ذكرياتٍ كانت مختبئة ونائمة، وأعادتني إلى عيونٍ ذابلة لكثيرٍ من أقربائي وأصحابي اغتالتهم الحرب وترك غيابهم في نفسي مشاعرَ مختلفة من حزنٍ وأسى خالط بعضها بعضاً. معلومة أقولها لمن لا يعرف ما الذي يمثله الباص الأخضر لدى الأشقاء السوريين..
الباص الأخضر أوجده جوّ الحرب وأيام الهدنة على قلتها، فالباصات الخضر كانت تتبع النظام السوري، ودورها أن تُخرج المدنيّين والمقاتلين المسلحين مع عوائلهم - أو بدونهم- من منطقةٍ ما (إلى مدينة إدلب على الأغلب) ليُتاح للجيش السوري الدخول للمنطقة وإعلانه النصر فيها، وذلك ضمن اتفاقٍ تضمنه
الدول الكبار التي تدير الحرب في المنطقة. وفي واقع الحال هو خروجٌ مذلٌّ لأولاء المقاتلين الذين ما قبلوا به إلا بعد أن تكدّر عليهم العيش وتحوّل الحصول على الماء والغذاء إلى حلمٍ بعيد المنال، وصار ركوب الباص الأخضر طوق نجاةٍ أخير للبقاء على قيد الحياة. الغريب أن هؤلاء خروا من
بيوتهم مرغمين، يسوقهم جنود الجيش السوري سوقاً إلى الباصات الخضر، وهم بخطاهم المتثاقلة يحملون معهم ما خفّ حمله بعد أن فرغت أيديهم ممّا زاد ثمنه، تاركين ورائهم تاريخاً وحضارة وحكايةً وذكرى وحياة وياسمينا. كثيرًا ما تحدث جان دوست عن أبو ليلى، وأبو ليلى هو أحد هؤلاء المدنييّن الذين
لحقوا ركب طالبي السلامة في الباصات الخضر، وهو في مقعده الأول ينتظر انطلاق الحافلة بدأ يسترجع ذكرياتٍ مفجعة لأسرته، لاسيّما حفيدته الصغيرة (ميسون) التي شطرتها شظيّة برميلٍ متفجّر إلى نصفين مطفئةً بذلك شمعة عمرها الخامسة، وتاركةً أمّها (ليلى) في فجيعة نكراء شلّت لسانها عن النطق.
تروي لنا فصول الرواية مشاهد الموت على ألسنة أصحابها وهم (نازلي)زوجة (أبو ليلى) التي استشهدت بتفجير برميلٍ سقط فوق أحد المشافي، وأبناءه عبد الناصر وعاصم وعمر وابنته ليلى التي فقدت عقلها بعد أن فقدت زوجها الدكتور (فرهاد) وابنتها (ميسون). إن مما شدني هنا الحوار الدائر بين أبو ليلى
وابنه عبد الناصر الذي قتلته رصاصة قناص فلسطيني في حرب الثمانينيات في لبنان، وكيف أنّ كل الكتب التي أرّخت لمجازر حرب المخيمات جانبت الحقيقة أو انتقصتها.
الفصل الأخير يخلو الباص من ركابه ليبقى (عبّود العجيلي/أبو ليلى) وحيداً تزوره أطياف أسرته التي قتلتها الأقدار الماحقة، وهنا
الفصل الأخير يخلو الباص من ركابه ليبقى (عبّود العجيلي/أبو ليلى) وحيداً تزوره أطياف أسرته التي قتلتها الأقدار الماحقة، وهنا
يسردون عليه قصصهم المفجعة، فقتله حضورهم بما يحب، كما قتلته قصصهم بما يكره.
جاري تحميل الاقتراحات...