هي ؛ خديجة بنت خويلد بن أسد القرشيَّة، ذاع صيتُها وعُرِفت في المجتمع الجاهلي بالطَّاهرة، فجاء الإسلام، فزادها شرفًا إلى شرفها .
جَمَعت خديجة خِصال الخير دون نساء قومِها، فامتازت بِحِدَّة الذَّكاء وبالعفاف والسَّخاء، وكان لها من شرف حسَبِها ونسبها وأدبِها ما جعل كلَّ شريف من قومها يُمنِّي نفسه بالزواج منها، كيف وهي بعد ذلك كلِّه كثيرةُ المال، ذات حُسْن وجمال؟ ♡
كانت أمُّنا قبل الإسلام تستأجر الرِّجال في جَلْب تجارتِها، فبلغها خبَرُ ذلك الفتى القرشيِّ محمَّد ﷺ ، الذي ذاع صيته في مكَّة بالصِّدق والأمانة، فعرضَتْ عليه أن يتَّجِر في مالِها، فوافق النبي ﷺ فخرج الصادق الأمين يستقدم البضائع من الشَّام ..
وكان معه في سفره هذا "مَيْسرة"، غلامٌ لِخديجة، فرأى هذا الغلامُ من حُسْنِ خلُقِ النبِيِّ ﷺ وتعامله ما أعجبه، فحَفِظه ووعاه؛ لِيَزفَّ بعد ذلك إلى خديجة خبَرَ ما رآه ..
فَرِحَت خديجة - رضي الله عنها - بِمَن ائتمنَتْه على تِجارتها، وازدادت فرحًا وارتياحًا أنَّها رأت أثرَ هذه التِّجارة في برَكةِ أرباحها، فرأَتْ أنَّ هذا الصادق الأمين هو الرَّجُل الذي كانت تنتظره، فأرسلت إلى النبِيِّ ﷺ تعرض نفسها عليه، فكانت الموافَقةُ وتَمَّ الزواج ..
وذلك قبل بعثة النبِيِّ ﷺ ، بخمسة عشر عامًا.
تزوَّج الكريمُ من الكريمة، والطيِّبات للطيِّبين، والطَّيبون للطيبات.
تزوَّج الكريمُ من الكريمة، والطيِّبات للطيِّبين، والطَّيبون للطيبات.
نزل الرُّوح الأمين على سيِّد المرسلين في غار حراء، فحصَل للنبِيِّ ﷺ مِن الخوف والْهَلع ما جعله يقول لزوجته - وفؤادُه يرجف -:
" والله لقد خَشِيتُ على نفسي "
" والله لقد خَشِيتُ على نفسي "
فتأتي الكلمات منها كالبلسم الشافي على القلب المضطرب، فقالت مطَمْئِنَة ومثبِّتة:
" أَبْشِر، كلاَّ والله، لا يُخْزيك الله أبدًا؛ إنَّك لَتَصِل الرَّحِم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتُعين على نوائب الحق" .
" أَبْشِر، كلاَّ والله، لا يُخْزيك الله أبدًا؛ إنَّك لَتَصِل الرَّحِم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتُعين على نوائب الحق" .
فكانت أول مؤمنٍ ومصدِّق بهذا الدين.
قال ابنُ الأثير: خديجة أوَّل خَلْقِ الله إسلامًا بإِجْماع المسلمين، لم يتقدَّم عليها رجلٌ ولا امرأة .
قال ابنُ الأثير: خديجة أوَّل خَلْقِ الله إسلامًا بإِجْماع المسلمين، لم يتقدَّم عليها رجلٌ ولا امرأة .
بدأ النبِيُّ ﷺ بدعوة قومه إلى هذا الدِّين الجديد، فطاشَتْ لهذه الدَّعوة عقولٌ وأحلام، وقلَّ النَّصير، وعزَّ المُعِين، فكان النبِيُّ ﷺ يحفظ لخديجة تصديقَها ونُصرتَها، وكان ﷺ يقول عنها بعد وفاتِها :
" لقد صدَّقَتْنِي حين كذَّبَني الناس، وآمنَتْ بي حين كفَر بي الناسُ ".
" لقد صدَّقَتْنِي حين كذَّبَني الناس، وآمنَتْ بي حين كفَر بي الناسُ ".
وقفَتِ المرأة الصالحة مع زوجها في دعوته ورسالته، وهَمِّه ومعاناته، تدفع من مالها لِنُصرته، ومن عطفها لمواساته وتسليته، كم مرَّت بالنبِيِّ ﷺ من مواقفِ تصلُّبٍ ومعاندة ومُحادَّة، كادت نفسه تذهب معها حسرات على هذا الإعراض، حتى قال له ربُّه:
﴿ فَلَا تَذْهَبْ نفسك عليهم حسرات ﴾
﴿ فَلَا تَذْهَبْ نفسك عليهم حسرات ﴾
فكانت خديجة - رضي الله عنها -
نسمة نديَّة، تُخفِّف من آلامه وحسراته.
قال ابن إسحاق :
كان النبِيُّ ﷺ لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه، وتكذيبٍ له، إلا فرَّج الله عنه بِها إذا رجع إليها، تثبِّته وتُخفِّف عنه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس، فرَضِي الله تعالى عنها ..
نسمة نديَّة، تُخفِّف من آلامه وحسراته.
قال ابن إسحاق :
كان النبِيُّ ﷺ لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه، وتكذيبٍ له، إلا فرَّج الله عنه بِها إذا رجع إليها، تثبِّته وتُخفِّف عنه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس، فرَضِي الله تعالى عنها ..
عاش المصطفى ﷺ في مكَّة حياة الاضطهاد، وقرَّر قومُه مُحاصرته في شِعْب أبي طالب، فاختارت المرأة الصالحة الوفيَّة، أن تنحاز إلى الشِّعب مع زوجها، مع أنَّها ليست من بني هاشمٍ ولا بني المطَّلِب، وإنَّما اختارت حياة الجوع والمسغبة ثلاث سنوات؛ نُصْرة وتأييدًا لزوجها.
وظلَّت أمُّ المؤمنين وفيَّة لزوجها، بفِعالِها وأقوالها، حتَّى ملكَتْ على النبِيِّ ﷺ
قلبه ووجدانه ..
فكان ﷺ يقول عنها: " لقد رُزِقْتُ حُبَّها ".
قلبه ووجدانه ..
فكان ﷺ يقول عنها: " لقد رُزِقْتُ حُبَّها ".
ولذا لم يتزوَّج عليها النبي ﷺ حتى توُفِّيَت؛ إكرامًا ووفاء، وازداد مقامُ أمِّ المؤمنين إلى مقامها؛ أنَّها الأمُّ لبنات النبِيِّ ﷺ
فكانت - رضي الله عنها - مدرسة في التربية والتوجيه والتعليم، فخرجتْ من بيت النبوة بنات، كُنَّ مضْرِبَ المثل في العفَّة والحياء والوقار.
فكانت - رضي الله عنها - مدرسة في التربية والتوجيه والتعليم، فخرجتْ من بيت النبوة بنات، كُنَّ مضْرِبَ المثل في العفَّة والحياء والوقار.
انشقَّت السَّماء، ونزل الرُّوح الأمين على سيِّد المرسلين، برسالة من ربِّ العالمين، بشأن أُمِّ المؤمنين، فقال جبريل - عليه السَّلام -: " يا رسول الله، أقْرِئ خديجة السَّلام من ربِّها ومنِّي، وبَشِّرْها ببيت في الجنة من قصَب، لا صخب فيه ولا نصَب "
نعم، لقد استحقَّت من ربِّها هذا البيتَ الذي لا صخب فيه ولا ضجيج، مقابل ما تَحملتْه من صخب المشركين واستهزائهم وإيذائهم لِمَقام زوجها ومقامها، ولا نصَب فيه أيضًا؛ أيْ: فيه الراحة التامَّة؛ جزاء ما تعبت في أيامها الخالية، فعوَّضها ربُّها سبحانه من جزاء صنيعها ..
ولِصَلابة الإيمان، وكمال الخلُق، ورجاحة العَقْل؛ استحقَّت خديجةُ - رضي الله عنها - وسام الأفضليَّة بين النِّساء في الدُّنيا والآخرة، فقال ﷺ :
" أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ".
" أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ".
وفي السَّنَة العاشرة بعد البعثة، كان النبِيُّ ﷺ على موعد مع خَطْب اهتزَّ منه فؤادُه، واعتصر له قلبه، إنه مَشْهد توديع هذه المرأة الصالحة الطاهرة النَّاصرة، وودَّعَت دنياها، بعد أن قضت ربع قرْنٍ مع هذا الزَّوج الكريم والنبِيِّ العظيم !
فلا تسَلْ عن مراراتِ الأحزان، وحسرات الآلام، التي عاشها النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم!
لقد فقد العضيد والنصير، الذي كان يخفِّف من أحزانه، ويَمْسح عنه غمومه..
لقد فقد العضيد والنصير، الذي كان يخفِّف من أحزانه، ويَمْسح عنه غمومه..
فقدَ قطعةً من حياته، ورُكنًا من أركانه، فجثم الحزن على قلب النبِيِّ ﷺ وغار في صدْرِه، حتَّى سُمِّي ذلك العام بعام الحزن؛ لأنَّ الحزن بدا على مُحيَّا رسول الْهُدى على فراق زوجته وعمِّه .
وظلَّ اسم خديجة ورَسْمُها في سُوَيداء قلب النبِيِّ ﷺ تتحرك بين جنبَيْه لواعجُ الشَّوق والحنين على أيامها وزمانِها، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - كثيرًا ما يذكرها، ويذكر فضلها ونصرتَها، ويُعقب هذا الثَّناءَ بالاستغفار لها ..
امرأة عجوز، تَدْخل بيت النبي ﷺ فهشَّ لها المصطفى ﷺ وبشَّ، وبالَغَ في إكرامها وحفاوتها، فتعجَّبَت عائشةُ - رضي الله عنها - من هذه الحفاوة، وزال عنها هذا التعجُّب حين عرفَتْ أن هذه المرأة صدِيقةٌ لخديجة ..
كان ﷺ يتعاهد صديقات خديجة بالْهَدايا، رآه أهلُه مرارًا يذبح الشَّاة ثُمَّ يقطعها أعضاءً، ثم يبعثها إلى صديقات خديجة ..
كان ﷺ يَرِقُّ قلبُه رقَّة شديدة حين يرى أثرًا أو شيئًا من متاع خديجة، حتى إنه لَيُرَى أثر هذا التأثُّر على مُحيَّاه، واستمِع لِهذا المشهد الذي تقف له النُّفوس خاشعة، مترضِّيَة على أم المؤمنين .
هذه هي أمُّكم الطاهرة الحصينة الرزينة، وهذا جانبٌ من سيرتِها ومكانتها وبَصْمتها، تقلَّدَت الفضائل، وتسوَّرَت المآثر، وحازَتْ مكانة لا تُسامى، لا لِتَجارتِها قبل الإسلام؛ وإنَّما بإيمانِها وصلاحها، وصِدْقِها ونصرتها، وعفافها وحشمتها ..
- مقتبس من الالوكة .
جاري تحميل الاقتراحات...