ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

19 تغريدة 73 قراءة May 17, 2021
زهرة استثنائية خطفت ألباب الأوربيين، فأسبغوا عليها تقديرهم واهتمامهم المفرط، إلى ذلك الحد الذي تضخم شأنها حتى باتت الواحدة منها تشتري قصورًا وتؤّمن حياة أسر على امتداد أعمارها!!
حياكم تحت 🌷🌷
في القرن السابع عشر الميلادي بلغت أوروبا ذروة ازدهارها الاقتصادي مدفوعة باكتشافها أمريكا والعالم الجديد وما ترتب على ذلك من فرص وكنوز، وكذا اكتشافها طريق رأس الرجاء الصالح الذي وصلها بالهند لأول مرة وما ترتب على ذلك من سيطرة لها تامة على مقدرات التجارة العالمية وبلاد الشرق.
مثلت هولندا واحدة من بين دول أوروبية كثيرة نعمت برخاء اقتصادي لا نظير له، توفر عبر شركتها التاريخية الأشهر شركة الهند الشرقية الهولندية، والتي شقت عباب البحار ورسخت وجودها بين أمواجه العاتية، واستعمرت دولا كثيرة في الشرق الأقصى والأدنى ونهبت خيراتها.
نتيجة لذلك تغير المجتمع الهولندي بشكل كبير وصار قطاع منه ذا ثراء فاحش،وحين يمتلك أحدهم مالا فإنه يبحث عما يمكنه به أن يتميز عن غيره، لذلك يبحث عن الأشياء الثمينة التي لا يستطيع غيره حوزها ومن ثم يشتريها، مثل البيوت الفارهة والأحجار الكريمة فإن لم يكن فللوحات والزهور..
نعم الزهور!
في تلك الفترة كانت هولندا وأوروبا جميعها تتعرف لأول مرة على كثير من النباتات والفواكه والمحاصيل الآتية إليها من أمريكا وبلاد الشرق، من بين هذه النباتات كانت زهرة التوليب، تلك الزهرة التي وصلت إليهم من المغرب العربي في أواخر القرن الخامس عشر، ولاقت ما لاقت من انبهار وإعجاب.
من منا لا يعرف تلك الزهرة التي تخطف قلبك بمجرد النظر إليها، تلك الزهرة المبهجة المفعمة بالألوان والحياة، خطفت تلك الزهرة ألباب الهولنديين، وهاموا عشقًا بها، لكنها لم تكن بالكثرة الكافية، كما أن زراعتها لم تكن سهلة. ندرتها في البداية جذبت إليها قطاعات الأثرياء الهولنديين.
راح الأثرياء يزرعونها أمام بيوتهم وفي حدائقهم الخاصة، ورويدًا رويدًا صارت هذه الزهرة رمزًا للثراء والتعالي الطبقي، خصوصًا مع ما استجد في سلالاتها من مرض فيروسي جديد، مرض أضفى على ألوانها خطوطًا زادتها سحرًا وتأنقًا وجعلتها أشبه بفُسَيفساء طبيعية خلابة.
بالطبع لم ينتج عن هذا المرض الفيروسي سلالة واحدة، بل تعددت سلالاته حتى جاوزت العشرة، وعلى حسب ندرة كل سلالة من هذه السلالات يزداد سعرها مقارنة بغيرها من السلالات. ذلك الجمال الطبيعي الأخاذ لتلك الزهرة؛ زاد من معدلات الطلب عليها وجعلها محط أنظار المستثمرين.
كردة فعل على هذه الزيادة الكبيرة في الطلب، أصبح الجميع يبحث عن بتلات هذه الزهرة من أجل زراعتها وهو ما نتج عنه زيادة في أسعارها، لم يتوقف السعر عند حد معين، بل أخذ يزداد من عام لآخر، ومع هذا المؤشر التصاعدي أصبح المستثمرون يضعون فيها ثقتهم وكثير من أموالهم.
في عام 1633 أصيب الناس بالدهشة من الأسعار الخيالية التي صارت إليها التوليب، وولى الهولنديون بكل طبقاتهم وجوههم صوب التوليب بحثًا عن الربح السريع. فيما ضُرِب على حقول تلك الزهرة أسوارًا حصينة وعين عليها حراسات لا تنام، نظرًا لما تمثله قيمتها حينذاك!!
كانت زهرة التوليب الواحدة بألف جيلدر، بينما وصلت أسعار بعض البتلات إلى 5000 جيلدر، وهو مبلغ قادر على تأمين حياة ومتطلبات أسرة كاملة لعقود، كما هو قادر تمامًا حينها على شراء قصر فاره على بحيرة في العاصمة أمستردام.
وصل الأمر ذروته مع الشهر الأول من العام 1637 وازدادت الأسعار أكثر، ولشدة سعي الهولنديين وراء زهور التوليب وبتلاتها، قل الاهتمام بالصناعة والتجارات الأخرى وانضم الجميع للرهان والمضاربة على هذا الخيل العاتي، في بورصة أمستردام التي كانت حديثة عهد حينذاك من حيث التأسيس والفكرة.
ذلك الجنون دفع عديد من التجار والمضاربين إلى التعاقد مع المزارعين على شراء زهور وبتلات سنوات قادمة لم تأت بعد. وهو الأمر الذي جد معه شعور بالقلق والخوف حول قدرة التجارة على تأمين بيع هذه الزهور بعد كل هذه المدة الآجلة، وهو سؤال دفع كثيرين للتخلص من هذا القلق ببيع حصصهم.
قادت المبيعات القلقة بشأن المستقبل مزيد من التجار والمستثمرين إلى بيع حصصهم، وهو أمر عجل بانفجار فقاعة التوليب، حيث ازداد العرض وأقبل الجميع على البيع، وبالتوازي مع هذا هبط سعر التوليب بشكل لا يوصف وباتت الزهور والبتلات لا تساوي شيئًا في مقابل ما كانت عليه.
تسببت هذه الفقاعة في خلخلة المجتمع الهولندي وإعادة ترتيبه، وسط حالة من الإفلاس طالت كثير من طبقاته، ذلك المجتمع الذي قاده الجشع والطمع إلى إهمال واقعه وضروراته وتجارته وصناعته الحقيقية، والإلقاء بذاته في أحضان المجازفة وحب الكسب السريع.
صورت بعض اللوحات الفنية ما حدث حينذاك بشكل لاذع، منها هاتين اللوحتين؛ التي تصف إحداهما المضاربين على التوليب على أنهم مجموعة من القرود لا عقل لهم، فيما الثانية تصورهم بالحمقى الذين استقلوا عربة وتبعهم الجميع تاركين أعمالهم وشئونهم الحقيقة بالاهتمام.
الفقاعة الاقتصادية شيء ثابت تاريخيًا حدث مرارًا وتكرارًا ولا يزال قابلًا للحدوث، حيث تتشكل هذه الفقاعات بناء على مضاربات متزايدة على إحدى السلع، الأمر الذي يرفع من قيمتها بشكل جنوني غير منطقي، ما يتسبب في حدوث فجوة بين سعرها المتزايد وبين قيمتها الواقعية التي تستحقها.
عاجلًا أم آجلًا تأخذ هذه الفجوة فرصتها معبرة عن ذاتها، الأمر الذي يتسبب في انفجارها، حيث تتهاوى الأسعار عن برجها العاجي، ساقطة إلى ما تستحقه من سعر واقعي بل أقل، الأمر الذي يترتب عليها أضرار اقتصادية شديدة ربما تطال العالم كله كما حدث في فقاعة القروض العقارية 2008.
لكل زمن فقاعته الاقتصادية، وفي كل مرة لا يعي الناس ما هم مقبلون عليه من مخاطر كبرى، حيث يعمي المكسب السريع أنظارهم ويلقي بهم فجأة في جب عميق من الخسائر، هل تتوقعون أن يكون البيتكوين الفقاعة القادمة؟!

جاري تحميل الاقتراحات...