وسرى السواد إلى عنترة من أمه ورفض أبوه الاعتراف به فاتخذ مكانه بين طبقة العبيد في القبيلة خضوعا لتقاليد المجتمع الجاهلي التي تقضي بإقصاء أولاد الإماء عن سلسلة النسب الذهبية التي كان العرب يحرصون على أن يظل لها نقاؤها وعلى أن يكون جميع أفرادها ممن يجمعون الشرف من كلا طرفيه.
الآباء والأمهات إلا إذا أبدى أحد هؤلاء الهجناء امتيازا أو نجابة فإن المجتمع الجاهلي لم يكن يرى في هذه الحالة ما يمنع من إلحاقه بأبيه وحانت الفرصة لعنترة في إحدى الغارات على عبس فأبدى شجاعة فائقة في رد المغيرين وانتزع
يجري في عروقه دم غير عربي وأبت كبرياؤه أن يرضى بعبد أسود مهما تكن شجاعته وفروسيته زوج لابنته العربية الحرة النقية الدم الخالصة النسب.
ويقال إنه طلب منه تعجيزا له وسدا للسبل في وجهه ألف ناقة من نوق الملك النعمان المعروفة بالعصافير مهر لابنته ويقال إن عنترة خرج في طلب عصافير النعمان حتى يظفر بعبلة وأنه لقي في سبيلها أهوالا جسام ووقع في الأسر وأبدى في سبيل الخلاص منه بطولات خارقة ثم تحقق له في النهاية حلمه
وعاد إلى قبيلته ومعه مهر عبلة ألف من عصافير الملك النعمان ولكن عمه عاد يماطله ويكلفه من أمره شططا ثم فكر في أن يتخلص منه فعرض ابنته على فرسان القبائل على أن يكون المهر رأس عنترة
ثم تكون النهاية التي أغفلتها المصادر القديمة وتركت الباحثين عنها يختلفون حولها فمنهم من يرى أن عنترة فاز بعبلة وتزوجها ومنهم من يرى أنه لم يتزوجها وإنما ظفر بها فارس آخر من فرسان العرب وفي أغلب الظن أن عنترة لم يتزوج عبلة لكنه قضى حياته راهبا متبتلا
في محراب حبها يغني لها ويتغنى بها ويمزج بين بطولته وحبه مزاجا رائع جميل وهو يصرح في بعض شعره بأنها تزوجت وأن زوجها فارس عربي ضخم أبيض اللون يقول لها في إحدى قصائده الموثوق بها التي يرويها الأصمعي :
إما تريني قد نحلت ومن يكن * غرضا لأطراف الأٍنة ينحل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن * ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجدل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن * ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفرا أوصاله * والقوم بين مجرح ومجدل
لقد تزوجت عبلة من غير عنترة بعد ذلك الكفاح الطويل الذي قام به من أجلها ولم يتحقق للعاشقين حلمهما الذي طالما عاشا فيه وعاش عنترة بعد ذلك عمر طويل يتذكر حبه القديم ويحن إلى أيامه الخالية
يشكو حرمانه الذي فرضته عليه أوضاع الحياة وتقاليد المجتمع قد طوى قلبه على أحزانه ويأسه وألقى الرماد على الجمرة المتقدة بين جوانحه.
وهو رماد كانت ذكريات الماضي تلح عليه من حين إلى حين فتكشف عن الجمرة التي لم تنطفئ جذوتها من تحته حتى ودع الحياة وأسدل الموت الستار على قصة حبه..
جاري تحميل الاقتراحات...