من الذاكرة
مع شيخنا
محمد بن صالح #العثيمين رحمه الله
بقلم
خالد بن سطمي الشمري
تجدونها تباعاً تحت هذه التغريدة
مع شيخنا
محمد بن صالح #العثيمين رحمه الله
بقلم
خالد بن سطمي الشمري
تجدونها تباعاً تحت هذه التغريدة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد
فهذه كلمات مختصرات في مواقف من حياة شيخنا الإمام العلامة الفقيه الأصولي المفسر النحوي الفرضي صاحب التصانيف الماتعةوالدروس والفتاوى النافعة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله وبلغنا منازل الربانيين بحبنا له وجعل هذه الكلمات من العمل الصالح والعلم النافع لمن كتبها وقرأها ونشرها
١- كنت أتردد على دروس شيخنا رحمه الله من بريدة حيث كنت أسكن بداية دراستي الجامعية ويفوتني كثير من دروسه حيث كنت وعدد من الزملاء نحرص على درس شرح زاد المستقنع أما بقية الدروس فلم ننتظم بها إذ يصعب ترددنا يومياً إلى مدينة عنيزة
٢- في إجازة نهاية العام الأول لي في الدراسة الجامعية علمت أن الشيخ سيقيم دروساً صباحية بالإضافة لدروسه مابين المغرب والعشاء فعزمت أن أرجع لعنيزة عند بدء الدروس وأسكن قريباً منه لاسيما في هذه الإجازة حيث دروسه الصباحية النافعة والتي هي بمثابة دورة علمية مكثفة وذلك قبل أن تعرف
٣- عدت لقريتي روضة هباس بمنطقة الحدود الشمالية بعد نهاية امتحانات نهاية العام حيث يسكن والداي رحمهم الله للجلوس عندهم لأيام حتى يبدأ الشيخ دروسه
واخبرت الوالد رحمه الله برغبتي في الرجوع لعنيزة فأذن لي لما رأى إصراري فعزمت على ذلك
واخبرت الوالد رحمه الله برغبتي في الرجوع لعنيزة فأذن لي لما رأى إصراري فعزمت على ذلك
٤- قبل سفري سافر الوالد سفره الذي لم نلتق بعده وظني بربي أننا سنتقابل يوماً في مقعد صدق عند مليك مقتدر في جنات النعيم ليس اعتماداً على عمل ناقص وتقصير بين وإنما لعلمي بسعة رحمة أرحم الراحمين ويقيني بأنه واحد لاشريك له
وكان معه في سفره خالي محمد بن دخيل العطوان الشمري حيث سافروا إلى حفر الباطن وحصل لهم حادث فتوفوا رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته وجميع أموات المسلمين
٥- جلست بعد وفاة الوالد أياماً ثم استأذنت الوالدة رحمها الله وودعتها حيث عزمت على السفر لعنيزة لملازمة الشيخ وحضور دروسه رحمه الله وحرصت أن أجد سكناً في العمارة الخاصة بطلاب الشيخ ليتسنى لي حضور جميع الدروس
٦- وافيت صلاة الجمعة مع الشيخ وقد أتيت الجامع الكبير ( جامع الشيخ ) بعنيزة مبكراً لأدنو منه ليتسنى لي السلام عليه بعد الصلاة وأن أعرفه بنفسي ورغبتي وبعد أن فرغ من صلاة الجمعة قمت وجلست جواره حتى إذا فرغ من الأذكار أكلمه في موضوعي الذي قدمت لأجله قبل أن يزحمه الناس
٧- بعد فراغه من الأذكار وكان رحمه الله لا يكلم أحداً حتى يفرغ منها أذن لي بالكلام فقلت له أحسن الله إليك شيخنا أنا أتيت من شمال المملكة رغبة في طلب العلم عندكم فإن أذنتم أن تأمروا لي بسكن في العمارة لأحضر دروسكم الصباحية وابتسم لي كعادته مع كل من طلب منه أمراً من الأمور
٨- رفع طرفه فرأى الأخ ياسر الجلاهمة أحد الذين سبقوني إلى الشيخ وكان في الصف الأول قرب الشيخ وقد عرفته فيما بعد وقد كان طالباً بالمعهد العلمي بعنيزة حينها وقد أتى من البحرين لنفس الغرض الذي أتيت له من البحرين
قال له الشيخ خذه إلى محمد ( مشرف السكن ) يهيء له سكناً
قال له الشيخ خذه إلى محمد ( مشرف السكن ) يهيء له سكناً
٩- ذهبت مع ياسر لمشرف السكن الأخ محمد أحد طلاب العلم من السودان وكان صاحب خلق ودين وله لحية كثة ووجه بشوش نعم الأخ
كانت طريقتهم في التسكين للقادمين في الإجازة مثلي أن يسكنوهم في غرف طلاب مسافرين لا تمكنهم ظروفهم من الحضور إلا وقت الدراسة فأخذني وعرض علي السكن بغرفة صغيرة مخصصة لطالب واحد مؤقتاً وكانت بها كتب صاحبها وأغراضه
١٠- أخبرته أنني طالب في الجامعة وأنا مستمر عند الشيخ حيث لم يمض من دراستي إلا سنة واحدة وأنا أرغب قضاء بقية سنوات دراستي كلها عند الشيخ
قال اسكن الآن في هذه الغرفة حتى يتهيأ لك سكن دائم
قال اسكن الآن في هذه الغرفة حتى يتهيأ لك سكن دائم
فسكنت فيها فترة الإجازة الصيفية ثم يسر الله بعد ذلك غرفة تتسع لطالبين سكنت فيها أنا وأخي العزيز محمد الحارثي والذي كان مديراً لتعليم مكة المكرمة
١١- في فترة وجودي في سكن الشيخ ودراستي عليه في مسجده وكذلك في الجامعة حصلت بعض المواقف غير العابرة قد تكون معي وقد تكون أمامي لبعض الزملاء وهي لاتخلوا من فائدة
فهذا أوان سردها من غير ترتيب ولا تبويب وإنما حسب ما تجود به الذاكرة وهي نافذة يسيرة لطريقة الشيخ وتعامله مما قد لايراه كثير من الناس ممن لا يرونه إلا في مسجده ودرسه
١٢- كان الشيخ له لقاء شهري خاص بطلاب السكن وعددهم قريباً من الخمسين طالباً يأتينا بعد انصرافه من صلاة العشاء ويجلس لفترة في نقاشات أبوية حانية ثم يتعشى معنا ويتبسط للطلاب
وكان يربي بمواقفه وتعامله ويسأل الطلاب عن أحوالهم وحاجاتهم وعن طعامهم وما ينقصهم ويجيب عن أسئلتهم الخاصة وليلة اللقاء بالشيخ من الليالي المنتظرة والجميلة وفي الصيف نجلس في السطح أحياناً
١٣- وكان لا يحرص على الأكل بقدر ما يحرص على مؤانسة الطلاب وتربيتهم وتوجيههم ومكان الجلوس في الغالب صالة الطعام على الأرض
وقد حفظت منه هذا البيت قاله يوماً عندما تجمعنا على الطعام معه
وهو لشاعر جاهلي وكان كثير الاستشهاد بالشعر
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وهو لشاعر جاهلي وكان كثير الاستشهاد بالشعر
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
١٤- أحد الليالي وهو يُهِمُّ بالخروج وقد اكتنفه الطلاب عن يمينه وشماله يشيعونه بعد لقائه الشهري وقد تبسط معهم مما جرأ أحدهم أن يقول ياشيخ أنا كنيتي أبو فلان إذا ناديتني فنادني بها فلم يعجب الشيخ كلامه
وعد مثل هذا التصرف ليس من أدب طالب العلم وأن طالب العلم لا يحرص على توقير نفسه وإن كان الشيخ لايرى بأساً في كنية الصغير ويعد ذلك من السنة استناداً لحديث يا أبا عمير مافعل النغير
١٥- في أحد الليالي لما همَّ الشيخ بالخروج بعد العشاء سبقه أحد الطلاب فقرب نعليه لانها كانت عند مدخل صالة الطعام مختلطة بالأحذية فأراد أن يهيأها للشيخ فلما رأه عاتبه
وقال أعدها مكانها بصوت فيه نبرة غضب فأعادها الطالب ولم يعد أحد لمثلها بعد ذلك وكان لايحب من طالب العلم أن يذل نفسه
١٦- أحياناً الشيخ يخرج معنا في نزهة للبر في صباح بعض أيام الخميس ولم يرتبط حينها بجلسات الباب المفتوح فكنا نخرج نحن في الضحى وهو يأتينا متأخراً ثم يجلس قريباً من الساعة
ويحضر بنفس منشرحة ببساطته المعروفة يضفي جواً مرحاً على الرحلة ولا يجلس مجلساً سواء في نزهة أو دعوة عند أحد إلا ويحرص على تفسير آيات من القرآن أو يعلق على حديث لينتفع بمجالسته من حضر قبل أن ينصرف
١٧-مرة خرجنا إلى أحد المزارع وجاء الشيخ مع أحد أبنائه وطلب منه الطلاب أن يسبح في مسبح المزرعة ولما الحوا عليه خلع ثوبه ونزل في الماء فكان سباحاً ماهراً وكان يقول السباح الجيد الذي إذا نزل في الماء لا يهيجه وإنما يبقى الماء على هدؤه لكنه لم يمكث سوى دقائق ثم خرج
وكان غرضه من ذلك تطييب خواطر من طلبوه
ثم قرأ أحد الطلاب عليه سورة القيامة فعلق على الآيات تعليقاً مختصراً وناقش مع الطلاب فوائدها وتناول القهوة ثم انصرف
ثم قرأ أحد الطلاب عليه سورة القيامة فعلق على الآيات تعليقاً مختصراً وناقش مع الطلاب فوائدها وتناول القهوة ثم انصرف
١٨- وذات يوم خرجنا في رحلة برية وجاء الشيخ كعادته مستبشراً باشاً في وجه الجميع ثم طلب من اثنين من الطلاب أن يتسابقا ووعد الفائز منهم بجائزة فأُجري السباق ووضع خط النهاية
فجاء السابق للشيخ فأخرج المحفظة من جيبه ثم فتحها وأخرج منه ورقة شجر يابسة أو لحاء وكسر منها عوداً يصلح لتنظيف الأسنان فأعطاه إياه فكان موقفاً جميلاً ومدهشاً وهو من لطائف شيخنا رحمه الله
١٩- كان الشيخ رحمه الله إذا أكل لايغسل يديه إلا بعد أن يلعقهما ويمسحهما بمنديل ليذهب أثر الزيت العالق بها فلما سئل عن ذلك قال هذا أبلغ في النظافة فالزيت قد لايزول بالصابون ثم بعد ذلك
وقع في نفسي أن الشيخ لم يكن هذا هو دافعه وإنما كان يتورع من أن يذهب هذا الزيت اليسير العالق بيده إلى مجاري المغاسل ولم يصرح بذلك خشية أن يتأسى به غيره ويلحقهم بذلك مشقة أو ينسب له كرأي والله أعلم
قبل أن أواصل السرد من مواقف شيخنا أحب أن أعطي الأخ القارئ والمتابع صورة عن بعض واقع تلك الفترة بداية من عام ١٤٠٩ للهجرة لطلب بعض الأخوة ثم نعود لاستكمال السرد
لقد كان الإنتقال للقصيم لغرض الدراسة في فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية نقلة كبيرة وتغييراً أثر في حياتي تأثيراً بالغاً
إذ كان الإنتقال من قرية صغيرة آنذاك وفي منطقة تقع في الطرف البعيد بعيدة عن الحركة العلمية وحركة الدعوة المتنامية إلى منطقة تفور بالعلم وتتحرك بالدعوة وتتجذر فيها ليس أمراً عادياً
فمظهر التدين من خلال اللحية وتقصير الثوب ونحوها والتي تنتشر في القصيم كانت نادرة في البيئة التي قدمت منها ليس فقط في القرية بل وفي محيطها وفي كامل المنطقة
كما أن الإلتقاء بطلاب الجامعة وكذا طلاب العلم في دروس الشيخ محمد العثيمين رحمه الله كانت تساهم في تغيير كثير من الأهداف التي لدي وتغير كثيراً من المفاهيم التي ترسخت في ذهني
لا سيما والطلاب يأتون من بيئات شتى من عدد من المناطق والقبائل والدول إذ كانت البيئة أشبه ما تكون عينة من مجتمع محافظ ونخبوي من العالم الإسلامي يتمثل في أساتذة الجامعة والدعاة وكبار طلاب العلم ومن حولهم الطلاب الذين ينهلون من علمهم ويتربون على أيديهم
وزاد من ذلك كوني التحقت بكلية الشريعة وأصول الدين إذ تحوي نخبة كبيرة من المهتمين بالعلم والدعوة وعلى رأسهم علماء كبار ودعاة مؤثرون على مستوى العالم الإسلامي
وبدأت أتعرف على أمهات الكتب والمراجع العلمية الأصلية وأجتهد في شراء ما يمكنني شراؤه مما أوفره من مكافأة الجامعة في علوم القرآن وكتب السنة والعقيدة وكتب السير والفقه وغيرها
فكانت المكتبة تنمو مع نمو العلم الذي أحصله من مجالس العلم في الجامعة والمسجد وبعد الانتقال لعنيزة لملازمة الشيخ محمد العثيمين والسكن بجوار مسجده تغيرت علي البيئة تغيراً محدوداً
هذا التغير نوع من التكامل الذي كانت تعيشه الدعوة آنذاك إذا كان الشيخ رحمه الله يركز على العلم فقط في الغالب إذ يجلس للتدريس يومياً في جامعه بعنيزة حرسها الله يشرح فيها المتون العلمية في شتى علوم الشريعة والطلاب لديه منكبون على العلم فقط حتى في جلوسهم ولقائهم على الطعام
بينما البيئة في بريدة رغم عنايتها بالعلم الشرعي المؤصل إلا أنها يكثر فيها الحديث عن العمل الإسلامي والدعوة وضرورة نشر البرامج التربوية
جلست في عنيزة ثلاث سنوات في السكن الخاص بطلاب الشيخ وكان السكن يتكون من ثمان وعشرين شقة أو غرفة يسكن في كل غرفة طالبان وكان أسفل العمارة مكتبة عامة وبجوارها المطعم الخاص بالسكن ويقدم الوجبات الثلاث بإنتظام
مرت تلك السنوات الأربع فترة دراستي الجامعية سنة في بريدة وثلاث سنوات في عنيزة والتي هي أكثر السنوات تأثيراً في حياتي
فأنا عندما انتقلت للقصيم لم أكن أتصور وجود مظاهر التدين بالحجم الذي رأيته إذ الخلفية التي إصطحبتها معي كانت تشعرني بغربة الإسلام وهذه الخلفية تكونت لدي من خلال مشاهداتي للمجتمع من حولي وكذا من سماعي لبعض الأشرطة وهي قليلة ونادرة
ولم يكن لدي قبل انتقالي للقصيم سوى عدد قليل من الكتب العلمية منها زاد المعاد وكتاب الكبائر للذهبي نسخة غير محققة وكتاب الأذكار للنووي وكان كتاب رياض الصالحين في المسجد وكنت أقرأ فيه كثيراً حتى حفظت أغلبه من غير أن أتعمد حفظه
أما السماع فلقد كان برنامج نور على الدرب والذي أدين له بالفضل الكبير يكاد يكون وجبة يومية لي بعد المغرب لفترة طويلة كما ولعدم وجود تسجيلات لبيع الأشرطة كانت مسموعاتي قليلة ونادرة
ولقد كان لدي بضعة أشرطة للشيخ عبد الحميد كشك وللشيخ أحمد القطان ولم أكن أعرف شيئاً عن مشايخ القصيم ولم أسمع عن أحد منهم سوى الشيخ محمد العثيمين والذي كنت أتابعه من خلال برنامج نور على الدرب غير أن لدي معلومات أسمعها من الناس أن القصيم منطقة متدينة وأهلها في الغالب ( مطاوعة )
وكل من وفد للقصيم تلك الفترة سيجد نفسه بقصد أو بغير قصد يسير في ركاب الدعوة لحضورها الكبير ولأثر العلم وأهله ولأن خطابها كان يشبع رغبة لدى كثير من الشباب وتتوافق مع إهتماماتهم وتشعرهم بأهمية الوقت لاسيما من حضر عند شيخنا رحمه الله
ولقد كانت حلقات تحفيظ القرآن الكريم تزف سنوياً عشرات الحفظة لكتاب الله وبرز عدد من القراء الذين يجتمع عليهم مئات المصلين في رمضان وكان من أشهرهم آنذاك محمد المحيسني وعبد العزيز الاحمد إذ تغص مساجدهم بالمصلين الذين يتوافدون من بعد المغرب مباشرة
ومما شاهدته هناك عدم استخدام الفرش ومكبرات الصوت في بعض المساجد وهو قليل ولا يشكل ظاهرة ومن النوادر ماشاهدته في بريدة وهو أن أحد المشايخ لا يستخدم السيارة ولا يتعامل بالأوراق النقدية ومسجده لم يصله الكهرباء
وقد زرته مع بعض الزملاء فسلمنا عليه ولم يرد علينا السلام لأننا لديه في حكم المبتدعة لعلمه أننا ندرس في الجامعة وقال إذا كان معكم إثبات شخصي أو أوراق نقدية فيها صور ضعوها في السيارة ثم أجلسنا عند باب منزله الطيني
وتحدثنا معه ونصحنا بترك الدراسة في الجامعة وكان يرى تحريم استخدام مكبرات الصوت في المسجد وكذا دخول الكهرباء لكنه لا يحرم التعامل بالعملة ولا ركوب السيارة إنما تركها ورعاً كما يقول ومثل هذه الصورة هي نادرة جداً بل قد تكون فردية في القصيم وإنما ذكرتها لطرافتها
بينما العلماء والمشايخ والدعاة الذين كانوا ملئ السمع والبصر لم يكونوا يرون بأساً من الإنتفاع بكل جديد وأن الوسائل ليست توقيفية والأمر فيها واسع غير أن التصوير الفوتوغرافي والفيديو كانت الفتوى بتحريمهما والإنكار على من يستخدمها ولا يكاد يوجد من يخالف في ذلك
ولقد كانت بريدة تتميز عن مدن القصيم الأخرى بقوة المحافظة والتدين فلا تكاد تشاهد منكراً ظاهراً إلا ويتسابق الناس لإنكاره فالتخلف عن صلاة الجماعة قد يترتب عليه الترحيل من الحي كما لا تكاد ترى مدخناً في الأماكن العامة أو من يبيعه في الأحياء السكنية
لم يكن التدين في القصيم عاطفياً بل هو توجه عام لمجتمع متدين بالفطرة ينقاد للدليل الشرعي وفق فهم السلف كما أن لمدرسة الشيخ محمد العثيمين الفقهية ومنهجه في اتباع الدليل أثر في نزع التعصب المذهبي رغم أن أغلب الدروس تعتمد على كتب مذهب الحنابلة
وللحديث بقية إن شاء الله
- كنا في درس المغرب وبعد أن أخذ الشيخ وقتاً يسيراً من أول الدرس توقف ثم قال سنذهب الآن لبريدة للصلاة على الشيخ صالح البليهي رحمه الله وقد تسابق الطلاب في الخروج أيهم يركب مع الشيخ
فركب الشيخ هو ومن اتسعت السيارة لهم ثم تبعه الطلاب وقد صلى بنا الشيخ الخريصي رحمه الله حيث اختلطت تكبيراته بالبكاء ويسمع نشيجه وهو يؤم الناس في صلاة الجنازة رحمهم الله جميعاً
كان الشيخ يدرب طلابه على الإلقاء حيث يخصص عشر دقائق قبل بداية درس المغرب مرة في الأسبوع وقد كلفني الشيخ بإلقاء الكلمة حيث يحدد الملقي قبل أسبوع كامل وحضرت كلمة عن الاستعجال اعتمدت فيها في الغالب على كتاب آفات على الطريق للسيد محمد نوح ويشترط الشيخ أن تكون الكلمة ارتجالاً
فألقيت الكلمة ومما قاله الشيخ في تعليقه عليها العجيب أنه ينهى عن العجلة وهو عجل في كلامه ثم قال ولعلنا نلتمس له العذر لضيق الوقت ثم أثنى على الكلمة وعلى سلامة اللغة
ثم ذكر بعض الملاحظات ومما نبه عليه تقسيمي العجلة إلى محمودة ومذمومة تبعت فيها السيد محمد نوح فقال العجلة كلها مذمومة ولا يتوجد عجلة محمودة والمحمود منها يسمى سبقاً أو مسارعة
من سد الذريعة عند شيخنا أنه ماكان يسمح في هذه الكلمة بذكر اسم شخص أو انتقاد أحد مهما كان وقد تكلم عبد الوهاب الزياني في كلمته عن أحد الأخيار باسمه وأثنى عليه وعلى جهوده وبعد أن أنهى كلمته علق الشيخ ومما قال ولا نسمح بذكر الأسخاص ولو بالمدح والثناء لأن هذا قد يقود إلى الذم
الأخ أحمد أحد الطلاب من اليمن في كلمته تلعثم وحاول أن يتكلم لكن رهبة الموقف ووقوفه بحوار الشيخ جعلت ذهنه يطيش فلم تسعفه الذاكرة بشي يقوله لكنه تدارك نفسه فقال أحيلكم لشيخنا ليحدثكم عن هذا الموضوع ثم جلس فضحك الشيخ طويلاً ثم قبل الإحالة وعلق على هذا الموقف وبين أنه قد يحصل للكبار
كان الشيخ رحمه الله يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وفي أحد الأيام دعاه أحد الطلاب للفطور عنده في غرفته في السكن فوافق الشيخ فأسقط في يده وجاءني لغرفتي لعلمه أنه يوجد عندي قهوة في السكن
وأخبرني خبره وهو محرَج لأن الشيخ يفطر على الرطب والقهوة وأشياء خفيفة وطلب مني أن أشارك معه في الفطور بإحضار القهوة وإعدادها
قلت له إذهب للسوق وكان قريباً من السكن وهات رطباً وأنا أعد القهوة وكانت معي مكوناتها وأوانيها فصنعتها على مهل طبختها مدة أكثر من المعتاد لأجل أن تكون أكثر تركيزاً ثم أبعدتها عن النار ليذهب اضطرابها وتصفو
ثم سكبتها في دلة التقديم بهدوء وطبختها مع الهيل طبخاً يسيراً حتى لا تظهر مرارتها ثم أتيتهم بها وقد اجتمع الطلاب في غرفة أخينا قبيل المغرب وكل منهم أحضر ماتيسر وأول ما أفطر الشيخ قال من صنع القهوة فأخبروه فأثنى عليها وأظهر إعجابه بها كعادته في أسلوبه في التشجيع
في احد الأيام خرجت مع الشيخ بعد الصلاة وقلت له رأيت من كلام الشيخ الألباني في أحد كتبه أن ممن ادَّعوا المهدية صاحب جهيمان السعودي
فقال أين ذكرها ؟
فأخبرته بموضعها
فقال أين ذكرها ؟
فأخبرته بموضعها
قال هات الكتاب
ثم في اليوم التالي أتيته بالكتاب فقال أقرأ
فقرأته عليه وقد عجبت من حرصه على رأي الشيخ الألباني رحمهم الله
ثم في اليوم التالي أتيته بالكتاب فقال أقرأ
فقرأته عليه وقد عجبت من حرصه على رأي الشيخ الألباني رحمهم الله
الشيخ يرى أن قراءة الفاتحة ركن على الإمام والمأموم والمنفرد في الصلاة الجهرية والسرية ويقول يقرأها في سكتات الإمام وإن شرع الإمام في القراءة أكملها ومع ذلك يقول لا يشرع للإمام السكوت ليقرأ من خلفه الفاتحة وإنما بمقدار مايتراد إليه نفسه
وخرجت معه بعد الصلاة فقلت له رأيت في فتح الباري أنه نقل عن سعيد بن جبير أن من مضى كانوا يسكتون بقدر ما يقرأ من خلفهم الفاتحة
وقلت له سعيد بن جبير يعني بمن مضى الصحابة ولا لا ياشيخ ؟
فقال هذا هو الأقرب
وقلت له سعيد بن جبير يعني بمن مضى الصحابة ولا لا ياشيخ ؟
فقال هذا هو الأقرب
ثم قال هات فتح الباري فأتيته به من الغد فقرأت كلام ابن حجر عليه ثم سكت
قلت له مارأيك ياشيخ ؟
فقال : كلام سعيد يحتاج إلى تحقيق ولا يثبت عندي أن هذه السكتة من السنة لأن من وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وصفوها بالتفصيل وذكروا سكتاته وهذه لم يصح بها حديث
قلت له مارأيك ياشيخ ؟
فقال : كلام سعيد يحتاج إلى تحقيق ولا يثبت عندي أن هذه السكتة من السنة لأن من وصفوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وصفوها بالتفصيل وذكروا سكتاته وهذه لم يصح بها حديث
وكان أية في حرصه على دقة اللفظ فقد قال له أحد الطلاب العجم
كيف نقول عند قراءة أحاديث رياض الصالحين وبلوغ المرام ونحوها من الكتب التي تخلو من الإسناد قال المؤلف وهو لم يقل وأنما نقل ؟
كيف نقول عند قراءة أحاديث رياض الصالحين وبلوغ المرام ونحوها من الكتب التي تخلو من الإسناد قال المؤلف وهو لم يقل وأنما نقل ؟
فأعجبت الشيخ هذه الملاحظة وأمر من يقرأ عليه أن يقول نقل المؤلف بدلاً من قال المؤلف لأن هذه العبارة أدق
وللحديث بقية إن شاء الله
إذا خرج الشيخ بعد الصلاة لبيته يذهب ماشياً على قدميه ويخرج معه الطلاب بعضهم يسأل وبعضهم يستمع وينتفع طيلة الطريق ويحصل في ذلك فوائد علمية وتربوية لا حصر لها
وذات يوم وبعد أن تجاوز الشيخ المكان الذي وضع فيه الآن مول عنيزة وجد شخصاً يدفع سيارة قد تعطلت والآخر يحاول تشغيلها فتوجه إليه الشيخ وتبعه الطلاب فدفعوها دفعاً قوياً ثم اشتغلت وعاد الشيخ لطريقه يكمل إجابته على أسئلة الطلاب
بعد سنوات من تخرجي وابتعادي عن الشيخ رجعت للشيخ ومعي عدد من الأسئلة أريد رأي الشيخ فيها فسألت الشيخ ثلاثة أسئلة ثم قال يكفي قلت ياشيخ سأسافر وربما لأتمكن من الرجوع فقال الشيخ لو معك مسجل لابأس وما أكثر مانقل عنا مالم نقل يريد أن مالم يسجل إذا كثر ينسي بعضه بعضاً
وكان بجواري الأخ مازن الغامدي رحمه الله فدفع إلي مسجلاً صغيراً كان معه
فتبسم الشيخ وقال هذه حيلة باطلة!
إلا إذا تعطيه الشريط ؟
قال أعطيه إياه فأكملت الأسئلة لكن المحزن أن مازن رحمه الله وعدني أن يأخذ نسخة من الشريط ويعطيني نسخة لكن حيل بيننا فلم أقابله وسافرت ولم آخذ الشريط
فتبسم الشيخ وقال هذه حيلة باطلة!
إلا إذا تعطيه الشريط ؟
قال أعطيه إياه فأكملت الأسئلة لكن المحزن أن مازن رحمه الله وعدني أن يأخذ نسخة من الشريط ويعطيني نسخة لكن حيل بيننا فلم أقابله وسافرت ولم آخذ الشريط
كان الشيخ رحمه الله أبعد الناس عن الإسراف وفي أشياء لايعدها كثير من الناس إسرافاً جاء يوماً إلى صلاة المغرب ولما أقبل رأى احد غرف الطلاب في السكن مضاءة فدخل العمارة وذهب للغرفة ولم يجد صاحبها فقد ذهب للصلاة فنبه من حظره من الطلاب بضرورة اطفاء الأنوار عند الخروج
كان إذا أقيمت الصلاة يرى أحياناً المظلة التي أمام مسجد الفروض مضاءة فلا يكبر حتى تطفأ وكان يقتصد في الورق الذي يكتب فيه حيث يكتب في أسفل الورقة ويقطعها ليستخدم بقية الورقة لمناسبة أخرى
ترى الجهد والتعب في وجهه أحياناً من كثرة ارتباطاته وأعماله وكان في غاية الدقة في ترتيب المواعيد والعناية بها وكان لديه لقاءات شهرية لايحددها بالتاريخ وإنما بأيام الأسبوع وترتيبها فمثلاً أول ثلاثاء من كل شهر أو ثالث أربعاء من كل شهر وهكذا
وفي أحد الليالي كان لديه اجتماع بعد العشاء وبعد الصلاة نام في المسجد قريباً من نصف ساعة لقطع تعب اليوم وقال إذا جاء حمود الصايغ أوقظوني ثم قام بعد حضور الشيخ حمود وتوضأ في دورات المسجد ثم ركب معه وخرج للاجتماع
في أحد لقاءات الشيخ طلب الشيخ حمود الصايغ منه أن يكون للشيخ لقاء خاص في بيته للعوام وليس لطلاب العلم منه نصيب لأن بعض العوام لديهم اسئلة وكثير منهم لا يتمكن من عرضها على الشيخ ومزاحمة طلاب العلم وربما منعه من ذلك الحرج
فقال الشيخ نجعله عاماً للعامة وطلاب العلم
فراجعه في ذلك حمود الصايغ ليعطي فرصة أكبر للعوام
قال الشيخ أخشى أن يقول طلاب العلم هب أننا عوام !
فضحك الحضور وقرر الشيخ إقامة اللقاء ضحى كل يوم خميس وقد نفع الله به نفعاً كبيراً وهو سلسلة الباب المفتوح وكانت بدايته عام ١٤١٢
فراجعه في ذلك حمود الصايغ ليعطي فرصة أكبر للعوام
قال الشيخ أخشى أن يقول طلاب العلم هب أننا عوام !
فضحك الحضور وقرر الشيخ إقامة اللقاء ضحى كل يوم خميس وقد نفع الله به نفعاً كبيراً وهو سلسلة الباب المفتوح وكانت بدايته عام ١٤١٢
ربما عرضت له مسألة فلم يجزم بها فقد سأله أحد الطلاب عن شخص يحضر للجمعة مبكراً ويجد له مكاناً في طرف الصف الأول لكنه لو جلس في الصف الثاني مقابلاً للخطيب انتفع من الخطبة أكثر من انتفاعه بها فيما لو جلس في الصف الأول فأيهما أفضل بالنسبة له ؟
فقال الشيخ لو جلس بالصف الأول أدرك فضله ولو جلس في الصف الثاني انتفع بالخطبة وهو من مقاصد الجمعة إذ هو مأمور بالإنصات لأجل الانتفاع بها ثم سمع من بعض الطلاب أقوالهم لكنه لم يجزم بها في مجلسه ذاك وختم جوابه بقوله تحتاج إلى مزيد تأمل وهي مما استخير الله به
من حضر مجالس التفسير لشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أدرك أنه أمام سيل هادر وبحر لا ساحل له تجد في تفسيره الفقه حتى يخيل إليك أنك في درس تخصصي في الفقه يتكلم فيه عن الخلاف ويشير للأدلة ويرجح ما يراه بالدليل ويستحضر كل الآيات التي تتعلق بهذا الحكم أو ذاك !
فإن مال إلى اللغة أبهرك حديثه وكأنه ينظر إلى أمهات علوم اللغة لينتزع منها ما يشاء من فوائد بل ومن الفوائد اللغوية مالا تجده في مظانه في كتب اللغة حتى أبهر المتخصصين فيها
وفي حديثه عن معاني الحروف وعود الضمائر طريقة لا يتقنها إلا هو فيفتح بذلك مغاليق العلوم ويوضح بذلك المعاني المبهرة لا سيما عندما يكون للحرف أكثر من معنى محتمل أو للضمير أكثر من اسم يعود إليه
ولقد كنت أعرف أن ضمير الفصل لا محل له من الإعراب فيخيل إليّ أنه لا فائدة منه حتى سمعته وهو يتحدث عن فوائد ضمير الفصل فوقع في نفسي أن لا ضمير يضاهيه أو يفيد كما يفيد !
وإن تحدث في العقيدة وما يتعلق بأسماء الله وصفاته عند ختم الآيات ترى وكأنما اللؤلؤ يتحدر من بين شفتيه والصيد كل الصيد عندما يبدأ في سرد فوائد الآيات فلا يقطع عليك متعة تلقي الفائدة إلا عندما يقول .. ومنها ..
.. لتتحفز لفائدة جديدة حتى يخيل إليك وهو يقول ومنها .. ومنها أنه قد سهر عليها وكتبها وتأملها لكن سرعان ما يتضح لك أنه إنما هو يستنبطها على البديهة
ومن أعجب ما تجده في درس التفسير هو تسلسل المعلومات وتتابعها وترتيبها فلا تجد كلمة إلا وهي في موضعها الصحيح رغم تزاحم العلوم التي يتنقل بينها وكثرة الفوائد التي يتحف أهل المجلس بها
يجلس في تفسير الأية أياماً وربما أخذت عليه الجملة الواحدة وقت الدرس الذي يمتد حتى صلاة العشاء
يجلس في تفسير الأية أياماً وربما أخذت عليه الجملة الواحدة وقت الدرس الذي يمتد حتى صلاة العشاء
آخر عهدي برؤية الشيخ رحمه الله كانت بعد مرضه وقبل أن يقعده المرض حيث زرته في عنيزة وكان منشغلاً بتصحيح بعض شروحه التي فُرِّغت من الأشرطة يقرأها عليه الأخ خالد حامد المصري تمهيداً لطبعها
أما آخر العهد بسماع صوته مباشرة فقد كان في آخر رمضان من عام ١٤٢١ حيث كنت بالحرم استمع لدرسه الأخير حيث القاه وهو على سرير مرضه من غرفة خاصة بالحرم حيث توفي بعد ذلك بأسبوعين رحمه الله وجمعنا به ووالدينا والمسلمين في جنات النعيم
وانتهت هذه السلسلة من التغريدات عن بعض ذكريات لا تزال عالقة في الذاكرة
من حياة شيخنا رحمه الله
وشكراً لكل من أضاف أو أعاد أو نشر
من حياة شيخنا رحمه الله
وشكراً لكل من أضاف أو أعاد أو نشر
جاري تحميل الاقتراحات...