو أمر نجا على إثره عشرات الآلاف من قاطني هذه المدينة حينذاك.
بعد الحرب نال تشابمان تقديرًا كبيرًا في وطنه بريطانيا، حيث كرم واحتفي به نتيجة لمجهوداته في إنقاذ لندن وفي تضليل العدو، كما أعطي عديد من الامتيازات، لكنه رغم كل هذا عاد مجددًا إلى حيز الجريمة والعصابات، وعمل في مجال تهريب الذهب عبر البحر.
ومن أجل كسب المال أقدم تشابمان على كتابة مذكراته ونشرها عام 1953، لكن صودرت هذه المذكرات واتهم بإفشاء أسرار عسكرية، وغرم على ذلك، وهي أمور اضطرته إلى السفر نحو إيطاليا، حيث عمل في تجارات غير مشروعة هناك من ضمنها الآثار.
في الأخير عاد تشابمان إلى إنجلترا حيث أقام مزرعة في أيرلندا، أقام فيها مع زوجته بقية حياته، وظل على صلة طيبة بضباط المخابرات الذين عمل معهم، وفي 11 ديسمبر 1997 توفي الرجل بسبب قصور في القلب عن عمر ناهز 83 تاركًا ورائه قصصًا تروى.
قدمت قصته في عديد من الأعمال منها فيلم The Real Eddie Chapman Story الذي أنتج عام 1966، كما قدمت بي بي سي قصته في فيلم وثائقي عام 2012 تحت عنوان Double Agent: The Eddie Chapman Story.

جاري تحميل الاقتراحات...