فهد الزويهري
فهد الزويهري

@fahadmarzuq

18 تغريدة 37 قراءة May 22, 2021
ثريد|
التغريبة الفلسطينية عمل تاريخي تستطيع بكل سهولة أن تخرج منه ببحث رصين يمنحك درجة علمية في الفنون أو علم الإجتماع و الإعلام وغيرها من المجالات ولكن في هذه المساحة سأتحدث عن الفنان خالد تاجا ودور صالح الشيخ يونس الذي يعتبر أحد العلامات المميزة في مسيرة العملاق الراحل.
صالح الشيخ يونس اسم لشخصية فلاح فلسطيني عاش حياة أيامها التعيسة لا تعد ولا تحصى وقد ألقت هذه التعاسة بظلالها على محياه و نبرة صوته و على نظراته وسكناته وحركاته لذا لم يكن أمام حاتم علي رحمه الله خيار أجدر من خالد تاجا رحمه الله ليحول لنا ما كتبه د. وليد سيف إلى لحم ودم وواقع مخلد
لا أعرف إن كان الكاتب جسد القضية الفلسطينية في شخص أبو أحمد أم أن حدسي وتحليلي قادني لهذا التعبير فصالح يشبه قضيته كثيرا لأنه لم يسلم يوما من الصراع ولم يسلم من المعاناة بيد أنه مات وقضيته مازالت على قيد الحياة.
وقف خالد تاجا أمام شخصية صالح فنظر لها نظرة بانورامية أعطته كل التفاصيل التي يريدها ثم حاكها من روحه و إيمانه بما يفعل حتى أصبحت كرداء جميل لم يصدر منه إلا نسخة واحدة لا تليق إلا بخالد تاجا
صالح المهمش في قريته لفقره و عوزه و يعاني طبقيا بسبب أمور تخص نسب عائلته الدخيلة على القرية بالرغم من زعمه أنه ينتمي إلى نسب رفيع لكن دون أن يجد تجاوبا من أحد.
صالح الذي يعيش على أمل حصاد زيتونه و عصره ثم بيعه ليسد رمق حاجته لم يكن الأمر يسرا أمامه حتى في هذه المسألة فالطبقية وحب التسلط من أعيان القرية هدمت حتى حلمه البسيط بعصر حصته من الزيتون وهنا كأن الكاتب يشير إلى أن الوجع يأتي من الداخل أولا وليس شرطا أن يكون من الغريب.
صالح الذي لم يخرج من الدنيا سوى بأبنائه الخمسة فقد أعطاه القدر قصة لكل ابن تحتاج إلى شخص صابر يتحملها دون انهزام بيد أن قلب صالح انهار بعد الهزائم المتتالية التي لحقت به
في البداية ابتسمت الدنيا لصالح نصف ابتسامة حينما أصبح لإبنه أحمد شئنا كبيرا في الثورة ضد الإنجليز مما أعطى أبو أحمد لحظات من التقدير لم يتذوق طعمها من قبل ولكن انتهى شهر العسل سريعا وجاءت الظروف كما عادتها شديدة على صالح.
جاء قرار التقسيم ليضع ندبة جديدة في جبين صالح حيث رأى كل شيء ينهار أمامه وبلدته الصغيرة تحترق كما بلاده كلها ولكي تكتمل المأساة فرق القدر بينه وبين ابنته الوحيدة على الرغم من أنهم يعيشون في بلد واحد قسمه الاحتلال الى بلدين.
انهار كل شيء في عالم صالح ذهبت أرضه وأبنته وافتقد ابنه الأكبر حظوته كقائد وانهارت المنظومة الطبقية التي عانى منها طويلا وأصبح الجميع على قدم المساواة في مخيم يفتقد لظروف المعيشة الآدمية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد وكفى انهزم قلب صالح وأعلن الاستسلام أمام الظروف بعدما فقد أعز أبناءه أثناء عمليات التهجير وهنا عاش صالح على ذكرياته فقط دون اكتراث بواقعه المرير.
شخصية معقدة نفسيا تلبسها خالد تاجا بشكل مذهل وكأن صالح الشيخ يونس خلق ولم يخلق خالد تاجا من الأساس , رأينا رجلا يهادن الدنيا ويحاول الهرب من بطشها ثم رجلا استسلم لدنياه ومشى في ركبها.
لم يكن صالح مجرد شخصية بل تعبيرا مذهلا عن أبيات ابراهيم طوقان (صامت لو تكلما .. لفظ النار والدما .. قل لمن عاب صمته .. خلق الحزم أبكما) لم يكن لصالح حول ولاقوة وحتى حينما جاء الزمن الذي يحصد فيه ثمرة أبنائه حرقت الثمرة كأنها لم تغرس يوما ما.
فلم تشفع بطولات أحمد له وعاش واقعا جديدا أسوء من واقعه السابق ولم ينتشل التعليم علي من براثن المخيم الذي بدد آماله وطموحاته و لم تنجح براغماتية مسعود في أن يغير واقع أهله إلى واقع أفضل وظل جرح حسن ينزف و بعد ابنته خضرا موتا يتجدد كل يوم.
كان حزن خالد تاجا في هذه الشخصية نابعا من أعماق قلبه وكأنه استحضر كل البؤس الذي مر في حياته لينثره في هذه الشخصية التي أبكت وما زالت تبكي الملايين فلا أحد ينسى بكاء صالح على حسن و لا أحد ينسى شيخوخة صالح التي نطقت فيها الذكريات بعيدا عن الواقع
لقد بصم خالد تاجا بصمة تاريخية في صفحات الفن بهذه الشخصية تعطيه شهادة مصدقة أبد الدهر فحواها (لو لم يقدم سوى هذه الشخصية لكفته ووضعته بين العمالقة دون حرج) إذ أن خالد لم يكن يمثل في هذه الشخصية اطلاقا بل مؤمن ايمانا مطلقا أنه صالح الشيخ يونس الذي هجر من بلدته سنة 1947م
وهذا الاتقان في الأداء لم يتوفر كثيرا في الدراما العربية وقد جاء بعد تراكم الخبرات والسنوات مدعوما بإيمان عميق جدا يسكن في نفس خالد تاجا تجاه القضية الفلسطينية وكأن خالد انتظر هذه الشخصية ليعبر عن ما يكنه قلبه تجاه فلسطين ونكبتها
أخيرا حاولت جاهدا أن أحلل هذه الشخصية ولو بجزء يسير من جوانبها فإن وفقت فمن الله وإن قصرت فمن نفسي والشيطان وأوجه شكري للصديق @Abu992hayyan صاحب فكرة الثريد والصديق @saamm_98 الذي ساعدني في جمع الصور.

جاري تحميل الاقتراحات...